قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي كِتَابه (تَبْيِين الْعجب بِمَا ورد فِي فضل رَجَب) لم يرد فِي فضل شهر رَجَب وَلَا فِي صِيَامه، وَلَا فِي صِيَام شَيْء مِنْهُ معِين، وَلَا فِي قيام لَيْلَة مَخْصُوصَة فِيهِ حَدِيث صَحِيح يصلح للحجة، وَقد سبقني إِلَى الْجَزْم بذلك الإِمَام أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ الْحَافِظ، وَكَذَلِكَ روينَاهُ عَن غَيره، وَلَكِن اشْتهر أَن أهل الْعلم يتسامحون فِي إِيرَاد الْأَحَادِيث فِي الْفَضَائِل، وَإِن كَانَ فِيهَا ضعف مَا لم تكن مَوْضُوعَة، وَيَنْبَغِي فِي ذَلِك اشْتِرَاط أَن يعْتَقد الْعَامِل كَون ذَلِك الحَدِيث ضَعِيفا، وَأَن لَا يشْتَهر ذَلِك لِئَلَّا يعْمل الْمَرْء بِحَدِيث ضَعِيف فيشرع مَا لَيْسَ بشرع أَو يرَاهُ بعض الْجُهَّال فيظن أَنه سنة صَحِيحَة، وليحذر، الْمَرْء من دُخُوله تَحت قَوْله [ﷺ] " من حدث عني بِحَدِيث يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين " فَكيف بِمن عمل بِهِ؟ وَلَا فرق فِي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ فِي الْأَحْكَام أَو فِي الْفَضَائِل إِذْ الْكل شرع، ثمَّ بَين أَن أمثل حَدِيث يشْعر بِفضل صِيَام رَجَب هُوَ حَدِيث " ذَاك شهر يغْفل النَّاس عَنهُ بَين رَجَب ورمضان " وسَاق أَيْضا حَدِيث الباهلية، وَهُوَ ضَعِيف، ثمَّ سَاق الْأَحَادِيث الشَّدِيدَة الضعْف والموضوعة وَقَالَ الإِمَام ابْن الْقيم وَلم يصم [ﷺ] الثَّلَاثَة الْأَشْهر سردًا كَمَا يَفْعَله
[ ١٤١ ]
بعض النَّاس، وَلَا صَامَ رجبًا قطّ، وَلَا اسْتحبَّ صِيَامه، بل رُوِيَ عَنهُ النَّهْي عَن صِيَامه، رَوَاهُ مَاجَه أه. وَقَالَ فِي الْبَاعِث مَا حَاصله: إِن الصّديق أنكر على أَهله صِيَامه وَإِن عمر كَانَ يضْرب بِالدرةِ صوامه وَيَقُول إِنَّمَا هُوَ شهر كَانَت تعظمه الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلم يثبت فِي صَوْم رَجَب نهى وَلَا ندب بِعَيْنِه، وَلَكِن أصل الصَّوْم مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَنه [ﷺ] ندب الصَّوْم من الْأَشْهر الْحرم وَرَجَب أَحدهَا أه. عزيزي، وَحَدِيث " إِن فِي الْجنَّة نَهرا يُقَال لَهُ رَجَب مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل من صَامَ يَوْمًا من رَجَب سقَاهُ الله من ذَلِك النَّهر " قَالَ فِي أَسْنَى المطالب: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَا يَصح، وَقَالَ الذَّهَبِيّ بَاطِل، وَكَذَا قَالَ فِي تَبْيِين الْعجب وَفِي الْبَاعِث (وَإِن تعجب فَعجب) من الخطباء الجهلاء حَيْثُ يثبتون هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله فِي دواوينهم ويقرءونه فِي خطبهم على النَّاس وَمن بعدهمْ يقلدهم فِي قِرَاءَته من غير بحث عَن صِحَة مَا يأمرون النَّاس بِهِ، فَإنَّا لله! .
وَحَدِيث: " من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من شهر حرَام الْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت كتب الله لَهُ عبَادَة تِسْعمائَة سنة - وَفِي لفظ - سِتِّينَ سنة " أورد البُخَارِيّ غَالب طرقه ثمَّ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ بَاطِل متْنا وتسلسلا أه وَهُوَ فِي ديوَان خطب ابْن نباتة وَغَيره فَاحْذَرُوهُ.
وَحَدِيث " صَوْم أول يَوْم من رَجَب كَفَّارَة ثَلَاث سِنِين وَالثَّانِي كَفَّارَة سنتَيْن، وَالثَّالِث كَفَّارَة سنة، ثمَّ كل يَوْم شهرا " ذكره فِي الْجَامِع عَن الْخلال وَضَعفه، وَقَالَ شَارِحه: وَإِسْنَاده سَاقِط. وَحَدِيث " رَجَب شهر الله، وَشَعْبَان شَهْري، ورمضان شهر أمتِي، رمز فِي الْجَامِع أَنه مُرْسل ضَعِيف، وَحَدِيث " فضل شهر رَجَب على سَائِر الشُّهُور كفضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام " الخ قَالَ عَليّ الْقَارئ: قَالَ الْعَسْقَلَانِي: مَوْضُوع أه. وكل هَذِه الْأَحَادِيث يَقْرَأها عَلَيْكُم
[ ١٤٢ ]
أَيَّام الْجُمُعَات على المنابر فِي دواوين الخطباء الجاهلون الغافلون عَن صَحِيح الحَدِيث وسقيمه، فطالبوهم أَيهَا النَّاس أَن لَا يقرأوا عَلَيْكُم إِلَّا الصَّحِيح. وحرقوا مَا بِأَيْدِيهِم من دواوين فَهِيَ سَبَب ضلالتكم وضياع دينكُمْ ودنياكم قُولُوا لَهُم اقرأوا علينا الْقُرْآن على المنابر وَإِلَّا فانزلوا وَإِذا كذبُوا على رَسُول الله على المنابر فَلَا تتسمحوا بهم إِذا نزلُوا وَلَكِن ابصقوا فِي أَعينهم.