وهي ما روى البخاري ومسلم رحمهما الله في "صحيحيهما" من حديث جابر بن عبد الله قال:
قال رسول الله ﷺ: "من لكعبب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فأذن لي أقول شيئًا، قال: "قل". قال: فأتاه وذكره
[ ٢٩١ ]
ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وإنه قد عنانا، فلما
[ ٢٩٢ ]
سمعه قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنوني؟ أرهنوني نساءكم، قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: ترهنوني أولادكم، قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهنت في وسقين من تمر! ولكن نرهنك اللأمة، يعني السلاح، قال: نعم. وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس وعباد بن بشر، فجاؤوه ليلًا فدعوه فنزل إليهم، وقالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم! قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي لطعنةٍ بليل لأجاب. قال محمد: إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فلما نزل نزل وهو متوشح، قالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: أفتأذن/ لي أن أشم منه؟ قال: نعم. فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم. فقتلوه.
وروى هذه القصة جميع أهل السير، قالوا: إن كعب بن الأشرف
[ ٢٩٣ ]
كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، ويؤذيهم، وكان مهادنًا ممن وادعه النبي ﷺ لما قدم المدينة. ولا خلاف بين أهل العلم بالسير أن كعب بن الأشرف كان له هدنة وموادعة، ومن ادعى أنه كان حربيًا فلا علم له، هذا متفق عليه بين أهل السير.
نعم: قيل إنه انتقض عهده، وسنذكر ذلك، وإنما كلامنا الآن في أنه تقدمت له هدنة وموادعة، فإنه من يهود المدينة، وكان عربيًا من بني طيء، وأمه من بني النضير، فلذلك كان فيهم ويعد معهم.
ويهود المدينة كلهم موادعون باتفاق أهل السير، وممن ذكر ذلك الشافعي، قال في "الأم" في باب المهادنة:
"إن رسول الله ﷺ وادع حين قدم المدينة يهود على غير خرج أخذه منهم".
[ ٢٩٤ ]
وقال في "الأم" أيضًا في باب الحكم بين أهل الذمة:
قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا من أهل العلم بالسير أن رسول الله ﷺ لم انزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله تعالى: (فأحكم بينهم أو أعرض عنهم) [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا الجزية ولم يقروا أن يجري عليهم حكم: انتهى كلام الشافعي.
وقال الواقدي عن ابن كعب القرظي: لما قدم النبي ﷺ المدينة وادعته يهود كلها، فكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق رسول الله ﷺ كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم شروطًا، وكان فيما شرط أن لا يظاهروا عليه عدوًا، فلما أصاب رسول الله ﷺ أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ من العهد. انتهى.
وجعل الواقدي هذا سبب غزوة بني قينقاع، وأنها متقدمة على قتل كعب بن الأشرف، وغيره يجعل قتل ابن الأشرف قبل غزوة بني قينقاع.
ونعود إلى كلام أهل السير في كعب بن الأشرف بعد أن ثبت أنه كان من ملة الموادعين، والموادع دون الذمي، فإذا قتل الموادع بالسب فلأن يقتل الذمي أولى، لأن الذمي التزم بجريان الأحكام عليه بخلاف الموادع كما أشار إليه الشافعي في هذا الكلام في أن التخيير في الحكم: في الموادع، يعني بخلاف الذمي، وليس هذا موضع تحقيق ذلك، إنما المقصود أن ابن الأشرف ما كان حربيًا.
[ ٢٩٥ ]
قال أهل السير: فلما كان يوم بدر وانتصر النبي ﷺ/ والمسلمون غاظ ذلك كعب بن الأشرف، ولحق بمكة، ورثى من قتل من المشركين ببدر، وحرص المشركين على قتال النبي ﷺ، وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام، ونزل فيه قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا (٥١) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢» [النساء: ٥١ - ٥٢]، ولهذا لم ينصر، بل خذل وقتل.
وأعلن بعداوة النبي ﷺ وبهجائه، وقدم المدينة قال النبي ﷺ: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت"، فانتدب له محمد بن مسلمة وأصحابه.
وروي في معاهدة ابن الأشرف بخصوصه رواية عن جابر بن عدب الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله، فلحق بمكة ثم قدم المدينة معلنًا لمعاداة النبي ﷺ، فكان أول ما خزع عنه قوله:
أذاهب أنت لم تحلل بمرقبة وتارك أنت أم الفضل بالحرم
في أبيات يهجوه بها، فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله، رواه الخطابي وغيره.
[ ٢٩٦ ]
وقوله: "خزع" معناه: قطع عهده، يقال: خزع فلان عن أصحابه، أي: قطع، ومنه سميت خزاعة؛ لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة.
وكان قتل ابن الأشرف لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ.
