أما النقل: فقال القاضي عياض: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه".
وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن على من سب النبي ﷺ القتل. وممن قال ذلك مالك بن/ أنس، والليث، وأحمد،
[ ١١٩ ]
وإسحاق، وهو مذهب الشافعي".
قال عياض: "وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم".
وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء أن شاتم النبي ﵇ المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر".
[ ١٢٠ ]
وقال أبو سليمان الخطابي: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا".
وعن إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام قال: "أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله".
وهذه نقول معتضدة بدليلها، وهو الإجماع، ولا عبرة بما أشار إليه ابن حزم الظاهري من الخلاف في تكفير المستخف به، فإنه شيء لا يعرف
[ ١٢١ ]
لأحد من العلماء، ومن استقرأ سير الصحابة تحقق إجماعهم على ذلك، فإنه نقل عنهم في قضايا مختلفة منتشرة يستفيض مثلها، ولم ينكره أحد.
روى أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁، فتغيظ على رجل - وفي رواية: من أصحابه - فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلىَّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. [فقال:] أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشرٍ بعد محمد ﷺ.
[ ١٢٢ ]
فهذا الكلام من أبي بكر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ له أن يقتل من تغيظ عليه، بخلاف غيره من البشر، ولا شك أن سبه يغيظه.
وروى سيف وغيره أن المهاجر بن أبي أمية - وكان أميرًا على اليمامة أو نواحيها - رفعت إليه امرأتان غنت إحداهما باسم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها/، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت باسم النبي ﷺ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقلتها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر.
[ ١٢٣ ]
فإن قيل: لِمَ لا كتب إليه أبو بكر بقتلها؟ قلنا: لعلها أسلمت، أو لأن المهاجر حدها باجتهاده فلم ير أبو بكر أن يجمع بين حدين.
وعن عمر ﵁ أنه أتى برجل سب النبي ﷺ فقلته، ثم قال عمر: من سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقاتلوه.
وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ، وهي ردة، يستتاب فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدًا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه.
وعن خليد أن رجلًا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: أنه لا يقتل إلا من سب رسول الله ﷺ.
[ ١٢٤ ]
والإكثار من ذلك لا حاجة إليه مع العلم بقيام الإجماع عليه.
وهكذا ورد عن الشافعي ﵁ أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، فقال: هو كافر، واستدل بقوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: ٥٦ - ٦٦].
ونقل القاضي عياض عن إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه أنه احتج بقتل خالد بن الوليد بن نويرة لقوله عن النبي ﷺ: صاحبكم.
[ ١٢٥ ]
قال: وقال ابن القاسم عن مالك - في "كتاب ابن سحنون"، و"المبسوط"، و"العتبية"، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب ـ: من سب النبي ﷺ قتل ولم يستتب. وقال ابن القاسم في
[ ١٢٦ ]
"العُتبية": أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق. وفي "المبسوط": عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي ﷺ من المسلمين قتل أو صلب حيًا/ ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيًا أو قتله. ومن رواية أبي مصعب وابن أبي أويس: سمعنا مالكًا يقول: منسب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلمًا كان أو كافرًا ولا يستتاب. وفي "كتاب محمد": أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وقال
[ ١٢٧ ]
أصبغ: يقتل على حال أسر ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأن توبته لا تعرف. وقال عبد الله بن عبد الحكم: من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وحكى الطبري مثله عن أشهب عن مالك. وروى ابن وهب عن مالك: من قال: إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ، أراد به عيبه، قتل.
قال القاضي عياض: وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ، يتيم أبي طالب،
[ ١٢٨ ]
بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل [ابن] حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه باستخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها.
وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة.
وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقلته واجب.
قال القاضي عياض: وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، أو ما أصابه من جرح أو أصاب
[ ١٢٩ ]
بعض جيوشه، أو شدة من زمنه أو عدوه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كله لمن قصد به: القتل./
وقال أحمد بن حنبل في رواية عبد الله: من شتم النبي قُتل، وذلك أنه شتم فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي ﷺ.
وقال في رواية حنبل: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يُقتل ولا يستتاب.
