من عيوبنا معشر المتدينين اسْتِمْرَار النزاع. ودوام الْخُصُومَات الدِّينِيَّة بَيْننَا فَتَارَة تَجِد المعارك قَائِمَة محتدمة ويشترك فِيهَا الْعلمَاء وَأَصْحَاب الجرائد والمجلات، وتستمر المعركة قَائِمَة شهرا وأشهرًا وَسنة بل وسنين، لأجل الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ. وَتارَة يتخاصمون لأجل سنية العذبة، وَتارَة يتحاربون لأجل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم بعد الْأَذَان، وَسورَة الْكَهْف، وَمرَّة يتقاتلون لأجل تَأْوِيل آيَات الصِّفَات، وَمَا من حكم من أَحْكَام الشَّرِيعَة الحنيفية السمحة، إِلَّا اخْتلفُوا فِيهِ وتعصبوا كل
[ ٦٦ ]
لرأيه وَتَنَازَعُوا وفشلوا وَأَصْبحُوا أحزابًا وشيعا بِهِ. وبدت بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء والتنافر الَّذِي وصل بهم إِلَى حد سفك الدِّمَاء.
وَالْأَمر وَالله سهل جدا، فقد بَين الله سُبْحَانَهُ الدَّاء والدواء حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول، إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَلَكِن الْقَوْم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر بل يُؤمنُونَ بالمشايخ ويفضلون حكمهم على حكم الله وَرَسُوله، وَلذَا طَال النزاع وَاشْتَدَّ بَيْننَا الْجِدَال وَالْخِصَام واحتدم.
والآن نتكلم عَن مَسْأَلَة كشف رَأس الْمصلى. وَهِي من أبسط وأخف الْمسَائِل الدِّينِيَّة الَّتِي لَا يعاقبنا الله عَلَيْهَا إِن تركناها، وَلَا يزيدنا أجرا وثوابا إِن فعلناها، وَلَكِن للضَّرُورَة نتكلم فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
الرَّأْس لَيْسَ عَورَة بِإِجْمَاع الْمُسلمين؛ وَلم يقل أحد فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا بِبُطْلَان صَلَاة حاسر الرَّأْس، بل قد أوجبوا الصَّلَاة على العاري الَّذِي لم يجد مَا يستر بِهِ سوأتيه، وَأوجب الله على كل حَاج أَن يكْشف رَأسه فِي الصَّلَاة وَالطّواف، وَفِي أفضل مَكَان وَأفضل بقْعَة. وَأفضل عبَادَة يرجع الْمُؤمن بعْدهَا من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه.
ثمَّ كل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي العمائم وفضلها لَا شكّ أَنَّهَا بَاطِلَة وموضوعة كَحَدِيث " صَلَاة بعمامة تعدل خمْسا وَعشْرين صَلَاة؛ وَجمعه بعمامة تعدل سبعين جُمُعَة " وَهُوَ مَكْذُوب مفترى.
و" الصَّلَاة فِي الْعِمَامَة بِعشْرَة آلَاف حَسَنَة " بَاطِل كَذَلِك، انْظُر أَسْنَى المطالب وَغَيره.
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير " كَانَ [ﷺ] يلبس القلانس تَحت العمائم، وَبِغير العمائم ويلبس العمائم بِغَيْر قلانس، وَكَانَ يلبس القلانس اليمانية؛ وَهن الْبيض المضربة ويلبس ذَوَات الآذان فِي الْحَرْب؛ وَكَانَ رُبمَا نزع قلنسوته فَجَعلهَا
[ ٦٧ ]
ستْرَة بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ من خلقه أَن يُسمى سلاحه ودوابه ومتاعه " وَقَالَ أخرجه الرَّوْيَانِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس ورمز بضعفه، وَفِي هَذَا الحَدِيث يُفِيد كشف رَأسه [ﷺ] أَحْيَانًا فِي الصَّلَاة إِلَّا أَنه ضَعِيف.
وأوضح من هَذَا وَأكْثر بَيَانا، وَأعظم وَأفضل اطمئنانًا، مَا ورد عَن عَمْرو بن سَلمَة قَالَ: " لما كَانَت وقْعَة الْفَتْح بَادر كل قوم وبادر أبي قومِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قدم قَالَ جِئتُكُمْ من عِنْد النَّبِي حَقًا، فَقَالَ: صلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، فَإِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن أحدكُم وليؤمكم أَكْثَرَكُم قُرْآنًا. فنظروا فَلم يكن أحد أَكثر قُرْآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركْبَان. فقدموني بَين أَيْديهم. وَأَنا ابْن سِتّ سِنِين أَو سبع سِنِين، وَكَانَت على بردة كنت إِذا سجدت تقلصت عني، فَقَالَت امْرَأَة من الْحَيّ: أَلا تغطون عَنَّا إست قارئكم؟ فاشتروا فَقطعُوا لي قَمِيصًا فَمَا فرحت بِشَيْء فرحي بذلك الْقَمِيص " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ.
وَقد روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن سهل قَالَ: " كَانَ رجال يصلونَ مَعَ النَّبِي [ﷺ] عاقدي أزرهم على أَعْنَاقهم كَهَيئَةِ الصّبيان، وَقَالَ للنِّسَاء لَا ترفعن رءوسكن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا " وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك مَخَافَة أَن يطلع النِّسَاء على عورات الرِّجَال.
فَإِذا كَانَ كشف السوأتين فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا الشَّرْع لَا صَلَاة الإِمَام وَلَا الْمَأْمُوم على السوَاء، فَهَل يَلِيق بعاقل بعد هَذَا أَن يتَكَلَّم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا بِهَذَا الَّذِي تبين ووضح وَصَحَّ سَنَده عَن رَسُول الله [ﷺ]؟ فدعوا التعصب والتهريج فِيمَا لَا يجدي.
[ ٦٨ ]
وَمَعَ هَذَا فَإِنِّي لَا أوافق جمَاعَة أنصار السّنة على مغالاتهم وتشددهم فَوق الْمَطْلُوب فِي هَذَا الْمَوْضُوع الْبَسِيط، كَمَا لَا أوافق هَؤُلَاءِ الْعَوام والجهلة والمتعالمين على مشادة أهل الْحق بأباطيلهم وأضاليلهم، وَمَا يضربونه لذَلِك من أَمْثَال.
وَأما آيَة ﴿خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾ فقد نزلت فِي ستر الْعَوْرَة، لَا فِي الْعِمَامَة وَلَا فِي ستر الرَّأْس. وَذَلِكَ كَمَا روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " كَانَت الْمَرْأَة تَطوف بِالْبَيْتِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَهِي عُرْيَانَة وعَلى فرجهَا خرقَة وَهِي تَقول:
(الْيَوْم يَبْدُو بعضه أَو كُله فَمَا بدا مِنْهُ فَلَا أحله)
فَنزلت ﴿خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾ وَنزلت ﴿قل من حرم زِينَة الله﴾ أهـ. من لباب النقول فِي أَسبَاب النُّزُول
وَقد أفتى شَيخنَا السَّيِّد الإِمَام الْأُسْتَاذ الشَّيْخ رشيد رضَا ﵀ فِي مجلة الْمنَار تَحت عنوان.