المقصود بالشرك في قدرة الله الكاملة:
معلوم أن صفة من الصفات الجامعة لله، تشمل كثيرًا من صفاته تعالى، وهي تعني: كل ما ليس في مقدور البشر أن يفعله من خصائص الربوبية. فمن هذه الصفات ما يلي:
١ - التصرف الشامل في الكون والمكنون.
٢ - التصرف الخاص في الكون والمكنون.
وهذا النوع الثاني من التصرف يشتمل على عدة أمور.
- القدرة على الخلق والإيجاد.
- القدرة على إحياء الموتى.
[ ١ / ٨٨٨ ]
- القدرة في إنزال المطر.
- القدرة على شفاء الأمراض.
- القدرة على الهداية التوفيقة.
- القدرة على حفظ العالم من الدمار.
- القدرة على النفع والضر.
- القدرة على الإنقاذ من عذاب القبر.
- القدرة على غفران الذنوب ومحو الخطايا من الصحف.
- القدرة على إجابة الدعاء واستماع ندائهم وإغاثة المكروبين من كربهم والمصابين من مصائبهم.
لقد وقع في هذا النوع جملة من الفرق والنحل والطوائف وبعض الجهلة من الناس في العصر الحديث؛ فإن كل من أثبت لغير الله جل شأنه من الأفعال والأعمال التي تتعلق بالقدرة الكاملة كالإحياء والإماتة والنفع والضر والخلق والرزق والإغاثة من الكرب والمصائب وغيرها التي لا يمكن أن تكون من غير الله، فقد أشرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وسأذكر هذه الفرق والنحل والطوائف وبعض من تورط ببعض أنواع الشرك في الفروع التالية:
الفرع الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله في الشيعة:
وذلك؛ لما يعتقدون في علي ﵁: (أن عليًا لما رفع السيف ليضرب به مرحّبًا، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين، وكذا ما عليه من
[ ١ / ٨٨٩ ]
الحديد وكذا فرسه، ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه: يا جبريل، بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن لوط، وفي ذلك اليوم أيضًا: لما فتح الحصن، وأسروا نساءهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن، فأتت النبي ﷺ وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي ﷺ عنها، فقالت: إن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه، أتى على برج من بروجه، فهزه فاهتز الحصن كله، وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي: يا صفية، إن عليًا لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي، فزلزل السموات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلًا يتعاونون على سده وقت الليل، ولما دخل علي الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب، وكان في يده بمنزلة الترس يتقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه).
ومعلوم أن مثل هذه القدرة خاصة بالله تعالى، وهي ليست في مقدور البشر. وهذا النص وإن كان في مصدر قديم للشيعة إلا أن القوم ما زالوا على نفس الاعتقاد؛ بدليل كون هذا الكتاب ونصوصه عندهم مثل صحيح البخاري عند أهل السنة، فالقوم ما زالوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد.
وهؤلاء الشيعة في اعتقاداتهم هذه ما يذكرون أي دليل يذكر من مصادر موثوقة، وإنما يختلقون أكاذيب، وينقلون روايات ملفقة من المجهولين
[ ١ / ٨٩٠ ]
ليثبتوا هذه العقائد. ولا يستدلون لا بالآية القرآنية ولا بالسنة الصحيحة، ولا بالعقل الصريح، حتى نشتغل بالرد عليهم، ولذا فإننا لا نطيل في الرد عليهم، مكتفيًا بما سيأتي في ردنا على المتصوفة فيما بعد.
الفرع الثاني: الشرك بالله ﷿ في صفته القدرة الكاملة لدى البابية والبهائية:
لقد وقعت البابية والبهائية في ألوان من الشرك بالله جل وعلا، سبق أن ذكرنا بعضًا منها، وهنا نذكرهم على أساس أنهم وقعوا في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة، وذلك؛ أنهم يعتقدون أن الباب الذي هو حسين علي المازندراني هو الذي خلق العالم كله، وإليه الخلق والرزق، وكل ما هو لدى الله فهو عنده.
الفرع الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته الكاملة لغير الله في المتصوفة:
المتصوفة قد وقعوا في هذا النوع من الشرك من وجوه عدة، وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل:
أ- اعتقاداتهم تجاه النبي ﷺ في هذا الباب:
فمن هذا الباب ادعاء الغلاة: أنه إليه الملاذ والمهرب في الشدائد والكرب. فمن أقوالهم الدالة عليه ما يلي:
١ - يقول القسطلاني - ثم لم يعلق عليه الزرقاني موافقة له ـ: (فهو خزانة
[ ٢ / ٨٩١ ]
السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه، ولله در القائل:
ألا بأبي من كان ملكًا وسيدًا وآدم بين الماء والطين واقف
إذا رام أمرًا لا يكون خلافه وليس لذاك الأمر في الكون صارف)
٢ - ما ذكر النبهاني عن بعض أساطينهم أنه قال:
يا ملاذي يا منجدي يا منائي يا معاذي يا مقصدي يا رجائي
يا نصيري يا عمدتي يا مجبري يا خفيري يا عدتي يا شفائي
أدرك أدرك أغث أغث يا شفيعي عند ربي واعطف وجد بالرضاء
أنت عوني وملجئي وغياثي وجلا كربتي وأنت غنائي
٣ - كما نقل أيضًا عن آخر قوله:
نفحة لمحة غياثًا عياذًا عطفة جذبة جوابًا نداء
كم هموم من الديون علتني أنا في فكرها صباح ومساء
ثقلت حملها غير أني بك أرجو وضعًا لها أو وفاء
أنت في كل مطلب نصب عيني لا أرى لي إلا سواك التجاء
يا مجلي بحبه الكرب فَرِّج كربة القلب واكشف الغماء
[ ٢ / ٨٩٢ ]
يا مرجي الخطوب أنت المرجى عند ما ترجى الخطوب الرجاء
عظمت كربتي فجئتك قصدًا قاصدًا للعظائم العظماء
٤ - ونقل عن آخر قوله:
بذلي بإفلاسي بفقري بفاقتي إليك رسول الله أصبحت أهرب
٥ - ونقل عن آخر قوله:
يا رسول الإله إني ضعيف فاشفني أنت مقصد للشفاء
يا رسول الإله إن لم تغثني فإلي من ترى يكون التجائي
٦ - وقال النبهائي نفسه مثل هذا القول:
سيدي أبا البتول أغثني أنت أدرى بما حواه الضمير
وقال أيضًا: (إن المسلمين من أهل السنة والجماعة - وهم جمهور الأمة المحمدية يعتقدون فيه ﷺ: أنه يعلم الغيب، ويعطي ويمنع، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء).
٧ - ومثل هذا ما جاء في القصيدة للبوصيري التي سميت بالبردة - ظلمًا
[ ٢ / ٨٩٣ ]
وزورًا - مضاهًا للقصيدة الصحيحة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم
وقوله:
إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض من النبي ولا حبلي بمنصرم
فإن لي ذمة منه بتسميني محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه أو يرجع الجار منه غير محترم
وقال أيضًا في قصيدته الهمزية:
قد تمسكت من ودادك بالحبل الذي استمسكت به الشفعاء
وأبى الله أن يمسني السوء بحال ولي إليك التجاء
قد رجوناك للأمور التي أبردها في قلوبنا رمضاء
وأتينا إليك أنصار فقر حملتنا إلى الغني أنضاء
وانطوت في الصدر حاجات نفسي ما لها عن نديدك انطواء
فأغثنا يا من هو الغوث والغيث إذا أجهد الورى اللأواء
والجواد الذي به تفرج الغمة عنا وتكشف الحوباء
يا نبي الهدى استغاثة ملهوف أضرت بحاله الحوباء
إذا نظرنا إلى الأبيات السابقة التي أوردتها عن البوصيري نرى فيها الغلو
[ ٢ / ٨٩٤ ]
الشديد الذي أدى به إلى أن يتجاوز بالرسول منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية؛ حيث توجه إليه بطلب الاستغاثة، ووصفه بأنه هو الذي ينجيه من الكربات ومن هلاك يوم القيامة، وأنه ليس له غيره منج له.
٨ - ومثل هذا ما جاء عن البرعي:
فخذ بيدي وجد بالعفو يا من إذا ناديته لبى سريعًا
وقل عبد الرحيم غدا رفيقي وما يخشى رفيقك أن يضيعا
يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي في كل هو من الأهوال ألقاه
إن كان زارك قوم لم أزر معهم فإن عبدك عاقته خطاياه
يا صاحب القبر المقيم بيثرب يا منتهى أملي وغاية مطلبي
يا من نرجيه لكشف عظيمة ولحل عقدٍ ملتوٍ متصعب
يا من يجود على الوجود بأنعمٍ خضرٍ تعم عموم صوب الصيب
يا غوثَ من في الخافقين وغيثهم وربيعهم في كل عام مجدب
يا رحمة الدنيا وعصمة أهلها وأمان كل مشرّقٍ ومغرّبٍ
وهناك أبيات أخرى للبرعي توجه فيها إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة، وإنما ذكرت هنا نماذج من شركه في الربوبية في القدرة الكاملة، وشركه في العبادة في الدعاء لغير الله.