وقيل إن قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا) [آل عمران: ١٨٦] نزل في كعب بن الأشرف، وإن قوله: (وإن تصبروا وتتقوا ..) [آل عمران: ١٨٦] كان قبل ذلك، فلما لحق بمكة وبالغ في الأذى وهجا أمر بقتله.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من لنا من ابن الأشرف، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم/ على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان، ينتظر قريشًا أن تقدم فتقاتلنا".
ولما رجع النفر الذين قتلوه وبلغو البقيع كبروا وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه. ثم انتهوا
[ ٢٩٧ ]
إلى رسول الله ﷺ، فقال: "أفلحت الوجوه"، فقالوا: [و] وجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، فلما أصبح قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فخافت اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف. كذا ذكره ابن سعد في "الطبقات" وغيره.
ولما قال النبي ﷺ ذلك وثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم - فقتله، وكان حويصة إذ ذاك لم يسلم، جعل يقول: أي عدو الله قتلته! لرب شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك ضربت عنقك. قال حويصة: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب. وأسلم حويصة يومئذ.
وقال الواقدي: "كان ابن الأشرف شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أذى شديدًا، فأمر الله ﷿ نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك، فلما أبى ابن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ وأذى المسلمين .. "، وساق الواقدي القصة إلى آخرها، ثم قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاؤوا إلى النبي ﷺ حين أصبحوا فقالوا:
[ ٢٩٨ ]
قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه،
فقال رسول الله ﷺ: "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف".
ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث، فحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف. انتهى.
وقول النبي ﷺ: "إنه لو قر كما قر غيره .. " إشارة إلى حيي بن أخطب. قال قتادة في قوله: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب) الآية [النساء: ٥١] نزلت في ابن الأشرف وحيي بن أخطب، وكذا قال عكرمة.
فكلا الرجلين كعب وحيي خرجا إلى مكة وحرضا، وقتل كعب ولم يقتل حيي إلى أن نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي ﷺ، فلحق بخيبر، ثم جمع عليه الأحزاب، فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم.
[ ٢٩٩ ]
وذكر الواقدي في قصة ابن الأشرف أنه لما قدم خبر بدر قال كعب بن الأشرف لقومه: ويلكم! والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم! هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا.
وهذا يدل على أنهم نقضوا معه، ولهذا قال النبي ﷺ: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه".
فهذه قصة كعب بن الأشرف اختصرناها من متفرقات كلام الناس.
وقيل: إن المشركين لما سألوا ابن الأشرف قال: دينكم خير وأقدم، ودين محمد حديث. وإنه اعتزل النبي ﷺ وقال: لا أعين عليه. فإن صح هذا كان أولى في الاستدلال، وإن لم يصح فالاستدلال بغيره صحيح، وقد ذكره البيهقي في "دلائل النبوة" من حديث جابر بن عبد الله قال: لما كان من أمر النبي ﷺ ما كان اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة، وكان بها وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله.
وفي "دلائل النبوة" أن محمد بن مسلمة وأصحابه أتوا كعب بن الأشرف عشية وهو في مجلسه بالعوالي.
وقيل: إن الكتاب الذي وادع فيه اليهود كلها كان لما قدم المدينة قبل بدر، ولعل هذا هو الذي أشار إليه الشافعي، ويكون الكتاب الذي ذكرناه عن الواقدي كتابًا ثانيًا جدده بعد قتل ابن الأشرف.
[ ٣٠٠ ]
وكانت اليهود الموادعون بالمدينة وما حولها ثلاث طوائف: بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع.
ولقد عرض لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف، فروى الواقدي عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضيري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غذرًا. ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير، فقال: يا مروان! أيغدر رسول الله ﷺ عندك؟! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي لا قدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل من بني/ قريظة حتى يبعث رسولًا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل. فبينا محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع، فرأى محمد نعشًا عليه جرائد رطبة لامرأة، جاء فحله، فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ فنحن نكفيك. فقام إليه، فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحًا ثم أرسله ولا طباخ به، قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك.
[ ٣٠١ ]
وروى غير الواقدي أن هذه القصة جرت عند معاوية وأن ابن مسلمة قال: يا معاوية، أيغدر عندك رسول الله ﷺ ثم لا تنكر؟! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدًا، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلته.
وهذا ابن يامين هو السفيه الذي أشرنا إليه، ولا أدري هل كان يهوديًا أو متظاهرًا بالإسلام، إلا أن المدينة لم يكن فيها في زمن مروان أحد من اليهود، ولعل مروان أو معاوية - إن ثبت أن القصة كانت عنده - إنما سكت عن قتله لتجويزه أن يكون ابن يامين إنما نسب الغدر إلى ابن مسلمة وأصحابه، ولو تحقق منه أنه نسبه إلى رسول الله ﷺ لم يتوقف في قتله، فقد اتفق الكفار والمسلمون على أنه لا يغدر، ألا ترى إلى قصة أبي سفيان - وهو كافر - مع هرقل، فمن نسب إلى النبي ﷺ غدرًا يقتل مسلمًا كان أو كافرًا.