وقال في رواية أخرى: من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا يُقتل.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عمن شتم النبي ﷺ: يُستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل ولا يستتاب؛ خالد بن الوليد قتل رجلًا شتم النبي ﷺ ولم يستتبه.
وهكذا قال أصحاب أحمد: إن من سب الله كفر سواء أكان مازحًا أم جادًا للآية التي استدل بها الشافعي.
[ ١٣٠ ]
وقال أبو يعلى من الحنابلة: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أم لم يستحله، فإن قال: لم أستحل ذلك لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدا. قال: وليس كالقاتل والشارب والسارق إذا قال: أنا غير مستحل، حيث يصدق، لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع التحريم، وهو اللذة. قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في الظاهر، فأما في الباطن فإن كان صادقًا فيما قال فهو مسلم كما في الزنديق.
وذكر أبو يعلي عن بعض الفقهاء: إن كان مستحيلًا كفر، وإن لم يكن مستحيلًا فسق ولم يكفر كساب الصحابة.
[ ١٣١ ]
وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون الرشيد فيمن سب النبي ﷺ أن يجلدا، حتى أنكر ذلك مالك ﵁ ورد هذه الفتيا.
وهذا نظير ما حكاه ابن حزم، وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن شهر بالعلم، أو لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتيا كانت في كلمة اختلف/ في كونها سبًا أو كانت فيمن تاب.
وما حكي عن بعض الفقهاء من أنه إذا لم يستحل لا يكفر: زلة عظيمة وخطأ صريح لا يثبت عن أحد من العلماء المعتبرين، ولا يقوم عليه دليل صحيح.
[ ١٣٢ ]
وأما الدليل: فالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا) [الأحزاب: ٥٧].
وقوله تعالى: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) [التوبة: ٦١].
وقال تعالى: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) [الأحزاب: ٦١].
فهذه الآيات كلها تدل على كفره وقتله.
والأذى هو: الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قال الخطابي وغيره، ويدل له قول الله تعالى فيما حكى عنه نبيه: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" مع إثباته الأذى في هذه الآيات، وفي ذلك تعظيم لقدر النبي ﷺ أن نيله بشيء يسير من الشر كفر، والضرر في حق الله تعالى محال، والأذى في حقه وحق رسوله كفر، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك القطع بالعذاب في الدنيا والأخرة إنما يكون للكفار، وكذا العذاب الأليم.
وكذلك قوله بعد ذلك: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ) [التوبة: ٦٣]، الآية، فإنه مع الآية قبله يدل على أن الأذى محادة، وقد قال تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا) [المجادلة: ٥]، وقوله: (أولئك في
[ ١٣٣ ]
الأذلين (٢٠) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) [المجادلة: ٢٠ - ٢١]، وقوله: (ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢» [النساء: ٥٢].
وإذا علم هذا فنركب دليلًا، وهو: أن الساب مؤذٍ، والمؤذي محاد، والمحاد مكبوت أذل مغلوب، ومن كان كذلك لا يكون منصورًا، فلو لم يجز قتله لوجب على المسلمين نصرته، وقد ثبت بطلانه.
وأيضًا نقول: الساب مؤذ، والمؤذي كافر بالآيات الأول، وغير ذلك من وجوه تركيب الاستدلال.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ في الحديث الثابت في "الصحيحين" لما خطب في قضية الإفك واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال: "من يعذرني من رجل بلغني/ أذاه في أهلي"، فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: أنا يا رسول الله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقول سعد بن معاذ هذا دليل على أن قتل مؤذيه كان معلوما عندهم، وأقره النبي ﷺ ولم ينكره ولا قال له إنه لا يجوز قتله، والمستعذر منه ابن أبي، وكان ظاهره الإسلام، ولم يكن قصد سعد قتله لنفاق، وإنما كان لأذاه لرسول الله ﷺ.
فإن قلت: قد كان من جملة من خاض في الإفك مسطح وجماعة من خيار المسلمين ممن يقطع بأنهم لا يحكم عليهم بكفر ولا قتل، ولو كان ما استدللت به على ظاهره لوجب إجراء ذلك عليهم، ولكان سب أزواج النبي ﷺ موجبًا للكفر أو للقتل.