إذا نظرنا إلى هذه الأبيات التي قالها البرعي مادحًا بها الرسول ﷺ نرى أنه قد غلا في مدح الرسول غلوًا شديدًا، حتى وصل به هذا اللغو إلى أن يصرف
[ ٢ / ٨٩٥ ]
عبادات لا يجوز صرفها لغير الله عزوجل، حيث توجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب منه أن يأخذ بيده، وصرح بأنه إذا نادى الرسول فإنه ينفذ له مطلوبه، وطلب من الرسول أن ينجيه من كل الأهوال التي تصيبه في هذه الدنيا، ووصفه أيضًا بأن الرسول ﷺ هو الذي يجود بالنعم لكل ما في هذا الكون، وأخيرًا وصف الرسول ﷺ بأنه مغيث كل من في الخافقين، وأنه أمان لكل من في المشرق والمغرب.
وهذه الأوصاف كلها لا تليق إلا بالله ﷿، وأغلبها من الشرك في القدرة الكاملة، ولكن الغلو الزائد أوقع البرعي في هذه الشركيات التي نراها واضحة في هذه الأبيات التي أوردناها عنه، وهي لا تحتاج إلى الإيضاح والبيان؛ لأن الاستغاثة والتوجه إلى الرسول بالدعاء والالتجاء إليه في الشدائد واضح فيها من أولها إلى آخرها. وإذا لم تكن مثل هذه الألفاظ شركًا فليس هناك شيء يسمى شركًا.
٩ - ويقول آخر:
أنشأك نورًا ساطعًا قبل الورى فرد الفرد والبرية في العدم
ثم استمد جميع مخلوقاته من نورك السامي فيا عظم الكرم
فلذا إليك الخلق تفزع كلهم في هذه الدنيا وفي اليوم الأهم
وإذا دهمتهم كربة فرجتها حتى سوى العقلاء في ذاك منتظم
جد لي فإن خزائن الرحمن في يدك اليمنى وأنت أكرم من قسم
إذا نظرنا في هذه الأبيات السابقة نرى فيها الغلو الزائد في الرسول ﷺ واضح فيها؛ حيث ادعى فيها بأن الرسول أول مخلوق، وأنه مخلوق من نور،
[ ٢ / ٨٩٦ ]
وأن جميع المخلوقات استمدت من نوره، كما يتضح من البيت الثالث والرابع أنه يرى وجود القدرة الكاملة لدى الرسول ﷺ، حيث يدعي الشاعر أن جميع الخلائق يفزعون إلى الرسول يوم القيامة وفي هذه الدنيا أيضًا لإنجائهم في المهالك، ولتحقيق المطالب. وزعم أيضًا بأن الرسول هو المفرج لجميع الكرب التي تصيب البشرية، ثم سأل الرسول أن يجود له من الخزائن التي في يده لأن خزائن الرحمن كلها في يد الرسول ﷺ على زعمه ـ، وهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في قدرته الكاملة.
١٠ - ويقول آخر:
من استجار به ينجيه من كرب فجاه طه وسيع لا بمنحصر
رب استجرب به في كل حادثة وكل نائبة ما عشت عمري
وفي القيام وفي حشر لينقذني من كل ما أخشى من سيئ القدر
شفاء ذي وصب نجاة ذي عطب غياث ذي نصب في السهل والوعر
من راح قاصده يلقى مقاصده كالبحر في كرم والغيث والمطر
وقال أيضًا:
يا رسول الله غوثًا عجلا فعظيم الخطب فينا نزلا
يا رسول الله فرج سندي أصلح الشأن وسد الخللا
إن حصن الله من لاذ به أمن الخوف ونال الأملا
أنت سر الله يا نور الهدى أنت غوث الخلق من كل البلا
يا مزيل الخطب إن خطب دها سيدي أنت لها غث عجلًا
فأغثني سيدي الأبناء من فرجًا للناس كلا أرسلا
[ ٢ / ٨٩٧ ]
فاكشف الغماء عني عجلا يا مغيثًا يا عظيمًا بطلا
إذا نظرنا في الأبيات السابقة يظهر بجلاء مدى توغل صاحبه في الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة، حيث إنه طلب منه النجاة والشفاء وفرج الكربات وغيرها.
ففي هذه الأشعار والأبيات (ومثلها كثير عند المتصوفة) شرك في الربوبية بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة، كما أن فيها شرك بالله بالأنداد بجملة من الصفات المندرجة تحت صفة القدرة الكاملة؛ من كشف الضر والخلاص من الكربات وشفاء السقام، واللجوء من الخوف والضرر والهول، كل هذه الصفات أثبتوها لغيره سبحانه.
١١ - ويقول البريلوي: إن النبي ﷺ يقضي كل قسم من الحاجات، إن جميع أمور الدنيا والآخرة في اختياره.
١٢ - ويقول آخر: ماذا في كفة الله تعالى سوى الوحدة؟ إن كنت تريد شيئًا فاطلبه من محمد ﷺ.
١٣ - وأيضًا يقول البريلوي: (إن مفاتيح الكون كلها في يد رسول الله ﷺ، وهو مالك الكل، وأنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة (كن».
١٤ - ويقول أيضًا: (كل ما ظهر في العالم فإنما يعطيه سيدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج من الخزائن الإلهية شيء إلا على يديه، وإنه ﷺ إذا أراد شيئًا لا يكون خلافه؛ لأنه ليس لأمره صارف في الكون).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
١٥ - ويقول أيضًا في ديباجة كتابه: (الأمن والعلى لناعتي المصطفى): (وصلى ربنا وسلم على دافع البلاء والوباء والقحط والمرض والألم، سيدنا ومولانا ومالكنا ومأوانا محمد مالك الأرض ورقاب الأمم قال الفقير المستدفع البلاء، من فضل نبيه العلي الأعلى، صلى عليه الله تعالى، عبد المصطفى أحمد رضا، المحمدي الحنفي القادري البركاتي البريلوي، دفع بنبيه البلاء، ومنح قلبه النور والجلاء).
١٦ - وقال: إن الرسول ﷺ هو المبرئ من السقم والآلام والكاشف عن الأمة كل خطب، وهو المحيي، وهو الدافع للمعضلات والنافع للخلق، والرافع للراتب، وهو الحافظ الناصر، وهو دافع البلاء، وهو الذي برد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي وحكمه نافذ، وأمره جار في الكونين.
١٧ - وقال:
(منه الرجاء منه العطاء منه المدد في الدين والدنيا والأخرى للأبد).
١٨ - وقال: إن رسول الله ﷺ خليفة الله الأعظم، وإنه متصرف في الأرض والسماء.
١٩ - وقالوا: المعاملة كلها بيد رسول الله ﷺ، يعطي من شاء ما شاء؛ لأن الدنيا والآخرة من جوده، وعلم اللوح والقلم من علومه، فإن كنتم تريدون
[ ٢ / ٨٩٩ ]
خيري الدنيا والآخرة فأتوا إلى بابه، ثم اطلبوا ما شئتم.
٢٠ - وقالوا: إن الله تعالى قد مكن النبي ﷺ من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق، ومن خصائصه ﷺ أن يخص من شاء بما يشاء، ومن خصائصه ﷺ أن الله تعالى أقطعه أرض الجنة يعطي منها ما يشاء من يشاء.
٢١ - وقالوا: إن رسول الله ﷺ مالك الأرضين ومالك الناس، ومالك الأمم، ومالك الخلائق، بيده مفاتيح النصر والمدد، والجنة والنار، وهو يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، ويكشف الكروب ويدفع البلاء، وهو حافظ للأمانة وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي للاستنجاد.
٢٢ - وقالوا: إن النبي ﷺ نائب مطلق عن الله تعالى، فالعالم كله تحت تصرفه، فهو يفعل ما يشاء، ويعطي ما يشاء من يشاء، ويسلب ما يشاء من يشاء؛ لا راد لقضائه في العالم كله، والعالم كله محكوم له، وهو مالك لجميع بني آدم، والأرض كلها والجنة كلها ملكه.
وملكوت السموات والأرض تحت أمره، ومفاتيح الجنة والنار في يده، والرزق والخير وكل قسم من العطاء يوزع من عنده، إن الدنيا والآخرة حصة من عطائه.
٢٣ - وقالوا: قال الله تعالى: يا محمد، كلهم يطلبون رضاي، وأنا أطلب
[ ٢ / ٩٠٠ ]
رضاك، وجعلت ملكي كله من العرش إلى الفرش فداءً لك، حكمك جار على الشمس والقمر؛ لا يطلع الشمس حتى تسلم على ابنك الجيلاني غوث الثقلين وغيث الكونين.
والخلاصة: بعد إيرادنا تلك المقالات عن المتصوفة ومن سار على نهجهم من القبوريين التي مدحوا فيها الرسول وتجاوزوا فيها الحد، حيث غلوا في الرسول ورفعوه إلى منزلة الألوهية والربوبية، نستطيع: إن نقول: إن المتصوفة قد وقعوا في انحراف عقدي خطير جدًا؛ حيث توجهوا إلى رسول بالدعاء والاستغاثة طالبين منه غفران الذنوب وتفريج الكروب، وغير ذلك من المطالب، تاركين الله ﷿ وراء ظهورهم، معرضين عن دعائه ﷾ الذي قال في كتابه: (ادعوني أستجب لكم).