وذكر الخطابي قصة ابن يامين عند معاوية. وقال الخطابي:
"أبعد الله ابن يامين وقبح رأيه هذا، كان كعب بن الأشرف يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه وعاهده ألا يعين عليه، ولحق بمكة، ثم نقض مع كفره؛ فاستحق القتل لغدره ولنقضه العهد مع كفره".
[ ٣٠٢ ]
وذكر غيره أن محمد بن مسلمة لم يصرح لكعب بن الأشرف بتأمين في شيء من لفظه، وقيل: من آذى الله ورسوله لا أمان له، والنبي ﷺ إنما قتله بوحي، فصار/ قتله أصلًا في هذا الباب.
ولا يحل أن يُقال: إن كعبًا قتل غدرًا، وقد قال ذلك قائل في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به علي فضربت عنقه. حكى ذلك الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري ﵀ في "حواشي السنن".
وقال الخطابي: "مثل هذا الصنع جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيان والإغارة عليهم أوقات الغرة وأوان الغفلة، وكان كعب هذا قد لهج بسب رسول الله ﷺ في هجائه، فاستحق القتل مع كفره بسبه رسول الله ﷺ، وقد حرم رسول الله ﷺ الفتك وقال: "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن". قال: "إنما هو فجأة قتل من له أمان، وكان كعب ممن خلع الأمان ونقض العهد".
[ ٣٠٣ ]
وذكر البيهقي في "دلائل النبوة" كلام ابن يامين. وقال البيهقي: "ما ذكرنا وما نذكره من غدر كعب بن الأشرف ونقضه عهده وهجائه رسول الله ﷺ والمسلمين وعداوته إياهم وتحريضه عليهم يكذب هذا القائل ويدل على سوء رأيه وقبح قوله، وأن كعب بن الأشرف كان مستحقًا لقتله لما ظهر من غدره ونقضه العهد مع كفره".
هذه قصة ابن الأشرف وما يتعلق بها، ووجه الاستدلال بها من وجوه:
أحدها: الاقتصار على ما في "الصحيحين" من قول النبي ﷺ: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"، وهو يقتضي التعليل بالأذى، فكل من آذاه وظهر آذاه يقتل، ولا شك أن الأذى أخص من
[ ٣٠٤ ]
الكفر، كما قال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي) [التوبة: ٦١]، فالتعليل في الحديث يقتضي أن كل من آذى النبي ﷺ يُقتل.
الثاني: أنه يقتضي أن كعبًا إنما قتل لأذاه، فيثبت الحكم في غيره من الكفار الذين هم في مثل حاله، لأن حكمه على الواحد حكم على الجماعة.
والفرق بين هذا والوجه الأول أن الوجه الأول يقتضي ثبوت الحكم في كل من آذى النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا، وثبوته فيه من القياس المستفاد من التعليل في محل النص وهو قتل كعب، والوجه الثاني يقتضي أن كعبًا قتل لأذاه، فيثبت الحكم في كل من هو في مثل حاله في الكفر والأذى، لا بالقياس ولكن بالإجماع على أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة، وهذا الوجه ساكت عن تعديته إلى المسلم، بخلاف الوجه الأول/ ناطق بتعدية الحكم لكل كافر موادع آذى النبي ﷺ.
الوجه الثالث: أن الكافر الموادع إذا قتل بأذاه للنبي ﷺ فلأن يقتل الكافر الذمي بذلك أولى، لأن الذمي التزم أحكام الإسلام، والموادع لم يلتزم، ولذلك أشار الشافعي فيما قدمنا نقله عنه أن محل التخيير في الحكم: بين الموادعين، أما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم، وحمل الآية على ذلك، وهذا هو الصحيح، أعني في وجوب الحكم بين أهل الذمة وعدم وجوبه بين المعاهدين والموادعين.
وهذا الوجه يشارك الوجهين الأولين في الاقتصار على ما في "الصحيحين" واعتبار لفظ الحديث في الدلالة على التعليل بالأذى، ويشارك الوجه الثاني
[ ٣٠٥ ]
خاصة في حال كعب بن الأشرف وإثبات الحكم في كل من هو في مثل حاله في الموادعة بالإجماع، ويزيد عليه في تعديته إلى الذمي بالقياس بطريق الأولى، وساكت عن تعديته إلى المسلم كما سكت عنه الوجه الثاني.