[ ١٣٤ ]
قلت: الأذى على قسمين: أذى مقصود، وأذى غير مقصود، فمسطح وحمنة وحسان لم يكن مقصودهم أذى النبي ﷺ، فلذلك لا يجري عليهم كفر ولا قتل، وأما ابن أبي فكان مقصوده بالأذى النبي ﷺ، فلذلك يستحق القتل، ولكن الحق للنبي ﷺ، فله تركه.
وهذه القاعدة واعتبار القصد فيما يحصل به الأذى مما يجب التنبيه له، فإن الشخص قد يفعل فعلًا أو يقول قولًا فيحصل لآخر منه أذى لا يكون ذلك الفاعل أو القائل قصد أذاه ألبتة، وإنما قصد أمرًا آخر ولم يحضر عنده أن ذلك يستلزم الأذى لذلك الشخص ولا كان لزومه له بينا، فهذا لا يترتب عليه حكم الإيذاء.
وهذا قد وقع لجماعة من جفاة الأعراب ومن لم يتأمل مواقع الكلام، فلم يؤاخذهم النبي ﷺ، وحال مسطح ورفقته يحتمل أن يكون من هذا الضرب، ويحتمل أنه قبل أن يتبين لهم أنها زوجته في الدنيا والأخرة وأن زوجات الأنبياء تجب براءتهن، وجوزوا أنه سيفارقها.
[ ١٣٥ ]
ومما يدلك على هذا قوله تعالى في شأن الذين قعدوا في وليمة زينب: (يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذي النبي ..) [الأحزاب: ٥٣]، فهؤلاء من خيار الصحابة لم يقصدوا الأذى، فلذلك لم يترتب عليه حكمه، وأما/ عبد الله بن أبي فيما حمله على ذلك إلى نفاقه وبغضه للنبي ﷺ وقصده الإيذاء، فلذلك كان يستحق القتل، إلا أن النبي ﷺ حلم عليه.
ولهذا قال جماعة من المفسرين: إن قولك تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والأخرة) [النور: ٢٣] خاصة بأزواج النبي ﷺ خاصة، وليس فيها توبة لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ، بخلاف قذف غيرهن حيث استثنى منه الذين تابوا، وإن كان المختار خلاف هذا القول، وأن الآية التي في أول السورة لبيان الأحكام الدنيوية، وهذه لبيان الأحكام الأخروية، وكلاهما يسقط بالتوبة، وقد أطلنا في هذا الدليل.
ومن السنة أيضًا حديث عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو في
[ ١٣٦ ]
"سنن أبو داود" من حديث أسباط بن نصر عن السُدى عن مصعب بن سعد عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم وابن أبي سرح .. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ "، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين".
[ ١٣٧ ]
وأخره النسائي أيضًا. وإسماعيل السدي وأسباط بن نصر روى لهما مسلم، وفيهما كلام، لكن الحديث مشهور جدًا عند أهل السير كلهم.
وكان ابن أبي سرح يكتب الوحي لرسول الله ﷺ/ ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم: إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي علي: (عزيز حكيم) فأقول: أو (عليم حكيم)، فيقول: نعم كل صواب. فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بقلته وقتل عبد الله بن هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وكذلك أمر بقتل الحويرث بن نقيد، وهبار بن الأسود، وابن الزبعري، وعكرمة بن أبي جهل، ووحشي، وقينتي ابن خطل، وهما فرتنا وأرنب، كان يقول الشعر يهجو رسول الله ﷺ ويأمرهما تغنيان به، وسارة
[ ١٣٨ ]
مولاة عمرو بن هاشم، مغنية نواحة بمكة، كانت يُلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به، وقتلوا إلا ابن أبي سراح وهبار بن الأسود وابن الزبعرى
[ ١٣٩ ]
وعكرمة ووحشي وفرتنا إحدى القينتين، فأسلموا.
وقيل إن ابن خطل كان قتل أنصاريًا كان رفيقه، وذكر الواقدي أن ابن أبي سرح لما جاء مع عثمان جاء تائبًا، وظاهر حاله يقتضي ذلك.