وقوله سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).
وبما أن الدعاء يعتبر عبادة من أجل العبادات، فإن صرفه للرسول ﷺ يعتبر شركًا بالله ﷾؛ وذلك لأن الرسول عبد من عباد الله ولا يستحق شيئًا من حقوق الألوهية، بل هو ﷺ كان يعبد ربه صلى الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يستغفر الله كثيرًا ﷺ.
ولأن غفران الذنوب وتفريج الكروب والإنجاء من المهالك في الدنيا والآخرة خاص بالله ﷾، قال تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله)، والجواب: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله ﷾؛ لا نبيًا
[ ٢ / ٩٠١ ]
مرسلًا ولا ملكًا مقربًا ولا وليًا.
وعلى هذا فالمتصوفة بتوجههم بالدعاء إلى الرسول والاستغاثة به وطلب غفران الذنوب منه يعتبرون قد وقعوا في الإشراك بالله غيره؛ لأن الدعاء عبادة فصرفه لغير الله يعتبر شركًا بالله ﷾. وسيأتي بيان هذا النوع من الشرك عند المتصوفة فيما بعد. إنما المقصود هنا: بيان شرك الربوبية بالأنداد لدى المتصوفة، وهذه النصوص فيها بيان صريح لوقوعهم في أنواع من الشرك في الربوبية بالأنداد، ومن أبرزها: الشرك في صفة القدرة الكاملة لله سبحانه، ولهذا فإننا سنرد عليهم فيما يلي:
الردود على هذه الأقوال:
يرد على هذه الأقوال بالقرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة:
أما الكتاب، فمثل قوله تعالى:
١ - (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ).
٢ - (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ).
٣ - (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
٤ - (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى
[ ٢ / ٩٠٢ ]
كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ).
٥ - (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
٦ - (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).
٧ - (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ).
٨ - (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
٩ - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا).
١٠ - (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
١١ - (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ).
١٢ - (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).
١٣ - (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ).
١٤ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
١٥ - (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
١٦ - (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).
١٧ - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا).
١٨ - (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).
١٩ - (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).
[ ٢ / ٩٠٤ ]
٢٠ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
فهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن هذه الأشياء التي أثبتوها للنبي ﷺ كلها من خصائص الربوبية، ومن الحقوق الخالصة لله جل شأنه، بل فيه إشراك في صفة القدرة الكاملة لله تعالى، فإثباتها لغير الله شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة.
أما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على إبطال هذه العقيدة - عقيدة التصوف في الكون لغير الله - والتي هي شرك بالله في صفته القدرة الكاملة، من أهمها ما يلي:
الحديث الأول: حديث ابن عمر ﵁ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
[ ٢ / ٩٠٥ ]
فإن هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي تثبت التصرف في الكون لله وحده لا شريك له، وتنفي عن غيره تعالى، ويدل على أن الأنبياء والأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن غيره تعالى غير قادر على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع.
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن حوالة الأزدي: قال: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا، فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: «اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم».
هذا الحديث أيضًا يدل على إبطال عقيدة المتصوفة في زعمهم التصرف في الكون لغير الله، فإنه صريح، ونص على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وأنه عاجز عن حفظ نفسه، فكيف يملك حفظ غيره؟ !
كما دل الحديث على أن حفظ الخلق صفة خاصة بالله تعالى.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ،
[ ٢ / ٩٠٦ ]
فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني!
فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك.
وعلى رقبته صامت.
فيقول: يا رسول الله أغثني!
فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك.
أو على رقبته رقاع تخفق.
فيقول: يا رسول الله أغثني!
فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك».
فهذا الحديث أيضًا صريح في أن سيد البشر، وأفضل الأنبياء لا يملك نفعًا ولا ضرًا حتى لأصحابه، فما بالك بغيره؟ ! .
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، قال: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف!
[ ٢ / ٩٠٧ ]
لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ، سليني ما شئت من مالي! لا أغني عنك من الله شيئًا).
فهذا الحديث أيضًا يدل نصًا على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لبنته وعمه وعمته وأقاربه، وأنه لا يستطيع أن يخلصهم من بطش الله وعذابه فما ظنك بغيره؟ ! فلو كان النبي ﷺ يملك القدرة والتصرف والنفع والضر لكان أقاربه أحق الناس بأن يدفع عنهم الضر ويجلب لهم الخير، ولم يقل له: (إني لا أملك لكم، ولا أغني عنكم من الله شيئًا).
ووردت أحاديث كثيرة تؤكد بأن الرسول ﷺ لا يعلم ما سيفعل به في المستقبل، وأنه لا يستطيع دخول الجنة إلا إذا أدخله الله فيها برحمته، وإليك النصوص الدالة على هذا:
الحديث الأول: قال رسول الله ﷺ: «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي».
والحديث الثاني: قول الرسول ﷺ: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ورحمة».
ففي هذين الحديثين صرح الرسول ﷺ بأنه لا يعرف ما يفعل به، وأنه لا يستطيع أن يدخل أحد بعمله الجنة إلا بفضل الله - حتى هو صلوات الله وسلامه عليه - وإذا كان الرسول كذلك لا يملك لنفسه دخول الجنة إلا برحمة الله، فتوجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة يعتبر عبثًا وهراء، وما أوقعهم في هذا الشرك إلا حبهم للخرافة والابتداع والوقوع في حبائل الشرك.
وكيف يتوجه إليه المتصوفة بالدعاء والاستغاثة ويطلبوا منه أمورًا لا يجوز طلبها إلا من الله، وهو قد زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال رسول الله ﷺ: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».
وثبت أيضًا في صحيح مسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، فلما قفى دعاه فقال له: «إن أبي وأباك في النار».
فانظر كيف أن الرسول ﷺ لم يستطع أن ينفع والديه وهما أقرب الناس إليه، فكيف نتصور أن الرسول ﷺ يغفر ذنوب من جاءوا إليه بعد موته، ويفرج همومهم من أولئك المتصوفة المخرفة الذين يتوجهون إليه بالدعاء والاستغاثة ضاربين بتلك الآيات التي تصف الداعي لغير الله أضل إنسان مثل قوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ
[ ٢ / ٩٠٩ ]
غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).
وناسين أيضًا تلك الآيات التي قررت بأن كل مدعو دون الله ما هو إلا عبد وأنه لا يستطيع نصر من يدعوه سواء كان هذا المدعو ملكًا أو نبيًا أو حجرًا أو شجرًا، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
ففي هذه الآيات أخبرنا الله ﷾ بأن المدعوين من دون الله لا يستطيعون نصر من يدعونهم؛ لأنهم عاجزون عن نصر أنفسهم فضلًا عن أن ينصروا غيرهم، ومن كان عاجزًا عن نصر نفسه لا ينبغي أن يتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة؛ لأنه لا يملك إجابة دعاء من دعاه ولا إغاثة من استغاث به؛ لأن هذه من خصوصية الله ﷿، فلا ينبغي أن تصرف لغيره ومن صرفها لغيره، فدعا واستغاث بغيره، فقد وقع في الشرك الأكبر.
وهناك نص قاطع من السنة النبوية بأن الرسول ﷺ قال للصحابة حينما قالوا: قوموا نستغيث برسول الله: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله»، وهذا نص الحديث.
روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين،
[ ٢ / ٩١٠ ]
فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي صل الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله».
وفي حديث آخر حينما قال الصحابي للرسول ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «بل ما شاء الله وحده، أجعلتني لله ندًا؟ !».
فإذا نظرنا إلى الحديثين السابقين نجد أن الرسول ﷺ أنكر على الصحابة الذين قالوا: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ، وأخبرهم بأن الذي يستغاث به هو الله ﷾؛ لأنه هو الذي يستطيع أن يغيث من يستغاث به، أما هو فلا يستغاث به؛ لأنه عاجز عن إغاثة من استغاث به في الأمور التي لا يمكن أن يقدر عليها إلا الله ﷾، وهذا في حالة حياته أما بعد موته فإنه لا يجوز أن يستغاث برسول الله ﷺ إطلاقًا؛ لأنه انتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، فكل من استغاث به بعد موته وطلب منه غفران الذنوب وتفريج الكروب وإزالة
[ ٢ / ٩١١ ]
الهموم، فقد صرف له شيئًا من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله ﷾، وحينئذ يعتبر أنه وقع في الشرك.
أما في الحديث الثاني، فقد أنكر الرسول ﷺ على الذي عطف مشيئته على مشيئة الله ﷾، فقد له مبينًا له خطورة هذه الكلمة - وهو قوله: (ما شاء الله وشئت) ـ: (أجعلتني لله ندًا)، فالرسول كما نرى في هذا الحديث اعتبر عطف مشيئة الرسول على مشيئة الله بحرف الواو إشراكًا بالله ﷾، وهذا رد كاف ومقنع في الحقيقة على المتصوفة الذين رفعوا الرسول ﷺ إلى منزلة الألوهية، فصرفوا له أنواعًا من العبادات رغم أن العبادات لا يجوز صرفها لغير الله ﷾؛ لا لنبي ولا لولي ولا للملائكة ولا غيرهم من المخلوقات - كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني ـ.
ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ﷾؛ لأنه صرف شيء من العبادات لغير الله، وصرف شيء من العبادات لغير الله يعتبر عبادة لغيره وما الشرك إلا هذا بعينه. وقولهم: بأن الرسول عنده مقدرة على غفران الذنوب وكشف الكروب ودفع المضار وجلب المنافع، هذا شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة. فجمعوا بين الشركين.
قلت: هذه بعض الأمثلة من الأحاديث النبوية على إبطال عقائد المتصوفة في النبي ﷺ بأنه يملك التصرف في الكون والذي هو شرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وهي تدل صراحة ونصًا على أن النبي صلى الل عليه وسلم لا يملك نفعًا ولا ضرًا لأحد. فضلًا عن أن يملك الإحياء والإماتة، والإقطاع في الجنة، والإغناء، والشقاء، والسعادة، والهداية، والشفاء، والإعطاء.
[ ٢ / ٩١٢ ]
فتلك المدائح الصوفية ومقالاتهم والتي غلوا فيها غلوًا شديدًا، حتى رفعوا منزلة الرسول إلى منزلة الألوهية والربوبية فتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة، وطلبوا منه أمورًا كلها تتعلق بصفة القدرة الكاملة لله جل شأنه، ولا يجوز طلبها إلا من الله ﷾، كغفران الذنوب، وتفريج الكروب، وإذهاب الهموم، والغموم، والنجاة من النار، وصفوه بأنه ملاذهم الوحيد الذي لا ملاذ لهم سواه! ! ونسوا الله ﷿ الذي قال في كتابه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
ونحن نقول للمتصوفة: إن الرسول ﷺ ما هو إلا عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته وحده، وفضله الله بالرسالة وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وفضله على العالمين، وخصه بخصائص كثيرة دون إخوته من الأنبياء والمرسلين جميعًا، ولكن مع ذلك كله لا يخرجه هذا عن طور العبودية لله ﷾، وقد وصفه الله ﷿ بالعبودية له في أكمل أحواله فقال في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
وقال في الإيحاء: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى).
وقال في الدعوة: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).
[ ٢ / ٩١٣ ]
وقال في التحدي: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
إذا نظرنا إلى الآيات السابقة نرى: أن الله ﷾ وصف الرسول بالعبودية له حيث أضافه إليه، فقال: (إِلَى عَبْدِهِ) في الأماكن الأربعة، وهو وصف عظيم في الحقيقة لا يجده إلا من حقق العبودية الكاملة لله ﷾. ولذا أقول: الرسول عبد من عباد الله لا يستحق شيئًا من العبادات التي يُتَعَّبَدُ بها الله، وبما أن الدعاء عبادة والاستغاثة أيضًا فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فلا يجوز صرفهما للرسول ﷺ؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وما دام لا يملك ذلك لنفسه فمن باب أولى لا يملكه لغيره، وقد أمره الله في كتابه العزيز أن يقول: إنه بشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، في كثير من الآيات.
فالرسول ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لنفسه فضلًا عن أن يملك جر النفع ودفع الضرر عن غيره، وأنه لو كان النفع والضر بيده لما أصيب بأمور يكرهها في هذه الدنيا، ولكن كان لا يملك ذلك؛ فقد أصيب الرسول ﷺ بأذى كثير من المعركة في غزواته ومنها الإصابات التي أصيب بها في غزوة أحد كما هو معروف في السير؛ ولذا يعتبر توجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة عبث وهراء وشرك بالله ﷿.
وقد أمره الله في آية أخرى أيضًا أن يقول: إنه لا يعلم ما سيفعل به هو شخصيًا ولا يعلم ما سيفعل بأمته، وأنه ما هو إلا متبع لما يوحى من قبل الله عز
[ ٢ / ٩١٤ ]
وجل. والذي لا يدري ما يفعل به ولا يدري ما سيفعل بأمته لا يستحق أن يصرف له شيء من العبادة التي لا يستحقها إلا الله ﷾؛ لأن الذي يدعى لابد أن يكون عالمًا بالشيء قادرًا على دفعه، وهذا يبرأ منه الرسول ﷺ كما هو أمامنا في هذه الآية، قال تعالى: (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ).
وإذا كان الرسول ﷺ لا يعرف ما يفعل به في المستقبل ولا بأصحابه وهو في الحياة الدنيا قبل موته، فكيف يعرف مشاكل الصوفية بعد أن مات حتى يتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة من دون الله تعالى؟ ! إلا إذا قال المتصوفة: الشريعة ما هي إلا لأهل الظاهر فقط، أما أهل الحقيقة فإنهم لهم شريعة أخرى غير القرآن والسنة.
والحاصل: أنه قد تبين لنا من خلال الآيات السابقة التي أوردتها ومن أقوال العلماء التي ذكرتها: أن الدعاء نوعان، وأن كلًا من النوعين مستلزم للنوع الآخر، وأن كلًا منهما عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ﷾ كائنًا من كان، وأن الرسول عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته واصطفاه برسالته، وأن أفضل وصف وصف به هو وصفه بأنو عبد الله، وما دام الأمر كذلك فقد بينا بأن صرف الدعاء والاستغاثة به يعتبر شركًا بالله ﷿، وبينا خطورة الشرك وأنه من أكبر المعاصي التي لا يغفرها إلا الله بالتوبة منها قبل الموت، وأن الرسول ﷺ قد تبرأ ممن يدعونه من دون الله، وأخبر بأنه لا يملك شيئًا من النفع والضر فضلًا عن أن يملكه لغيره. وعلى هذا نقول: إن كل من
[ ٢ / ٩١٥ ]
يدعو الرسول ويستغيث به محاد لله ولرسوله، فهو داخل تحت هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
وقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
ولذا ينبغي على المتصوفة أن يتركوا هذه الأدعية الشركية التي توجهوا بها إلى الرسول ﷺ وطلبوا منه غفران الذنوب، وتفريج الكروب والغموم، والأخذ باليد يوم الميعاد، ويتوجهوا إلى خالقهم الذي بيده ملكوت كل شيء والذي لا يغفر الذنوب سواه، ولا يستطيع على إجابة المضطر سواه.
قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
وقال تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
وقال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
والخلاصة التي نخرج بها: أن الرسول ﷺ بشر مثلنا، وأنه ما خلق إلا لعبادة الله كما خلق غيره من الإنس والجن، وأنه لا يستحق شيئًا من العبادة، وقد سبق معنا الحديث الذي فيه أنه قال: لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله ﷾، وأنه لا يستطيع أن ينجي أحدًا من النار حتى ولو أقرب
[ ٢ / ٩١٦ ]
الأقربين إليه إلا إذا مات مؤمنًا بالله، ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ﷾ من جهتين اثنتين:
الشرك في الربوبية: من جهة اعتقادهم أن الرسول يقدر على هذه الأمور، فإنه إثبات الند في صفة القدرة لله جل شأنه.
الشرك في الإلهية: من جهة توجههم إليه بأنواع من العبادات.
ومع أن ما قلناه كاف ومقنع لمن يريد الوصول إلى الحق والهداية إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإننا نريد أن ندعم ما قلناه بآراء العلماء في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وذلك حتى لا يتهمنا أحد بأننا أول من أتينا بهذا الكلام، وأن هذا الأمر لم يتكلم فيه أحد في العصور السابقة من علماء الأة الإسلامية في عصورها المختلفة - كما يدعي عباد القبور من المتصوفة وغيرهم في أرجاء العالم الإسلامي ـ.
أما نصوص السلف في إبطال التصرف في الكون لغير الله: فأذكر نماذج من أقوالهم فيما يلي:
أولًا: أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وطلب كشف الضر وجلب النفع منه:
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أكثر العلماء الذين أوتوا مقدرة فائقة في الرد على المبتدعة بشتى أصنافها؛ من صوفة وجهمية ومعتزلة وأشعرية وخوارج وشيعة وغيرها من الفرق الضالة.
ولقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وتفريج الكرب شركًا بالله عز وعلا، وإليك طائفة من أقواله في هذا المجال:
[ ٢ / ٩١٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أورد هاتين الآيتين، وهما: قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ). وقوله سبحانه: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ). وقوله سبحانه: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين).
وقال في التوسل والوسيلة: (فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم،
[ ٢ / ٩١٨ ]
كما لا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك).
وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: (ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني وانصرني وادفع عني وأنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم؛ فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان).
وقال أيضًا في نفس الكتاب: (وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته فإن كل هذا من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أقربه أحد من أئمة المسلمين).
وقال أيضًا: (وإذا تكلمنا فيه يستحقه الله ﵎ من التوحيد بينّا أن
[ ٢ / ٩١٩ ]
الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بهم بذواتهم، وإنما يتوسل بهم بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه).
وقال في موضع آخر: (إن كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أجرني وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهًا آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ويقولون: (هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ). فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة) - إلى أن قال: - (وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب).