الوجه الرابع: مجاوزة ما في "الصحيحين" والنظر فيما دلت عليه السير من حال كعب بن الأشرف، وقد دلت على أنه غدر وحض المشركين على قتال المسلمين، ورثى قتلاهم، وشبب بنساء المسلمين، فإما أن يكون انتقض عهده بذلك أو لا، فإن لم يكن انتقض فيكون قتله حدًا بإجراء حكم الإسلام عليه، لأنا مخيرون في الحكم على المعاهدين، وإن كان انتقض - وهو الصواب كما صرح به المحدثون وأهل السير والشافعي، وكذا يقتضيه كلام الفقهاء؛ فإنه لم يكن ذميًا وإنما كان موادعًا، والفقهاء وإن اختلفوا في انتقاض عقد الذمي بذلك فلم يختلفوا في انتقاض عقد المعاهد، لأنه أضعف، بل ينتقض بلا خلاف، وهذا كان حال كعب بن الأشرف، لا خلاف في انتقاض عهده، وحينئذ يقتل،
[ ٣٠٦ ]
فظهر أنه لا إشكال في قتله على التقديرين، ولكن التقدير الثاني هو الصواب، وهو المنقول عن الشافعي.
وقد زاد بعض الناس في الاستدلال لقتله بالسب على ما قلناه أن ما فعله محمد بن مسلمة وأصحابه مع كعب بن الأشرف قريب من شبهة الأمان، فلو لم يكن/ قتله للسب لما جاز، ولكن هذا الذي قاله هذا القائل ليس بصحيح، لأن هذا ليس بأمان ولا شبهة أمان، إذ ليس فيه إشعار بشيء من ذلك، وابن الأشرف نقض عهده باختياره وصار حربيًا، ومخادعة الحربي لأجل قتله بذلك جائز، ليس ذلك تأمينًا، ولكنه يوصل إلى القتل الواجب.
وما ذكرناه من كون الهدنة تنتقض بالسب بلا خلاف وليست كالذمة أشار إليه إمام الحرمين، ولا نعرف خلافًا فيه في مذهبنا، وقدمنا عن الماوردي أن أبا حنيفة خالف فيه أيضًا، وهذا في غاية البعد، لأن هدنة قريش مع النبي ﷺ انتقضت بإغارة حلفائهم من بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ﷺ وتبييتهم، ولا شك أن ذلك دون السب، لأنه كقتل بعض المسلمين وليس كنصب القتال معهم، وقتل المسلم دون سب الرسول، ولهذا كان الخلاف فيه في الذمة أقوى، والحنفية يقولون إن هدنة قريش لم
[ ٣٠٧ ]
تنتقض بفعلهم، وإنما الإمام له الخيار في نقض الهدنة متى شاء، ويعلمهم أو يتأخر زمانًا يعلمون فيه؛ ومن تأمل قصة فتح مكة استبعد ذلك.
وجميع ما صدر من كعب بن الأشرف من رثاء قتلى الكفار وحضهم على قتال المسلمين وتشبيه بنسائهم: دون السب، لأن القائل بأن الذمة لا تنتقض بالسب يقول إنها لا تنتقض بذلك أيضًا.
وقد قاس الشيخ أبو إسحاق في "النكت" الذمة على الأمان فقال: "لأنه معنى يحقن به دم الكافر، فانتقض بشتم رسول الله ﷺ كالأمان".
فإن كان أبو حنيفة يوافق على انتقاض الأمان بذلك كما يشعر به هذا القياس - لأنه بحث معه - فلعله يقول إن كعب بن الأشرف كان له أمان لا هدنة، فلذلك انتقض بالسب، ولعله يعتذر عن هدنة قريش بأن الصادر قتال.
وإن كان يقول إن الأمان أيضًا لا ينتقض بذلك - وهو الذي سمعت بعض الحنفية ينقله عن مذهبه - فيشكل عليه قتل كعب بن الأشرف، إلا أن يقول إنه لم يكن له أمان أيضًا وإنما كان محاربًا وإن الموادعة هي
[ ٣٠٨ ]
المتاركة ولا يلزم منها الأمان، لكن المعروف من السير وكلام الشافعي وغيره خلاف ذلك، وأن كعبًا كان مهادنًا وانتقض عهده، ولو قال قائل بأنه لا ينتقض عهده ولكن/ يقتل حدًا وإن كعبًا قتل كذلك لسلم من الإشكال وإن خالف ما قاله الناس من انتقاض عهد كعب، وأما القول بأنه لا ينتقض عهده ولا يقتل فلا يستقيم مع الحديث.
فإن قلت: قتل كعب بن الأشرف إنما كان لكفره، والكافر الذي بلغته الدعوة يجوز تبييته والإغارة عليه، ولم يكن كعب معاهدًا وإنما كان محاربًا فلذلك قتل كما يقتل غيره من الكفار، غاية ما في الباب أنه بالغ في الأذى، فلذلك اختير قتله على غيره دفعًا لما يتوقع من شره، كما يختار الإمام القتل في بعض الأسرى.
