الشرك بعد قوم نوح:
لا يعرف متى حدث الشرك بعد نوح ﵇، وكل الذي نعلمه من القرآن الكريم أن الله استخلف عادًا في الأرض بعد قوم نوح، قال تعالى على لسان هود ﵇: (وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، كما أننا لا ندري أيضًا كم مر من القرون بين نوح وهود ﵉، ولكن الآية تفيد أنه لم يكن بينهما رسول.
ويجيء دائمًا في القرآن الكريم قصة عاد بعد قصة قوم نوح مما يدل على ما ذكرناه من أن عادًا خلفت قوم نوح في الأرض، وأنه لم يكن بينهما أمم، ولا يمكن أن يقال هنا أكثر من هذا، فإن هذه أمور موغلة في القدم وعصور ما قبل التاريخ، فلا يجوز الكلام فيها بأزيد مما جاء به النص والسكوت عما وراء ذلك مما لا يضر الجهل به؛ إذ لو كان فيه فائدة لذكره الله ﷿ لنا. ولنأخذ الآن في بيان حال قوم هود ﵇ من الشرك والفساد.
أما هود ﵇ فهو: (هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح)، وقيل: هو هود بن عوص بن إرم بن سام بن
[ ١ / ٢٤٥ ]
نوح، وعلى هذا يكون عاد أخا هود.
وقيل: هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان يقال لهود: عابر، ورجح الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري القول الأول، ولعل هذا القول هو الصحيح، كما حققه الدكتور عبد الوهاب النجار في قصص الأنبياء، وأما القول الثاني فهو أبعد الأقوال.
أما عاد: فهو المعروف بعاد الأولى، قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى)، وسماها الأولى؛ لأنهم كانوا قبل ثمود، وقيل: لأنهم أول أمة هلكت بعد نوح، لقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ)، فعند الترتيب التاريخي جاء بذكر ثمود بعد عاد الأولى.
مساكن عاد:
كانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل، وجمعه حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، والجمع حقاف، وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها: الشحر، واسم واديهم:
[ ١ / ٢٤٦ ]
مغيث، وكانوا يسكنون كثيرًا في الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)، أي عاد إرم وهو عاد الأولى.
شرك عاد:
يفهم من قوله تعالى: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أنهم أشركوا بالله في بعض أمور الربوبية، ولكن ما كانوا ينكرون ربوبية الله، والدليل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ)، فيفهم منه أنهم كانوا يقرون بالله عزوجل، ولكنهم نسوا الرب جل وعلا، فاعتزوا بسلطانهم وقوتهم واغتروا بأبهتهم وعظمتهم، كما قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ).
إذن، ما هو حقيقة الشرك في قوم عاد؟ يقول المؤرخون: كانوا أهل أوثان.
اختلفوا في بيان أوثانهم، فقال بعضهم: كانت أصنامهم ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقيل: كانت أوثانهم: صداء، وصمود، والهباء.
وقيل: كانت أوثانهم: ضرا، وضمور، والهباء.
وعلى كلٍ: ثبت بهذه الروايات أنهم وقعوا في شرك العبادة والألوهية، وقد حباهم الله نعمًا وافرة، وخيرات لا تُحصى؛ ففجروا العيون وزرعوا الأرض، وشادوا القصور، وزادهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم، ولكنهم لم يشكروا الله على آلائه، بل اتخذوا هذه الأصنام؛ يعبدونها ويستنصرون بها في الشدائد.
وأيضًا: كان من شرك القوم: ادعاء الضر والنفع في أصنامهم؛ حيث قالوا: (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ)، وهذا من الشرك بالله في أمور الربوبية.
فبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇، فكان من أوسطهم نسبًا، وأحسنهم خلقًا، وأرجحهم عقلًا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما يعبدون من حجارة لا تجلب لهم نفعًا، ولا تدفع عنهم ضرًا.
فردَّ عليه الملأ من قومه أسوأ رد، واتهموه بشتى التهم، كما قال تعالى: (الَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، و(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ).
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولما طغت عاد، ولم ينفع التذكر ولا الإنذار فيهم، أرسل الله عليهم ريحًا صرصرًا فأهلكتهم، وجعلتهم عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).
وبلغ بهم الحمقى منتهاه؛ حيث إنهم عندما رأوا السحاب فرحوا، وظنوا أنه مطر غزير جاء بعد أن حبسه الله عنهم بضع سنين، فلما أظلتهم سبحابة سوداء فزعوا، وزاد فزعهم عندما هبت ريح عقيم، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ).
ونجى الله هودًا والذين آمنوا معه، وما آمن معه إلا قليل، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)، واستحق قوم عاد لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم أشركوا بالله وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، واتبعوا وانقادوا لكل جبار ظالم، قال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ).
[ ١ / ٢٤٩ ]