ثانيًا: أقوال ابن القيم ﵀ في حكم الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله لكشف الكربات ودفع البليات:
[ ٢ / ٩٢٠ ]
فقد قال ﵀ في كتابه مدارج السالكين متحدثًا عن أنواع الشرك:
(ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أمرنا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم وندعو لهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات.
وهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذا ظنوا أنهم راضون منهم بذلك، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم ﵇ حيث قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وما نجح من أشرك بهذا الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله).
[ ٢ / ٩٢١ ]
وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان:
(ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا ويصرف عنه أهل القرون الثلاثة المفصلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلًا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بل فيها من خلاف ذلك كثير).
ثالثًا: قول الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في حكم الاستغاثة برسول الله ﷺ والتوجه إليه بالدعاء:
[ ٢ / ٩٢٢ ]
قال ﵀: (وقوله: إن المبالغة في تعظيمه - أي تعظيم الرسول ﷺ واجبة إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء - فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين).
رابعًا: أقوال الإمام الشوكاني في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وبطلب النفع والضر:
قال ﵀: (فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى، أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا كما كان يفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقربه؛ فإن العلة واحدة.
وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت، فمن زعم أن ثم فرقًا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع أو يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فقد غلط
[ ٢ / ٩٢٣ ]
غلطًا بينًا وأقر على نفسه بجهل كثير، فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.
ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه سواه أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم فقط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم، وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار الأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور؛ فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبًا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبًا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده! !
وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا إشمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلًا: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك).
[ ٢ / ٩٢٤ ]
وقال أيضًا في رسالته شرح الصدور بتحريم رفع القبور: (لقد أمر الله رسوله ﷺ أن (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فانظر كيف أمر سيد البشر وصفوة خلقه في أنه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، وكذلك قال في الحديث: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا» الحديث، فإذا كان هذا قول رسول الله في نفسه وفي أخص قرابته به وأحبهم إليه، فما ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين ولا رسلًا مرسلين بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة المحمدية؟).
خامسًا: قول الشيخ محمد صديق حسن خان في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة:
قال ﵀ في تفسيره فتح البيان تحت قوله تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ): (وفي هذا أعظم وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله ﷾، وكذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ورزقهم أحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء
[ ٢ / ٩٢٥ ]
الخالق الرازق المعطي المانع؟
وحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: (لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره؟، فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ويطلبون منهم الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يستفطنون لما وقعوا فيه من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله) ومدلول (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؟ .
وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى وإلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما أصنامهم شفعاء لهم عند الله ويقربونهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم القدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون).
اعتقاداتهم تجاه ما يزعمون أنهم من الأولياء والصالحين:
لقد وجد عند المتصوفة نفس الاعتقاد الذين اعتقدوه في النبي ﷺ، بل ربما زادوا عليه أشياء تجاه أوليائهم ومشائخهم، فإنهم يرون التصرف في الكون، والإحياء والإماتة والإرزاق والنصر على العدو وقضاء الحوائج،
[ ٢ / ٩٢٦ ]
وكشف الكربات وإغاثة الملهوف وغير هذه الاعتقادات تجاه أوليائهم ومشايخهم. ومن مظاهر هذا الاعتقاد ما يلي:
اختراعهم مراتب للأولياء الذين لهم تصرف ونفوذ على الكون - على حد تعبيرهم ـ:
لقد اخترع الصوفية وابتدعوا من عند أنفسهم مراتبَ وألقابًا من عند أنفسهم لمن يصفونهم بأنهم أولياء الله، بقطع النظر عن الشخص الذي يصفونه بهذا الوصف، وهل هو مستحق لهذا الوصف العظيم - وهو وصف ولي الله - أو غير مستحق ذلك، لأن إطلاق هذا اللفظ على شخص بعينه فيه شهادة له وتأكيد بأنه من المرضي عنهم دنيا وأخرى، وهذا فيه جرأة عظيمة على الله. ولو لاحظنا غالب من يعتبرهم المتصوفة بأنهم أولياء الله سنجد بأنهم أصحاب دجل وكهانة وشعوذة وبدع وخرافات، ويظهر هذا لكل من يقرأ في كتبهم ويلاحظ سلوكهم.
ومن جملة البدع التي ابتدعها المتصوفة هي إحداث ألقاب لمن يطلقون عليهم أولياء الله، فقد ذكر الصوفية ألقابًا لأولياء الله لم ترد في الكتاب لا في السنة وإنما أتوا بها من عند أنفسهم، وإليك هذه المراتب والألقاب والوظائف التي ذكرها الصوفية في كتبهم.
أولًا: مراتب الأولياء عند الصوفية:
فمن الصوفية الذين ذكروا هذه المراتب والألقاب والوظائف محيي الدين ابن عربي الذي يصفه الصوفية: بأنه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، فقد قال عن مراتب الأولياء عند الصوفية:
(فمنهم الأقطاب ومنهم الأئمة ومنهم الأوتاد ومنهم الأبدال ومنهم النقباء
[ ٢ / ٩٢٧ ]
ومنهم النجباء ومنهم الرجيبيون ومنهم الأفراد، وما فيهم طائفة إلا قد رأيت منهم وعاشرتهم ببلاد المغرب وببلاد الحجاز والشرق.
ثانيًا: معاني هذه الألفاظ ووظيفة أصحاب كل مرتبة عند الصوفية:
لقد وضّح مشايخ الصوفية معاني هذه الألفاظ ووظيفة صاحب كل مرتبة توضيحًا شافيًا لا غموض فيه.
ولنبدأ بمعنى كلمة القطب أو الأقطاب ووظائفهم عند الصوفية:
القطب:
لقد تكلم كثير من مشايخ الصوفية عن معنى القطب عندهم، ومن جملة المشايخ الذين تكلموا عن القطب والأقطاب محيي الدين بن عربي، فقد قال متحدثًا عن الأقطاب:
(الأقطاب: جمع قطب، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في العالم، ويقال الغوث وهو على قلب إسرافيل).
وقد تحدث ابن عربي أيضًا عن أسماء القطب وأوصافه، فقال: (إن اسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى ومجلي النعوث المقدسة ومحالّ المظاهر الإلهية وصاحب الوقت وعين الزمان وصاحب علم سر القدر، وله علم دهر الدهور، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء، لأنه محفوظ في خزائن الغيرة ملتحف بأردية الصون لا يعتريه شبهة في دينه قط، ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه، كثير النكاح ورغب محب للنساء يوفي
[ ٢ / ٩٢٨ ]
الطبيعة حقها على الحد المشروع له).
وقد أكد ابن عربي أن الأقطاب لم يخل منهم زمان منذ أن خلق الله البشرية، كما زعم أن لكل إقليم أو قرية قطبًا صغيرًا ينوب عن القطب الكبير.
وقد تحدث التيجاني عن حقيقة القطبانية في المفهوم الصوفي، فقال: (إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مكلفًا في جميع الوجود جملة وتفصيلًا، حيثما كان الرب إلهًا كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى. فلا يصل إلى الخلق شيء كائنًا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانية في كل ذرة من ذرات الوجود، فترى الكون أشباحًا لا حركة، وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلًا. ثم صرفه في مراتب الأولياء، فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها، به يرحم الوجود، وبه يبقى الوجود في بقاء الوجود رحمة لكل العباد، وجوده في الوجود حياة لروحه الكلية وتنفس نفسه بعد، يمد الله به العلوية والسفلية، ذاته مرآة مجردة يشهد فيها كل قاصد مقصده).
إذا نظرنا في النص السابق نجد أن المتصوفة يعتبرون القطب هو المتصرف الوحيد في هذا الكون لأنه نائب عن الله.
ويدّعي محيي الدين بن عربي بأنه اجتمع الأقطاب الذين كانوا في الأمم
[ ٢ / ٩٢٩ ]
السابقة فيما سماه بـ (حضرة برزخية) فيقول تحت عنوان: أقطاب الأمم السابقين: (وأما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان فجماعة، ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة في مشهد قدس. ثم ذكر أسماؤهم).
وعلى هذا يعتبر المتصوفة القطب مساويًا لله ﷾ في علمه وصفاته وتصرفه في هذا الكون، وهذا غلو شديد يؤدي بمن يعتقده إلى الخروج كلية عن الإسلام؛ لأن من يعتقد بأن القطب يتصف بهذه الأوصاف المذكورة فقد اتخذه ربًا وإلهًا مع الله، وهذا شرك عظيم.
وبالجملة: إذا نظرنا في النصوص السابقة كلها نخرج بنتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن كل هذا الكون وتصريفه بيد القطب، وكأنه الوزير النائب عن الله، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا عن طريق القطب الصوفي المزعوم، والذي لا وجود له في الحقيقة، وإنما وجوده في خيال المتصوفة فقط، وليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة.