قلت: أما كونه لم يكن إلا محاربًا فمخالف لما نقله المحدثون وأهل السير من أنه كان معاهدًا وانتقض عهده بما صدر منه، وبذلك يحصل الرد على من يقول إن عهد الهدنة لا ينتقض بالسب.
وأما كونه إنما قتل لكفره فلا شك أنه ليس كذلك، لأن غيره من الكفار الذين ليسوا في مثل حاله لم يقتل كقتله.
بقي هنا أمر: وهو أن كعبًا صدر منه أمور: تأليبه على النبي ﷺ، وتهييج الكفار على قتاله، وتوقع شر عظيم يحصل منه، وما أقذع في
[ ٣٠٩ ]
التشبيب بالمسلمات، ورثاؤه لقتلى المشركين؛ ومثل ذلك لو صدر من أسير لتعنت المصلحة في اختيار قتله، فإن الاسترقاق فيه لا يفيد، والمن عليه والمفاداة به يزيد سرًا، وإلحاقه بدار الحرب - مع ما علم منه - أشد، فلم يبق إلا قتله كما يقتل الأسير على جهة أنه اختيار لأحد الخصال لتعين المصلحة فيها، ويكون القتل حينئذ لأجل الكفر.
فقتل كعب يحتمل أن يكون لهذا المعنى، ويحتمل أن يكون لخصوص السب حدًا، وإذا كان لخصوص السب فيحتمل أن يكون مع انتقاض عهده، ويحتمل أن يكون بدونه. فهذه ثلاثة احتمالات في قتل كعب مع القطع بأنه جائز حلال:
أحدها: أن لا يكون انتقض عهده، وقتل للسب.
والثاني: أن يكون انتقض عهده، وقتل للسب أيضًا لاستحقاقه بالسب المتقدم كما يرجم بالزنا المتقدم قبل انتقاض/ العقد، كحاله لو كان ذميًا.
الثالث: أن يكون انتقض عهده، وقتل للكفر كما شرحناه أولًا.
ولا يتجاوز أمر كعب هذه الاحتمالات الثلاثة، والاحتمال الأول مخالف لما قاله الشافعي والخطابي وغيره من المحدثين وأهل السير، ولكنه يحتمل أن يقول به قائل.
ويحمل قول من صرح بأن كعبًا نقض العهد على أن هذا العالم يرى ذلك فروى على ما رأى، والنبي ﷺ لم يصرح ولا ذكر ما يدل على نقض العهد، فلعل قتله للسب مع بقاء العهد، ولا شك أن هذا محتمل، لكن يبعده قيام الدليل على أن صدور مثل هذه الأشياء يوجب انتقاض العهد، فلا وجه للقول بأن كعبًا لم ينتقض عهده.
[ ٣١٠ ]
فلم يبق إلا التردد بين الاحتمال الثاني والثالث، وهما متقاربان، لكن يرجح الثاني على الثالث التمسك بالتعليل الثابت في "الصحيحين" بالأذى وما وافق ذلك من السير.
على أن الذي قاله الشافعي أنه ينتقض عهده ويقتل، وذلك مشترك بين الاحتمال الثاني والثالث، ولكن بينهما فرق، فإن على الاحتمال الثاني يكون القتل واجبًا حدًا من الحدود لا خيرة للإمام فيه إلا النبي ﷺ، فإنه يتخير لأن الحق له، وعلى هذا يحمل قتل كعب وترك غيره في ذلك الوقت.
وعلى الاحتمال الثالث يحتمل أن يقال: إن الإمام يتخير فيه كما يتخير في كل من انتقض عهده، فإن ظهرت المصلحة في قتِلِه قِتِلَه، وإن ظهرت المصلحة في إبقائه أبقاه بعد استتابته وتعزيره إن قدر عليه.
ويحتمل أن يقال: إنه لا خيرة للإمام في ذلك، لأن الإمام إنما يتخير فيما إذا لم ينضم إلى الكفر غيره، وهذا انضم إليه السب، وهو كفر آخر لا يقر عليه، فيتعين قتله إلا أن يسلم.
ويتمسك في هذا بأن النبي ﷺ أمر بقتل كعب بن الأشرف كما جاء مصرحًا في الحديث، والأمر للوجوب، ويلحق به من هو مثله.
فإن قلت: أمره بقتل هذا كأمره بقتل من يختار قتله من الأسراء.
قلت: الأسراء ثبت فيهم أنه من على بعضهم، ولم يثبت لنا في مثل من هذا حاله أنه من عليه مع الكفر، فكان الواجب فيه القتل/ ليس إلا،
[ ٣١١ ]
وكانت تلك سنة رسول الله ﷺ فيهم، وقد قال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
فتلخص أن في قتل كعب بن الأشرف معنيين:
أحدهما: أن يكون اختيارًا لقتله بالكفر كما يختار قتل الأسارى المخير فيهم.