وهؤلاء الذين أهدر النبي ﷺ دمهم منهم من كان مسلمًا فارتد كابن أبي سرح، وانضاف إلى ردته ما حصل منه في حق النبي ﷺ، فلذلك أهدر النبي ﷺ دمه، حتى جاء به عثمان واستحيا النبي ﷺ فبايعه، وهو بلا شك دليل على قتل الساب قبل التوبة، أما بعد التوبة فسنتكلم عليه، ونتكلم أيضًا هناك - إن شاء الله - على قول النبي ﷺ: "أما كان منكم رجل رشيد يقول إلى هذا فيقتله".
ومنهم مقيس بن صبابة، ارتد وقتل نفسًا، ومنهم ابن خطل أيضا،
[ ١٤٠ ]
ارتد وقتل نفسًا، فقتلهما الله، ومنهم عكرمة بن أبي جهل انضاف إلى كفره الأصلي شدة عداوته للنبي ﷺ، ولا أعلم هل صدر منه سب أو لا، وصار بعد ذلك من سادات المسلمين.
ومنهم من كان كافرًا أصليًا ولكن ما كان إهدار دمه لكفره ولا لشدة عداوة بل بما صدر منه من السب، ألا ترى أن النساء لا يقتلن بالكفر! فلم يكن الأمر بقتلهن إلا للوقيعة، ولم يقتل النبي ﷺ يوم الفتح أحدًا لمجرد الكفر، لكن قيل: إنه أذن لخزاعة أن تنتقم من بني بكر الذين أغاروا عليهم، فقتلوا منهم، ثم حرم النبي ﷺ كله بعد ذلك.
وقيل: إن الأنصار قاتلوا، وللكلام في تحقيق ذلك محل غير هذا، وأما إذنه لخزاعة فروى أبو عبيد في كتاب "الأموال": ثنا عبد الوهاب
[ ١٤١ ]
- يعني: ابن عطاء - عن حسين المعلم: عن عمرو بن شعيب: عن أبيه: عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فإن لهم حقا"، حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فلما كان من الغد قام خطيبا مسندًا ظهره إلى الكعبة، فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحل الجاهلية".
وأبو عبيد يرى أن مكة فتحت عنوة، والشافعي ﵀ مع قوله: "فتحت صلحا" قال: إن الذين قاتلوا بها بنو نفاثة فأذن في قتلهم، ولا مال لهم ولا سبي لهم بها فيؤخذ، إنما هم قوم من غير أهلها لجؤوا إليها،
[ ١٤٢ ]
ذكر ذلك في "الأم" جوابًا عن قول أبي يوسف: إن السبي لا يجري على أهل مكة، في الجزء السابع عشر من "الأم".
والاستدلال بحديث ابن أبي سرح هذا قوي عند من يرى أن/ استتاببة المرتد واجبة، فإن قتله لو كان للردة لاستتابه على قول هؤلاء، ولم يقع ذلك، وليس بكافر أصلي حتى يقول إن الإمام مخير فيه قبل الإسلام، فلا محمل لقتله إلا السب، وأن الساب يقتل بغير استتابة، أعني: لا نعرض عليه التوبة، أما إذا أنذر فأسلم فسيأتي حكمه.
ومن لا يرى الاستتابة واجبة يقول: إنها سنة، فتترك النبي ﷺ إياها يدل على أن هذا القتل عن السب، وأنه أعظم من قتل الردة، إذ يستتاب في ذلك وجوبًا أو استحبابًا ولا يستتاب في هذا.
ومما يدل على أن جُرْمَ الساب أعظم من جُرْمِ المرتد ما روى البخاري عن أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وكان يكتب للنبي ﷺ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعملوا أنه ليس من الناس فألقوه.
[ ١٤٣ ]
فانظر عناية الله بإظهار كذب من افترى على نبيه، وعدم قبول الأرض له، حتى يظهر للناس أمره، وإلا فكثير من المرتدين ماتوا ولم تلفظهم الأرض، ولكن الله أراد أن يفضح هذا المعلون ويبين كذبه للناس، ولو لم يسلم ابن أبي سرح لكان كذلك.