وبهذا نكتفي في مجال القطب، وننتقل إلى المرتبة الثانية من المراتب التي وضعها الصوفية للأولياء وهي مرتبة البدلية:
المرتبة الثانية: البدل أو البدلاء:
يعتقد المتصوفة أن هناك رجالًا سبعة يقال لهم الأبدان يحفظون هذه الأقاليم السبعة - أي القارات التي يعيش فيها هذا العالم ـ، وأن كل بدل مكلف بإقليم واحد يحفظه من كل سوء ويحميه.
وإليك نصوصًا من بطون كتبهم:
[ ٢ / ٩٣٠ ]
فقد قال محيي الدين بن عربي متحدثًا عن الأبدال: (أما الأبدال: فهم سبعة رجال من سافر منهم من موضع ترك على صورته جسدًا أي شبحًا يحيى بحياته ويظهر بأعمال أصله).
وقال أيضًا في مكان آخر: (اعلم أن ثَم رجالًا سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم قوة منبعثة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات؛ وهم: إبراهيم الخليل، يليه موسى، يليه هارون، يتلوه إدريس، يتلوه يوسف، يتلوه عيسى، يتلوه آدم - سلام الله عليهم أجمعين ـ).
وقال صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية في وصف الأبدال: (هم سبعة رجال، فمن سافر منهم عن موضعه ترك جسدًا على صورته حيًا يحيى بحياته، ظاهرًا بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهو في تلبسه بالأجساد والصور على صورته على قلب إبراهيم ﵇).
وقال ناقلًا عن آخر: (البدلاء أربعون، والأمناء سبعة، والخلفاء من الأئمة ثلاثة، والواحد هو القطب، فالقطب عارف بهم جميعًا ومشرف عليهم ولم يعرفه أحد ولا يتشرف عليه وهو إمام الأولياء، فالثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة ويعرفون الأربعين وهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد فإذا نقص واحد، من الأربعين أبدل مكانه من الأولياء).
[ ٢ / ٩٣١ ]
المرتبة الثالثة: مرتبة الوتد أو الأوتاد:
يعتقد الصوفية بأن هناك مرتبة الأولياء تسمى الأوتاد، ويعتقد المتصوفة بأن هؤلاء الأوتاد يحفظون هذا الكون الذي نعيش فيه.
قال صاحب معجم مصطلحات الصوفية عن الأوتاد: (الأوتاد هم أربعة رجال منازلهم على منازل الجهات الأربع من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة، ويحفظ الله بهم تلك الجهات لكونهم مجال نظره تعالى، والولي يتنور بصورهم فيكلم الناس في الباطن والظاهر ويخبرهم).
(لكل وجهة وتد يشفع يوم القيامة فيمن دخل عليه إبليس من جهته).
المرتبة الرابعة: مرتبة الأفراد:
وقد تكلم محيي الدين بن عربي عن الأفراد وأطال الحديث عنهم، فقال: (أما الأفراد فهم الخارجون عن دائرة القطب، وهم الذين على بينة من ربهم، وهم في هذه الأمة بمنزلة الأنبياء في الأمم الخالية).
وقال في وصفهم أيضًا: الأفراد لهم الأولوية في الأمور: فالإنكار ليس من شأنهم، فإن لهم الأولية في الأمور، فهم ينكر عليهم ولا ينكرون. قال الجنيد: لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق؛ وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم، ثم قال: الأفراد هم أصحاب
[ ٢ / ٩٣٢ ]
العلم الباطن.
المرتبة الخامسة: مرتبة النقباء:
ولقد عرف النقباء صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية فقال: (أما النقباء فهم الذين استخرجوا خبايا النفوس وأشرفوا على الضمائر لتحققهم بالعبودية).
إذن، النقباء هم الذين يعرفون ما في الضمائر، ومعنى ذلك هم الذين يعلمون الغيب.
المرتبة السادسة: مرتبة النجباء:
وقد عرفهم صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية بما يلي:
(أما النجباء فهم أربعون شخصًا، مشغولون بحمل أثقال الخلق، فلا يتصرفون في حق أنفسهم بل في حق غيرهم).
المرتبة السابعة: مرتبة الأئمة:
وقد تحدث محيي الدين بن عربي عن هذا عند المتصوفة فقال: (أما الأئمة فهما إمامان، أحدهما عن يمين القطب ونظره في عالم الملكوت واسمه عبد الرب، والآخر عن يساره ونظره في عالم الملك واسمه عبد الملك، وهو الذي يخلف القطب إذا درج).
إذا نظرنا إلى النص السابق نرى بوضوح أن المتصوفة يقصدون بلفظ الأئمة الإمامين اللذين يجلسان عن يمين القطب ويساره، وهذا حسب
[ ٢ / ٩٣٣ ]
زعمهم، وإلا فلا وجود أصلًا للقطب المزعوم فضلًا عن أن يكون له إمامان يجلسان بجنبيه.
المرتبة الثامنة: مرتبة المجذوب:
هناك درجة أخرى من الدرجات التي وضعها المتصوفة لمن يسمونهم أولياء الله وهي مرتبة المجاذيب. وقد تحدث صاحب عوارف المعارف على هذه المرتبة فقال:
المجذوب: هو الذي يبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئًا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق السلوك والمعاملة، وهذا لا يؤهل المشيخة.
والخلاصة التي توصلنا إليها من خلال كلامنا عن مراتب الصوفية التي وضعوها للأولياء: هو أن المتصوفة كونوا مملكة بشرية وهمية، وزعموا أن هذه المملكة هي التي تسير هذا الكون بكامله، فلا يقع في هذا الكون أمر من الأمور إلا عن طريق هذه المملكة المزعومة، وأن هذه المملكة لها التصرف المطلق في هذا الكون فهي التي تحفظه من المهالك وعن طريقها يرزق كل ما في هذا الكون.
وهذا واضح جدًا في النصوص السابقة التي أوردتها عن أئمة التصوف، وبهذا نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن هناك بشر شركاء لله في تدبير هذا الكون وتسييره. والحقيقة - فيما أعلم - أن هذا شرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة، وقد انفرد المتصوفة بمثل هذا القول من بين الفرق والطوائف بل وأصحاب الأديان المختلفة، وذلك لأنه حتى الكفار الذين بعث إليهم الرسول ﷺ لم يكونوا يقولون إن الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله
[ ٢ / ٩٣٤ ]
لها المشاركة مع الله في التصرف في هذا الكون، وإنما كانوا يقولون: إنها وسائط فقط.
ولذا نقول: إن المتصوفة فاقوا المشركين الأوائل في الشرك بالله، فإنه ما وجد مثل هذا الاعتقاد في شرك الأمم السابقة ولا في شرك العرب في الجاهلية، وإن وجد شيئًا من هذا النمط فكان في الباطنية الكفرة، فهؤلاء لعلهم استقوا هذه الاعتقادات من الباطنية الأشرار، وسأزيد هذا الموضوع توضيحًا فيما يلي بإيراد حكايات عن أئمة التصوف ثبتت لنا أن المتصوفة يعتقدون بأن مشائخهم لهم التصرف الكامل في هذا الكون.
ثانيًا: ذكر نماذج من نصوص من بطون كتب الصوفية التي ألفها أئمة جهابذة عندهم تثبث لنا أن المتصوفة بالفعل يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في الكون:
سبق معنا بيان مراتب الأولياء ووظائفهم عند المتصوفة، وهنا أورد بعض النصوص من بطون كتبهم لكي نثبت ونؤكد ونوضح أكثر اعتقاد المتصوفة التصرف المطلق للأولياء في هذا الكون والذي هو شرك بالله في قدرته الكاملة، وحتى نقطع الحجة على كل متنطع متصوف يقول مثلًا: إن هذا القول لم يقله المتصوفة وإنما هو مفترى عليهم. فمن هذه الحكايات:
أ- ما يقول به يوسف النبهاني في معرض حكاياته لكرامات الأولياء: أن عبد الله بن علوي ابن الأستاذ الأعظم من كراماته أن رجلًا أنشد أبياتًا تتعلق بالبعث والحساب، فتواجد صاحبه وخر مغشيًا عليه، فلما أفاق قال للرجل: أعد الأبيات، فقال الراجل: بشرط أن تضمن لي الجنة، فقال: ليس ذلك إليّ ولكن اطلب ما شئت من المال، فقال الرجل: ما أريد إلا الجنة وإن حصل لنا شيء ما كوهنا، فدعا له بالجنة فحسنت حالة الرجل وانتقل إلى - رحمة الله - وشيعه السيد
[ ٢ / ٩٣٥ ]
المذكور وحضر دفنه وجلس عند قبره ساعة، فتغير وجهه، ثم ضحك واستبشر فسئل عن ذلك فقال: إنه لما سأله الملكان عن ربه قال: شيخي عبد الله بن علوي فتعبت لذلك فسألاه أيضًا فأجاب بذلك فقالا: مرحبًا بك وبشيخك عبد الله يا علوي. قال بعضهم: هكذا ينبغي أن يكون الشيخ يحفظ مريده حتى يعد.