والثاني: أنه لأجل الأذى، ويعضده الحديث وما ذكرناه، وهو أقوى الاحتمالين وأرجحهما، ولذلك - والله أعلم - اعتمده الشافعي.
ومما نذكر هنا من المباحث أن قوله ﷺ: " .. فإنه قد آذى الله ورسوله" تعليل بالأذى، ولكنه تعليل لقتل كعب بأذاه، ولا شك أن ذلك الأذى الخاص الذي حصل منه حامل على اختيار النبي ﷺ قتله، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في أن مسمى الأذى موجب للقتل وليس في التعليل ما يقتضي ذلك؟
والجواب عن ذلك إما اعتبار الأذى الخاص، فلو قلنا به لبطل باب القياس، ونحن في العلل إنما نعتبر مسمى ما نص عليه الشارع أو أومأ إليه وننيط الحكم به.
وأما كون المعلل اختيار النبي ﷺ للقتل الجائز لا وجوبه فجوابه ما تقدم من أنه إذا علم أن النبي ﷺ قتله لذلك ثبت أنه سبب في القتل، ولا دليل على سقوط القتل واختيار خصلة أخرى سواه في هذه الصورة.
[ ٣١٢ ]
بل أقول: إن الكافر الحربي الذي لم يحصل له عهد أصلًا لو سب ووقع في قبضة الإمام لم يتخير فيه، بل يتعين قتله إلا أن يسلم، لما ذكرناه من البحث.
ألا ترى أن النبي ﷺ لما من على أبي عزة الشاعر يوم بدر وذهب إلى مكة وتكلم، وجاء المرة الثانية وسأله المن عليه فلم يفعل، وقال له: "لا تمسح سبلاتك بمكة وتقول: سخرت بمحمد! "، ثم قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وقتله.
[ ٣١٣ ]
فهذا - والله أعلم - وما أشرنا إليه من أن التخيير إنما يكون في الكفر الذي لم ينضم إليه غيره: يقتضي أن من كان من الأسراء حصل منه ذلك تعين قتله إلا أن يسلم، وإن كنت لم أر ذلك منقولًا إلى طرفًا منه، فقد ذكره أبو العباس ابن تيمية الحنبلي، وقال: إن المتقدمين وطوائف من المتأخرين - يعني من أصحابهم - قالوا: هذا - يعني الساب وغيره من ناقضي العهد - يتعين قتلهم كما دل عليه كلام أحمد، وذكر طوائف منهم أن الإمام يتخير فيمن نقض العهد من أهل الذمة كما يتخير في الأسير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بعد أن ذكروه في الناقضين للعهد، فدخل هذا الساب في عموم هذا الكلام وإطلاقه، وأوجب أن يقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيره من ناقضي العهد، لكن قيد محققو أصحاب هذه الطوائف ورؤوسهم - مثل القاضي أبي يعلى في كتبه المتأخرة وغيره - هذا الكلام وقالوا: التخيير في غير ساب الرسول ﷺ، وأما سابه فإنه يتعين قتله، وإن كان غيره كالاسير، وعلى هذا فإما أن لا يحكى في قتله خلاف لكون الذين أطلقوا التخيير في موضع قالوا في آخر بأن الساب يتعين قتله، وصرح رأس أصحاب هذه الطريقة بأن مستثنى؛ أو يحكى فيه وجه ضعيف. انتهى كلامه.
والصواب أنه لا يحكى فيه خلاف، لأن المطلقين لا تنسب إليه مخالفة حتى تتحقق، فإذا قام الدليل على التقييم وجب اتباعه والاقتصار عليه.
[ ٣١٤ ]
قال ابن تيمية: واختلف أصحاب الشافعي أيضًا، فمنهم من قال: يجب قتل الساب حتمًا وإن خير في غيره، ومنهم من قال: هو كغيره من الناقضين للعهد، وفيهم قولان: أضعفهما أنه يلحق بمأمنه، والصحيح منهما جواز قتله، قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن يفعل فيه الأصلح للأمة من القتل والاسترقاق والمن والفداء.
قلت: ولم أر في كلام الشافعية تصريحًا بما ذكره، وكأنه أخذ ذلك من مقتضى كلامهم كما تصرف في كلام أصحابهم، والصواب أن لا يثبت في ذلك خلاف وإن كان قضية كلام المطلقين التسوية بين الساب وغيره من ناقضي العهد، وأن يؤخذ بكلام من أطلق القتل في الساب.
ثم إن هذا كله فيمن كان ذميًا أو معاهدًا ونقض، أما الحربي الذي لم يتقدم له عهد وأسر بعد أن سب أو سب في حال الأسر فهو الذي قلت إنه ينبغي أن يتعين قتله وإنني لم أجده منقولًا.
