روى الإِمَام أَحْمد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان عَن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ]: " إِن الله تَعَالَى يحب أَن تُؤْتى رخصه كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته " وَفِي رِوَايَة. " كَمَا يحب أَن تُؤْتى عَزَائِمه "، وروى النَّسَائِيّ عَنهُ [ﷺ] قَالَ: " إِن الله ﷿ أمرنَا أَن نصلي رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر " وَثَبت أَنه [ﷺ] أخبرنَا أَنَّهَا - أَي صَلَاة الْقصر - " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ".
إِذا كَانَ كَذَلِك فَعجب جدا أَنَّك لَا تكَاد ترى عَالما وَلَا واعظا مِمَّن يجوبون الْبِلَاد، وَلَا مدرسا من هَؤُلَاءِ الرسميين أَو غَيرهم يحيي هَذِه السّنة الجليلة الجميلة، حَتَّى كَادَت تندثر وتندرس، وَلَو قُلْنَا إِن أهل الْأَزْهَر عَن الْعَمَل بِالسنةِ مبعدون، وَلها لَا يعْرفُونَ، بل هم عَنْهَا صادون، فَمَا لجَماعَة الشَّيْخ مَحْمُود السُّبْكِيّ بهَا لَا يعْملُونَ، وهم لَيْلًا وَنَهَارًا بِاتِّبَاع السّنة ينادون، وللعلماء المبتدعين والعوام يُحَاربُونَ؟
وَلَقَد حضر لدي بَعضهم، وَكَانُوا مسافرين أميالًا وبردًا فَأَمَرتهمْ بِالْقصرِ فَأَبَوا، فأسفت وَقلت: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون! وَمَا وَقع مِنْهُم ذَلِك إِلَّا لأَنهم فِي الْهدى النَّبَوِيّ مفرطون ومقصرون، وَعَن اقتناء كتب السّنة وعَلى الْأَقَل البُخَارِيّ وَمُسلم غافلون، بل لكتب الْحَوَاشِي والشروح يجمعُونَ، وفيهَا يذاكرون، وَكَانُوا إِذا ذَهَبُوا إِلَى الشَّيْخ ﵀ فِي أَيَّام الْجُمُعَات فَلَيْسَ لَهُم هم إِلَّا أَنهم ليده يقبلُونَ، وبثيابه يتمسحون، وَقد نبهتكم يَا إخْوَانِي لحبي فِيكُم فعساكم تتنبهون وتتفقهون، وبالسنة تَعْمَلُونَ.
[ ٩٩ ]
وإنني لأكْثر ثنائي وعظيم شكري لجَماعَة أنصار السّنة، إِذْ مَا جَاءَنِي صَغِير مِنْهُم وَلَا كَبِير إِلَّا وَأرَاهُ محافظا على إحْيَاء هَذِه السّنة، غير مقصر فِي قبُولهَا وَتَعْلِيمهَا فَأكْثر الله من أمثالهم، وَلَكِنِّي أنكر عَلَيْهِم جدا حلق لحاهم، ويشتد نكيري وتغيظي عَلَيْهِم لإعراضهم وذهولهم عَن التَّطَوُّع بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي المعركة الفلسطينية لقتل الْيَهُود الَّذين هم: ﴿أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا﴾ والفتك بهم وَلَقَد كَانَ الْمَفْرُوض والمنتظر مِنْهُم أَن يَكُونُوا أول قَاتل وَأول قَتِيل وَأَشد من يتحمسون ويلتهبون نَارا قبل غَيرهم للدفاع عَن الْقبْلَة الأولى، ومسرى الرَّسُول وبلد الْأَنْبِيَاء، وَعَن دِمَاء وأعراض وأموال إخْوَانهمْ فِي الْإِسْلَام والأوطان عاملين قبل النَّاس فاهمين معنى ﴿وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر﴾، وَقَوله [ﷺ]: " الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره، وَلَا يكذبهُ وَلَا يُسلمهُ ".
يَا أنصار سنة مُحَمَّد. لقد كَانَ من واجبكم أَن تَكُونُوا أسبق النَّاس إِلَى هَذَا الْخَيْر الْعَظِيم. الشَّهَادَة فِي سَبِيل الله، وَأَن لَا يعرف النَّاس طَرِيق الذّهاب إِلَى ميادين الْقِتَال إِلَّا عَن طريقكم. لَا عَن طَرِيق من تعتقدون أَنهم أهل ضَلَالَة وبدعة، وَلَكنَّا وَيَا للأسف لم نجدكم إِلَّا أَبْطَأَ النَّاس ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا﴾ .