والشاهد في النص أن المتصوفة يعتقدون أن معرفة شيخ الطريقة من الطرق الصوفية تغني عن معرفة الله ورسوله، وأنه كفيل لكي ينجي مريده من عذاب النار ويدخله الجنة، وأن شيخ أي طريقة صوفية يستطيع أن يحفظ مريده حيًا وميتًا، وعلى هذا فلا حاجة للتعب والسهر في تلاوة كتاب الله ومعرفة معانيه ولا في دراسة سنة رسوله محمد ﷺ، وهذه دعوى صريحة للقضاء على الدين الإسلامي كله وتحويل البشرية إلى عبادة البشر الذين يطلق عليهم المتصوفة أنهم أولياء.
٢ - وقال النبهاني أيضًا: ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي، كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب: ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرف في الكون فما دونه مانع.
والشاهد في النص - كما هو واضح ولا يحتاج إلى شرح وإيضاح - هو أن رسول الله ﷺ قال للشعراني: تصرف في هذا الكون وأنه ليس هناك أي مانع يمنعه من التصرف فيه، ومعنى ذلك أن المتصوفة يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في هذا الكون، وهذا شرك بالله تعالى لم يصل إليه المشركون الأوائل الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ.
٣ - وقال أيضًا: ومن جملة القصص المشهورة: (أن الفقيه إسماعيل
[ ٢ / ٩٣٦ ]
الحضرمي ﵁ أنه قال يومًا لخادمه وهو في سفر يقول للشمس تقف حتى يصل إلى منزله - وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها - فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي لي، فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: ما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال).
ثم ذكر بأن بعض المتصوفة قال: (لا يكون الشيخ شيخًا حتى يمحو خطيئة تلميذه من اللوح المحفوظ. وقال آخر منهم منكرًا لهذا القول المذكور: لو كان شيخًا لما غفل عن تلميذه حتى وقع في الخطيئة).
والشاهد من النصين السابقين واضح جدًا؛ حيث إن الولي الأول أوقف الشمس عن السير ثم أطلق سراحها، ولم يوقفها بنفسه بل أمر تلميذه أن يقول لها: إن الشيخ يأمرك أن تقفي فوقفت، وهذا اعتقاد تصرف لغير الله في هذا الكون واعتقاد القدرة الكاملة في غير الله، وأما النص الثاني فالشاهد فيه أن المتصوفة يعتقدون بأن الأولياء لهم التصرف الكامل حتى إنهم يستطيعون أن يمحوا الخطايا والذنوب التي وقع فيها أتباعهم من اللوح المحفوظ، ورأى أحد المتصوفة أن وقوع المريد في الذنب يعتبر نقصًا في شيخه وذلك لأنه لو كان شيخًا حقيقة لما وقع مريده في الخطيئة، ومعنى ذلك أن الولي يحفظ مريده من الوقوع في المعاصي ويعصمه، وهذه عقائد فاسدة؛ وذلك لأن فيها دعوى بأن البشر لهم حق التصرف في هذا الكون.
وهناك نصوص أخرى تدل كلها صراحة على أن المتصوفة يعتقدون في
[ ٢ / ٩٣٧ ]
أوليائهم أنهم يحيون الموتى، ويشفون المرضى، وينزلون الأمطار، ويعطون الأرزاق، ويهدون الهداية التوفيقية، ويقلبون الأعيان، ويفعلون ما يشاءون، وكتب القوم مسطورة ومشحونة بمثل هذه الشركيات.
والمقصود: بيان كون إثبات هذه الأمور شركًا بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغيره سبحانه.
يقول الشيخ أبو بكر الجزائري تحت عنون (شرك الربوبية ومظاهره في الأمة الإسلامية).
(وهنا بيان مقتضب لتلك المظاهر الشركية في بعض أفراد الأمة الإسلامية نذكرها تحذيرًا منها وتعليمًا بأن عقيدة المؤمنين الحقة خلوها من كل مظاهر الشرك وآثاره لابتنائها على هدي الكتاب والسنة؛ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ:
١ - اعتقاد كثير من عوام المسلمين وأشباههم أن هناك في الكون قطبًا وأبدالًا من الأولياء والصالحين لهم قدر معين من التصرف في حياة الناس، فهم يولون ويعزلون ويعطون ويمنعون ويضرون وينفعون، كما شاع بين عوام المسلمين أن لهؤلاء الأقطاب والأبدال ديوانًا يطلق عليه ديوان الصالحين منه تصدر القرارات والمراسيم بربح فلان وبحاجة وخيبة فلان وخسرانه، ومن هنا
[ ٢ / ٩٣٨ ]
تعلقت قلوب كثير من الناس بالصالحين وهتفت بهم الألسنة واستغيث بهم ودعوا عند الشدائد ونودوا للخلاص من المحن، وهو مظهر واضح للشرك في الربوبية لما فيه اعتقاد التصرف والتدبير في الكون لغير الله تعالى، أوله ولغيره ﷾.
٢ - اعتقاد كثير من المنتسبين إلى العلم أن لأرواح الأولياء تصرفًا بعد موتهم، وشاع هذا الاعتقاد الكاذب والباطل ورسخ في نفوس كثير من المسلمين حتى أصبحت الأضرحة والمشاهد والقبور ملاذًا لكل خائف مستشفى لكل مريض، فمن أصابه كرب أو نزل به ضيم أو حلت به نكبة فزع إلى تلك الأضرحة والمشاهد والقبور وأناخ بساحتها وتعلق بأهداب أصحابها راجيًا منها تفريج كربه وقضاء حاجته وهذا من خصائص الربوبية؛ إذ هو من التدبير للخلق الذي اختص به الرب ﵎ ).
والمقصود: بيان كون المتصوفة ومن على شاكلتهم من العوام كثير منهم وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شانه.
ولكن هل لدى هؤلاء شبهة نقلية أو عقلية؟
إن أصحاب هذا الاعتقاد - السابق ذكره - على صنفين:
الصنف الأول: يعتقدون أن الأنبياء والأولياء لهم القدرة الكاملة والمطلقة في فعل هذه الأمور. ومعلوم من الدين بالضرورة أن أي اعتقاد مثل هذا يعتبر شركًا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه. وهذا الصنف من الناس لا يستندون في هذا الاعتقاد إلى أي شبهة نقلية صحيحة أو عقلية صريحة، وإنما جل شبهاتهم إما ادعاءات فارغة أو أحاديث واهية وموضوعة،
[ ٢ / ٩٣٩ ]
والاشتغال بالرد على الادعاءات والأحاديث الواهيات ضياع للوقت.
الصنف الثاني: لا يعتقدون - على الظاهر - أن لهؤلاء الأنبياء والأولياء قدرة كاملة على التصرف في الكون، ويبدو أن هؤلاء لا يستندون في هذا الاعتقاد إلا قولهم: بأنهم يتوسلون أو يتوسطون أو يتبركون أو يستغيثون أو يستنصرون أو مثل هذه الألفاظ، وإن كانوا في الحقيقة يعتقدون أن هؤلاء المستغاثون أو المتوسلون أو المتبركون عندهم قدرة كاملة على فعل هذا ولكنهم يخفون هذا بل يظهرون للناس أنهم يفعلون، ويعتقدون هذه الأمور في الأنبياء والأولياء على أن الأنبياء والأولياء لهم قدرة على فعل هذه الأمور بالوساطة والشفاعة والجاه والوجاهة والمنزلة الرفيعة والكرامة. وإذا كانوا يبدون لنا هذا الاعتقاد نقول لهم: إن هذا الاعتقاد شرك بالله في الألوهية. وسيأتي بيان شبهاتهم والردود عليها عند بيان الشرك في الألوهية في العصر الحديث.
الفرع الرابع: مظاهر الشرك في الربوبية بادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة لأحد غير الله في المتبركين بغير الله:
هناك أفراد من الناس وقعوا في الشرك بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه بالتبرك بغير الله. وفيما يلي بيان كون التبرك شركًا بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله ﷿.
خلاصة الكلام في التبرك:
إنه على قسمين: الأول: التبرك المشروع. فهذا النوع من التبرك لا كلام فيه. فكل ما ثبت في شرع الله تعالى التبرك به يجوز التبرك به ولا ينافي التوحيد ولا يكون من البدع أبدًا.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
الثاني: التبرك الممنوع. وهو التبرك الذي لم يرد الشرع بجوازه، أو ورد الشرع بخلافه.
وله نوعان:
أ- التبرك الشركي: وهو ما كان فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو أن يعتقد المتبرِّك، أن المتبرَّك به غير الله تعالى يعطي الخير والنماء فوق الأسباب العادية.
وهذا النوع من التبرك يرجع إلى عقيدة التصرف في الكون لغير الله ﷾. ومن المظاهر في العصر الحديث: ما يقولون: إن فلانًا لمبارك، أو الشيخ فلان مبارك، أو أن القبر الفلاني يتبرك به، أو مثل هذا الكلام الذي يدور بين المتصوفة في مشايخهم وأوليائهم. بل ترى بعضهم يسافرون إلى بغداد أو أجمير أو دلهى طلبًا للبركة من قبر أوليائهم ومشايخهم.
ب- التبرك البدعي: وهو ما لم يكن فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، بل كان فيه طلب الخير والنماء من الله، ولكن بواسطة شيء لم يرد به الكتاب السنة. كطلب البركة من الله بواسطة غلاف الكعبة، أو طلب البركة من الله بواسطة استلام الحجرة النبوية، ونحوها، أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة تمر المدينة النبوية، ونحوها مما هو معروف.