وكذلك لا ينبغي أن يجوز تأمين الحربي الساب، ولو أمنه شخص لا يصح أمانه، وبهذا يجاب عن قول من قال: إن ما صدر من محمد بن مسلمة وأصحابه شبهة أمان، فنقول: على تقدير تسليم ذلك/ هو أمان باطل لا يمنع القتل.
[ ٣١٥ ]
وقوله ﷺ: "إذا أمنك الرجل على دمه فلا تقتله"، ونحو ذلك من الأحاديث محمول على ما إذا لم يكن مستحق القتل بحد أو قصاص، وقتل الساب حد، وبذلك تحصل المحافظة على عموم العلة، ويكون الأذى موجبًا لاستحقاق القتل سواء أكان من مسلم أم من ذمي أم من معاهد أم من مستأمن أم من حربي إذا قدر عليه ولم يسلم.
ولا يغتر بما يفهمه كلام بعض الفقهاء من أن الحربي لا تتعلق به الأحكام، وإنما مراده أنه إذا أسلم تسقط.
فإن قلت: قد قال أصحابنا إن المهادن لا يجب عليه حد الزنا والشرب، وفي حد السرقة والمحاربة قولان، أصحهما عدم الوجوب أيضًا، فإذا كان هذا في المحاربة، وهي حق آدمي، فكيف تدعي قتل
[ ٣١٦ ]
الساب وهو إن كان حق آدمي فمثل المحاربة، وإن كان حق الله تعالى فمثل حد الزنا؟
قلت: حق القطع في السرقة وحق المحاربة وحد الزنا كلها أمور جزئية فروعية، وأما سب الله ورسوله والقرآن فإنه طعن في الدين، فلا يلزم من عدم إقامة الحد في حقوق الله - التي هي من فروع الشريعة - عدم إقامته في التعرض لأصل الدين، وقد قال تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [التوبة: ١٢]، فلا يجوز الصبر على السب كما لا يجوز الصبر على الطعن في الدين، فلا شك أن السب موجب لاستحقاق القتل من كل من صدر منه معاهدًا كان أو مستأمنًا أو غيره لما فيه من الطعن في الدين وضرر المسلمين كلهم، وما فيه من غيظ قلوب جميع المؤمنين والتجري على أنبياء الله تعالى بالنقيصة التي تؤثر في قلوب أهل الزيغ، فأين هذا من الزنا والسرقة والمحاربة التي هي أمور مختصة ببعض الآحاد؛ بل أين هو من الكفر الذي ضرره على صاحبه ولا فيه ثلم عرض أنبياء الله تعالى وإدخال الريب على القلوب الضعيفة؟!
وإذا ثبت أن السب موجب لاستحقاق القتل في المعاهد والحربي ففي الذمي أولى لالتزامه الأحكام.
وبه ظهر احتجاج الشافعي بقصة كعب بن الأشرف وإن لم يكن ذميًا ولا كان له ذمة قط، فإن يهود المدينة وما حولها لم يكن عليهم جزية،
[ ٣١٧ ]
والفقهاء إنما يطلقون عقد الذمة على ما كان في جزية، فيهود المدينة على قولهم كانوا مهادنين لا ذميين.
على أن عندي في قصر الذمة على ما يقتضي أداء الجزية نظرًا! لأن إعطاء الجزية نزل في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل، بل نص العلماء صريحًا على أن آية الجزية إنما نزلت في غزاة تبوك، وهي في سنة تسع من الهجرة، وهي آخر الغزوات، فكان اليهود كلهم قبل ذلك بغير جزية، ولا شك أن بعضهم كانوا ملتزمين الكف عن المسلمين وأحكامًا أخرى.
والذمة معناها الالتزام، فينبغي إذا التزموا إجراء الأحكام عليهم والتزمنا لهم الذب عنهم: انعقدت الذمة وإن لم تكن جزية في ذلك الوقت، لعدم مشروعيتها، وبحمل كلام الفقهاء على هذا الزمان بعد شرعية الجزية ليس لنا أن نعقد الذمة إلا بها.
إذا عُرف هذا: فقد يكون يهود المدينة كانوا ذميين بلا جزية، وحينئذ تكون قصة كعب بن الأشرف نصًا في الذمي وفي أنه تنتقض ذمته بذلك، ولكن ما حكيناه عن الشافعي يقتضي أن يهود المدينة مهادنون فقط لا أهل ذمة.
ثم إن كعب بن الأشرف كان موضعه في العوالي كما تقدم في الروايات، والعوالي خارج المدينة، وهي تبع لها، والظاهر أن يهودها
[ ٣١٨ ]
كانوا في حكم يهودِ المدينة، وأصحابنا يقولون إن المهادن إذا نقض الهدنة فإن كان في بلده جاز قصده والإغارة عليه في موضعه، وإن كان دخل دارنا بأمان أو مهادنةٍ فلا يغتال وإن انتقض عهده، بل يبلغ المأمن.