وقد اختلف الناس فيما قاله ابن أبي سرح وهذا النصراني، فقيل: إن ذلك كذب وافتراء لم يكن منه شيء، وقيل: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ثم نسخت الستة وثبت السابع في العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، وكان في الأول يجوز: (سميع عليم) ونحوه موضع: (عليم حكيم) ونحوه ما لم يختم آية رحمة بعذاب، ولا آية عذاب برحمة، وقيل غير ذلك من التأويلات الصحيحة التي لم يفهمها ابن أبي
[ ١٤٤ ]
سرح ولا النصراني حيث أضلهما الله تعالى، وكان ذلك من أعظم الجُرم، لأنه يؤثر في القلوب المريضة ريبا، فكانت عقوبته أشد.
وابن خطل أيضًا كان مسلمًا واستعمله النبي ﷺ على الصدقة، وأصحبه رجلًا من الأنصار يخدمه، فغضب عليه لكونه لم يصنع له طعامًا فقتله، ثم خاف أن يُقتل فارتد، وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ، ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، وقتله لو كان قصاصًا لسُلم إلى أولياء المقتول، ولو كان ردة لاستتيب، فلم يكن إلا للسب.
فإن قلت: الهجاء بالشعر من أفحش السب، فلم يعم السب بالكلمة الواحدة؟
قلت: سيأتي عموم الحكم في السب بغير الشعر والتعليل بالأذى، وهو مقتضى العموم، وأيضًا فالمبيح للدم لا فرق في الجنس الواحد منه بين قليله وكثيره.
ومن السنة أيضًا: ما اشتهر أن بجير بن زهير بن أبي سلمى كتب إلى أخيه كعب بن زهير أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه.
[ ١٤٥ ]
ومن السنة أيضًا: حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت، فأراد المسلمون قتله، ثم قال النبي ﷺ: "لو تركتم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".
ولما قسم غنائم حنين قال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". وفي هذا إشارة إلى أنه كان مستحقًا للقتل بإذن النبي ﷺ لو أذن.
[ ١٤٦ ]
ولما قال ابن أبي: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": استأمر عمر في قتله، فقال: "إذن ترعد له آنف كثيرة بالمدينة"، وقال "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وفي مغازي سعيد بن يحيى بن سعيد: عن أبيه: عن أبي المجالد: عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة ودعا بمال
[ ١٤٧ ]
العزى فنثره بين يديه، ثم دعا رجلًا قد سماه فأعطاه، ثم دعا رهطا من قريش فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر. ثم قام الثانية فقال مثله، فأعرض/ عنه النبي ﷺ، ثم قام الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلًا، قال: "ويحك! إذا لا يعدل أحد بعدي". ثم دعا نبي الله ﷺ أبا بكر فقال: اذهب فاقتله، فذهب فلم يجده، فقال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم".
ومن السنة أيضًا: ما روى القاضي عياض: ثنا ابن غلبون: عن أبي ذر إجازة قال: ثنا أبو الحسن الدارقطني وأبو عمر بن حيويه: ثنا محمد ابن نوح: ثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة: ثنا عبد الله بن موسى [بن جعفر: عن علي بن موسى]: عن أبيه: عن جده: عن محمد بن علي بن الحسين: عن أبيه: عن الحسين بن علي: عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "من سب نبيًا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه".
[ ١٤٨ ]
في هذا الحديث نظر من جهة الراوي عن أهل البيت فيه، وعبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، جرحه ابن حبان وغيره.
[ ١٤٩ ]
وقد رواه أيضًا الخلال والأزجي من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "من سب نبيًا قتل، ومن سب أصحابه جلد".
وابن الصلاح قال في كلامه على "الوسيط": "هذا حديث لا يعرف"، وهذا الكلام من ابن الصلاح لأنه لم يقف على إسناده، فينبغي
[ ١٥٠ ]
النظر فيه، فإن كان محفوظًا فهو عمدة قوية في المسلم والكافر، وقد أطلنا في الاستدلال في هذا المكان، ولا ضرورة إليه لأنه حكم مجمع عليه.
وأما الإجماع: فقد تقدم نقله.
وأما القياس: فلأن المرتد ثبت قتله بالإجماع والنصوص المتظاهرة، ومنها قوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه"، والساب مرتد مبدل لدينه، فلك أن تدخله في عموم قوله: "من بدل دينه" فيكون ثابتًا بالنص، ولك أن تجعل السب مقيسًا على الردة بطريق الأولى لأنه أفحش.
[ ١٥١ ]