وهذا التبرك البدعي ربما يتطور حتى يكون شركًا في العبادة، وذلك إذا صرفوا لها بعض العبادات بسبب المبالغة في تعظيمهم والافتتان بها.
والتبرك الذي أردنا إيراده هاهنا هو التبرك الشركي، إذ هو لا شك في كونه من الشرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة.
[ ٢ / ٩٤١ ]
الفرع الخامس: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى أصحاب الروحية الحديثة:
وذلك؛ لأنهم يعتقدون في الأرواح بأنها تحل لهم جميع المشاكل، وقد سبق بيان مذهبهم في ذلك في المبحث الأول، ومما يشكل عليهم أو يتشبثون به من الشبه ما يلي:
قولهم: إن هذه الأرواح في أغلب الأحيان تعطينا حلولًا كافيةً لمشكلاتنا، فالأرواح عندها القدرة الكاملة على حلول المشكلات؛ كإشفاء المريض، وإلا من أين يحصل لنا هذه الأمور؟
إن هذا المذهب ألصق بالمطلب الذي بعده، فإن هؤلاء يرون أن هذه الأرواح يعلمون الغيب، وما هذه التصرفات إلا لعلمهم الغيب ومعرفتهم بحقيقة الأمور، ولهذا فإننا نؤجل الرد عليهم إلى المطلب الثاني - عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط بكل شيء ـ، وإنما يرد عليهم هنا على قولهم بمقدرة هذه الأرواح على حل المشاكل وتوصيف أشياء من الطب وما يتبع ذلك.
فنقول في الرد عليهم:
أ- إن ادعاء وجود الحلول الكافية لدى هؤلاء فيه شرك بالله في قدرته الكاملة، وليس هناك أي دليل لهم على ذلك، بل هي مجرد دعوى، بل بعضهم ربما يحل الشيطان بعض المشاكل لما عنده من الحيل لتنفيذ خططه، سواء كان بسرقة أو باستعانة الشياطين الأخر، وربما يسرق أموال الغير ليرضي
[ ٢ / ٩٤٢ ]
بها صاحبه، كما ذكره شيخ الإسلام في بعض مصنفاته.
وأما ما يذكرون بأنهم يصفون الوصفة الطيبة فيشفون بهذه الأدوية فلا تمنع أن يكون من الجنات لديهم بعض المعرفة بالطب، ثم ليس هذا مطردًا في جميع المرضى، بل قد يكون بعضهم وصف لهم بعض الأدوية ولكنه ما شفي بهذا، والواقع خير دليل على هذا.
الفرع السادس: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد لدى بعض الناس ادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله تعالى لغيره سبحانه بالتمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة ونحوها:
لقد سبق الكلام على مسألة التمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة متى تكون هذه الأشياء شركًا بالله جل شأنه ومتى لا؟ وما هي الأدلة الدالة على عدها من الشرك؟ . وهنا نشير إلى أن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة في أغلب العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، وأغلب من يستعمل هذه التمائم والرقى ويلبسون الخيط والحلقة يعتقدون فيها النفع والضر لذاتها، وبهذا يقعون في الشرك في الربوبية في قدرته الكاملة.
أما إن لم يعتقدوا فيها إلا على كونها من باب الالتفات إلى الأسباب فهذا شرك أصغر.
الفرع السابع: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى السحرة والكهان:
لقد سبق معنا بيان حكم السحر والكهانة والتنجيم، بأنها تكون من
[ ٢ / ٩٤٣ ]
الشرك بالله جل وعلا في الربوبية من جهتين:
من جهة إثبات القدرة الكاملة للسحرة والكهنة والمنجمين.
ومن جهة إثبات العلم الشامل المحيط بالمغيبات لهم.
كما سبق معنا بيان كونها من الشرك بالله في العبادة إذا صرف لهم أو لشياطينهم أي أنواع من العبادة.
هنا أريد أن أنبه على أن هؤلاء السحرة والكهنة والمنجمين لهم وجود في جميع الدنيا بشكل عام، وهؤلاء عندهم نفس أنواع الشرك الذي سبق أن تكلمنا عليها عندما بينا أنواع الشرك في الجاهلية لدى العرب.
إن هذه الخصلة من الخصال الموجودة في زماننا هذا عند من يدعون الولاية، فإن منهم من يتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، ونحوها، ويزعم أنها من الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين، نتيجة للجهد والسهر والرياضيات.
وهذا أكثر ما يوجد في المتصوفة، بل لك أن تقول: إن التصوف والسحر قرينان، يدل على ذلك أمران:
أحدهما: أن أئمة السحر هم أئمة المتصوفة، فإن جابر بن حيان كبير السحرة، والحلاج الزنديق أكبر منه، وهكذا ابن عربي الملحد وغيرهم من المتصوفة كانوا من السحرة.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
ثانيهما: أن من علوم المتصوفة علم الطلسمات، وعلم الحرف، والسيمياء، وهي من علوم السحر.
كما أن الرافضة لا يبعدون كثيرًا عن المتصوفة في هذا الأمر، وذلك أن لهم عناية بالطلاسم واعتقادًا فيها.
كما أن من الناس من يتخذ مهنة السحر وسيلة من وسائل العيش بها، مدعيًا أن ذلك من الطب ونحوه، ومنهم من يتخذ مهنة السحر للإضرار بعباد الله، فتارة يمرضون به وتارة يقتلون، وتارة يفرقون بين المرء وزوجه. وهذا موجود بكثرة.
ومن صور وجود هذه الخصلة: حفلات الزار التي تقام في بعض البلاد، ويذبح من أجلها للشياطين، وينذر لهم.
ومن ذلك ما يسمى بـ (ألعاب السيرك) التي تعتمد في غالبها على السحر.
فهذا بعض ما يدل على وجود هذه الخصلة في هذا العصر.
الفرع الثامن: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى المتطيرين والعائفين:
سبق معنا بيان الطيرة والطيرة ووجودهما في الجاهلية، كما تكلمنا في
[ ٢ / ٩٤٥ ]
كونها شركًا بالله جل وعلا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه.
وهنا سيكون الكلام على وجود هذه الخصال في العصر الحاضر، فأقول: هذه الخصلة ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ففي بعض المجتمعات التي يغلب فيها الجهل، لا تزال العيافة موجودة بينهم، فهم يتعيفون من كثير من الطيور، وخاصة البوم، فهم يعتقدون أن هذا الطائر إذا وقع على دار أحدهم، فإنما تنعي إليه نفسه، أو أحد أفراد عائلته.
كما أن كثيرًا منهم يتعيف بالغراب، فإذا قابله أول النهار، اعتقد أن مكروهًا يصيبه.
وهكذا ترى الطيرة موجودة إلى يومنا هذا بشكل أوسع، ولها صور كثيرة، منها:
التشاؤم ببعض الأشخاص ذوي العيب؛ كالأعور والأحول والأعرج، وببعض الأشجار؛ كالأشجار المتجرة عن أغصانها، وببعض الأرقام؛ كرقم (١٣) عند النصارى، ورقم (١٠) عند الروافض، ورقم (٧) عند أهل البادية، وببعض الأصوات، كصوت الغراب والبومة، وبالمقص إذا كان مفتوحًا، وبتقليم الأظافر ليلًا، وبالاغتسال ليلًا بقصد النظافة، وبالضحك الكثير، وبتسمية الأبناء باسم الآباء وهم أحياء، وبمشاهدة ما يسوء أول النهار كحادث مثلًا، أو بمشاهدة بغيض كعدو ونحوه، وبحكة رجل، ورفة العين اليسرى،
[ ٢ / ٩٤٦ ]
وببعض الأولاد، وخاصة البنات، وببعض الشهور كصفر وشوال، وببعض الأيام كيوم الجمعة، وبالعطاس، وبالكنس بمكنسة جديدة قبل تقليم أطرافها. وببعض الألوان كالأسود والأزرق، وبشرب الماء عند اصفرار الشمس، وبالعزم على كتابة الوصية، أو الندم على ما وقع منه من ظلامة للناس، ومحاولة التحلل منه، ورد ظلامتهم إليهم، وبذكر العقرب والحية، وغير ذلك من الهوام. فهذه الأمثلة تدل دلالة واضحة على أن هذه الخصلة ما زالت موجودة في هذا العصر.
ولكن متى تكون الطيرة شركًا بالله في الربوبية، ومتى تكون شركًا أصغر؟
إذا اعتقد في المتطير به أن فيه قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، فإنه حينئذ يكون من الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة. قال في شرح السنن: (وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى).
وأما إذا كان مجرد التفات إلى الأسباب فحينئذ تعد من الشرك الأصغر. لأنه (اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل
[ ٢ / ٩٤٧ ]
على الله، ويوهن العزيمة وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية، والقاعدة: أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرك سببًا فإنه مشرك).
فهذه بعض أنواع الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته القدرة الكاملة في العصر الحاضر.
وفيما يلي بيان بعض أنواع الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم الشامل المحيط في العصر الحاضر.