كذا نقله الرافعي عن نقل القاضيين ابن كج والروياني وغيرهما، وقالوا: في الذمي إذا نقض قولان، أحدهما: يبلغ المأمن، وأصحهما - على ما في "التهذيب" وغيره ـ: المنع، بل يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق/ والمن والفداء.
وكعب بن الأشرف لم يكن في شيء من هذه المثابة، لأنه نقض العهد والتحق بدار الحرب لما ذهب إلى مكة، وقدم إلى العوالي بغير أمان، فلا يقولُ أحد فيه إن حكمه حكم أهل الذمة الذين ينقضون وهم في دارنا تحت يدنا قبل بلوغهم المأمن، ولا أن حكمه حكم أهل العهد إذا كانوا دخلوا لنا بأمان، فلذلك جاز تبييته والإغارة عليه قولًا واحدًا، إما لأنه في العوالي، والعوالي ليست في حكم المدينة، وإما لأن العوالي في حكم المدينة - وهو الصحيح - ولكنه جاء إليها ناقضًا بغير أمان بعد أن لحق بدار الحرب، فلا شبهة في قتله.
ولو سلم أن كعب بن الأشرف كان حربيًا محضًا لم يسبق له عهدٌ ولا أمانٌ فقتله جائز كقتل غيره من الكفار الذين بلغتهم الدعوة، والتعليل في الحديث بالأذى يقتضي أن القتل لذلك لا للكفر وحدَه، وحينئذ يكون دليلًا على أنَّ ذلك إذا صدر من الحربي يستحق به القتل، وإنما قلت هذا
[ ٣١٩ ]
لأن المحقق في حال كعبٍ وغيرِهِ من يهود المدينة الموادعة، وهي التي قالها الشافعي، ومعناها المتاركة، ولا يلزم من ذلك أن يكون بعقد يستحق به الأمان، فقد يكونُ باقيًا على أحكام الحرابة مع الكف عنه، وذلك لا يضرنا فيما قصدناه من الاحتجاج بترتيب الشارع القتل على الأذى؛ بل ينفع ويزيد في المقصود.
وقد قدمنا من كلام الروياني والماوردي ما يقتضي أن سب الرسول والقرآن من المعاهد إن كان جهرًا ينقض الهدنة ولا يتوقف على الحاكم، وإن كان سرًا كان كالخيانة، فللإمام نقضها به، ولا شك أن سب كعب بن الأشرف كان جهرًا، فلذلك كان منتقض العهد يجوز تبييته وشن الغارة عليه بلا خلاف.
فإن قلت: في الروايات المتقدمة ما يقتضي أن الله تعالى أوحى إلى نبيه حال كعب بن الاشرف، فلعله لما اطلع الله تعالى من قلبه أمر بقتله، وذلك لا يوجد في غيره.
قلت: نحن متعبدون ببناء الأحكام على أسبابها الظاهرة، ولم يكن النبي ﷺ يبني الأحكام على الأمور الباطنة وإن جاء بها الوحي، بل على الأسباب التي نصبها في الشريعة، ألا ترى إلى المنافقين مع إعلام الله له بحالهم/ لم يقتلهم لعدم قيام البينة أو الإقرار اللذين نصبهما حجة شرعية؟ وإن كان قد علل ترك قتلهم بغير ذلك مثل قوله ﷺ: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" أو غير ذلك.
[ ٣٢٠ ]
وبما ذكرناه يتبين لك أن الاستدلال بقصة كعب بن الأشرف لا يتوقف على ثبوت كونه كان معاهدًا، بل سواء أكان حربيًا أم لا الاستدلال بها صحيح بضميمة التعليل المذكور في الحديث.
وقد سبق أنه قيل إن النبي ﷺ كان كتب كتاب موادعة أول قدومه المدينة قبل قتل ابن الأشرف، ويكون الكتاب الذي كتبه بعد قتله ثانيًا لانتقاض العهد بنقض ابن الأشرف، إما لأنه كان كبيرًا، ونقض الكبير يتبعه الانتقاض في حق الأتباع ما لم يعتزلوه، وإما لأنهم نقضوا أيضًا كما يدل عليه ما قدمنا من الروايات وقولهم له إن ما عندهم إلا عدواة النبي ﷺ.
وعلى كلا التقديرين يتخرج قتل محيصة ابن سنينة، لأن العهد انتقض في حقه بأحد الطريقين المذكورين وبطريق ثالث، وهو أنه جاء منتصرًا لقتل كعب بن الأشرف، فكان بذلك ناقضًا، وقوله ﷺ: "من وجدتموه من رجال يهود فاقتلوه" دليل على انتقاض العهد في حقهم.
[ ٣٢١ ]