لقد صدقت البشارة النبوية: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفن عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»؛ فإنه لما ظهر بعض أنواع الشرك (في الصفات وفي الأفعال) في زمن بعض صغار الصحابة وقفوا أمامها كالسد المنيع كما فعل ابن عمر وابن عباس ﵄ حيث قاما ضد شرك القدرية، وبيّنا أنه لا إيمان ولا توحيد لمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه.
وهكذا لما حدث شرك التعطيل في صفات الله جل شأنه وفي بعض أمور الربوبية قام التابعون ومن تبعهم من العلماء والمحدثين ضد هذه الاعتقادات الدخيلة خير قيام، حيث ألف بعضهم في الدفاع عن التوحيد وبيان حقيقة الشرك، وكتب الآخرون في جمع أقوال السلف المتعلقة بالعقيدة.
ففي القرن الثاني - مثلًا - كان العلماء قد قاموا بصد أنواع الشرك في تأليفاتهم، سواء كانت هذه التأليفات ضمن كتب الحديث أم كانت كرسائل مستقلة في هذا الباب، ولعل من أول من ألف في هذا الباب الكتاب المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ وهو الفقه الأكبر - مع ملاحظة بعض الأخطاء
[ ١ / ٦٧٧ ]
العقدية - حيث ذكر الإمام ﵀ عقائد أهل السنة إجمالًا، وذكر فيه الرد على شرك التعطيل في الصفات.
وفي هذا الوقت بالذات جمع طوائف من العلماء والأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة؛ مثل حماد بن سلمة (١٧٦) هـ، وعبد الرحمن ابن مهدي (١٩٨) هـ، وغيرهم؛ حفاظًا على العقيدة النقية، وردًا لشرك التعطيل الذي وقع في هذا الوقت لدى بعض معاصريهم في بعض صفات وأفعال الباري ﷾، كما كتب الإمام الشافعي ﵁ (٢٠٤) هـ كتابه المنسوب إليه «الفقه الأكبر». وحذر فيه عن أنواع من شرك التعطيل. فهذه المؤلفات من أوائل ما كتب في هذا الباب، وبعضها موجود، وبعضها مفقود.
ثم جاء دور التأليف المستقل في باب العقيدة مع شيء من البسط والتفصيل بذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية في القرن الثالث الهجري سواء كان من المؤلفات التي تحمل اسم الإيمان، أو كان باسم السنة. ثم في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع كان التدوين تحت
[ ١ / ٦٧٨ ]
مصطلح (التوحيد)، ثم (الشريعة).
يليهما مصطلح (العقيدة)، و(أصول الدين).
فالمؤلفون من سلفنا الصالح في هذه القرون كلهم ذكروا في مؤلفاتهم تنبيهاتهم عن الوقوع في الشرك سواء كان في شرك التعطيل في أسماء الباري تعالى وصفاته أو كان في أفعاله ﷾؛ حيث صدر منهم التحذير عن الجهمية والقدرية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والاتحادية وغيرهم.
كما ألف في أثناء ذلك كتب الردود على بعض الفرق الضالة، ككتاب الرد على الجهمية للدارمي، وكتاب الرد على بشر المريسي العنيد له، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وغيرها من الكتب للمحدثين المشهورين، كما صدر التحذير عن بعض الفرق التي خرجت عن شريعة الإسلام بغلوهم وتجاوزهم وإفراطهم، كلها تعتبر من جهود سلف هذه الأمة ضد شرك التعطيل بأنواعه.
وأما جهود العلماء ضد شرك الأنداد في الربوبية وضد شرك العبادة والمعاملة فيتمثل في بيان تنبيهات العلماء السابقين الذين صنفوا في العقيدة والشريعة مثلًا، فما من كتاب من كتب الفقه من مذاهب الأئمة الأربعة إلا وفيه
[ ١ / ٦٧٩ ]