معنى الخوف:
الخوف مصدر من الفعل الثلاثي الأجوف (خاف) وأصله: خَوِفَ بكسر الواو ويَخْوَفُ بفتحها. مثل علم يعلم علمًا. معناه: الفزع. والذعر. وهو والخشية والرهبة بمعنى متقارب. قال القرطبي: (والرُهب والرَهب والرهبة: الخوف).
(والخائف من الله تعالى هو أن يخاف إما يعاقبه إما في الدنيا، وإما في الآخرة، ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه).
ومن هنا كان الخوف والخشية دون التقوى ووسيلة إليها.
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
أقسام الخوف:
الخوف على أربعة أقسام:
الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من المقدس أن يصيبه بما يشاء متى يشاء من مرض أو فقر أو موت، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته.
الثاني: الخوف من الناس خوفًا ظاهريًا يؤدي إلى ترك الأقدام على فعل الواجبات الثقيلة كالجهاد، ويعرف هذا الخوف بالجبن.
الثالث: الخوف من وعيد الله الذي توعد به العصاة.
الرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو يترصده أو سبع أو هدم أو غرق.
الخوف الذي يدخل فيه العبادة والمقصود بالخوف هنا:
لا شك أن القسم الرابع من الخوف لا يذم المتصف به، لأنه أمر جبلي لا يسلم منه أحد حتى الأنبياء، مثلًا: قال تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) فمثل هذا الخوف ليس في بابنا.
وأما القسم الثالث: الذي هو الخوف من الوعيد: فمقام عظيم من مقامات الصالحين الأبرار، وهو محبوب لدى الله، ومطلوب من عباده له. قال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، وقال: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). وهذا الخوف من الله يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
وأما القسم الثاني من الخوف: الذي هو الجبن، فهو الذي يحول بين المسلم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وهذا مذموم شرعًا، وقد ثبت في الأحاديث النبوية أنه ﷺ كان يتعوذ بالله من الجبن، وهذا القسم من الخوف ناتج عن ضعف الإيمان وقلة اليقين.
وأما القسم الأول: فهو الذي لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، إذ ليس هناك من يصيب من يشاء بما يشاء بقدرته غير الله تعالى، فمن اعتقد أن النبي أو الولي أو شيخه أو مقبوره أو من يقدسه - سواء كان حيًا أو ميتًا - يملك البطش به متى أراد بقدرته فقد خصه بأعظم لوازم الألوهية؛ لأن هذا القسم من الخوف قد أمر الله تعالى عباده أن يخافوه به، بل أن يختصوه به ويخلصوه له، ومعلوم أن الله تعالى لا يأمر عباده بأمر ويحثهم عليه إلا إذا كان عبادة من العبادات، وما كان عبادة يكون صرفها لغير الله شركًا. قال تعالى في الأمر بهذا الخوف: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقال: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُون)، وقال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)، وقال: (وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ).
وقال تعالى في ثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف لله وحده: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقال تعالى: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، وقال
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، وقال تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).
إن من تدبر هذه الآيات وما فيها من الأمر بإفراد الله تعالى بالخوف والرهبة إما تصريحًا بنفيها من غيره، وإما قصرًا وحصرًا بتقديم المعمول على العامل، وثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف، من تدبرها ظهر له جليًا أن هذا الخوف من خصائص الإله التي لا يجوز التوجه بها إلى غير الله سبحانه، وأن ذلك شرك لا يغفر الله لمن مات عليه.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ) الآية: (يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: (فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك).
فالسلف فهموا أن هذا الخوف عبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
نماذج من وقوع الناس في هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:
أكثر من رأيت أنهم وقعوا في هذا النوع من الشرك: المتصوفة، والجهلة من الناس المتأثرين بالتصوف البغيض. فإننا قد علمنا سلفًا أن المتصوفة رفعوا
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
أولياءهم فوق كل مخلوق، وجعلوا قدراتهم وطاقاتهم تفوق طاقة البشر، واعتقدوا فيهم اعتقادات فيها الكثير من الغلو والتجاوز، فاعتقدوا أن لهم التصرف في الكون والحياة تصرفًا كاملًا شاملًا، كإحياء الموتى وشفاء المرضى وإنزال المطر وهداية الضالين هداية التوفيق، وإضلال المهتدين بالسر والباطن، وحفظ العالم من الدمار، واعتقدوا أنهم يعلمون الغيب على وجه الإطلاق فلا يخفى عليهم شيء، وأنهم معصومون من الخطأ والخطايا، يقولون للشيء كن فيكون، وغير ذلك كثير.
فلما اعتقدوا ذلك كله في أوليائهم كان من الطبيعي ألا ينحرفوا عن هذا الخط الذي رسموه وساروا عليه، فجعلوا من أوليائهم أشياء مرهبة ومخيفة لترعب الآخرين وتخوف الناس الذين لا يمشون على هواهم، وصدهم عن بيان الحق في وقت الحاجة إليه، مستخدمين أسلوب القصص والحكايات الإرهابية التي ينتج من النظر فيها انبعاث مشاعر الخوف والرهبة في النفوس، مشابهين بذلك من قال الله فيهم: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
وفيما يلي أشير إلى نماذج من تلك الحكايات الكاذبة:
١ - ذكر السبكي في طبقاته: أن محمد بن علي القشيري كان في مجلسه، فأساء معه شخص الأدب، فقال له الشيخ: (نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات، فمات بعد ثلاثة أيام).
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
٢ - وهكذا نقل السبكي عن أحد أصحاب أبي العباس الشاطر قال: (خرجت معه (الشاطر) من القاهرة إلى دمنهور، فلما طلعنا من المركب وكان فيها رفيق تاجر له في المركب فراش ونطع، فطلعنا بحوائج الشيخ أبي العباس، فلما انتهيت قال: انزل هات الفراش والنطع، فنزلت، فقال لي صاحبهما: هما لي، فعدت إلى الشيخ، فقال لي: عد إليه وقل له: هاتهما. فعدت، فأعاد الجواب، فأعادني ثالثًا، فأبى. فقال لي رابعًا: عد إليه وقل له: غرق الساعة في البحر لك مركب، وكل مالك فيها لم يسلم إلا عبد ومعه ثمانية عشر دينارًا فكان الأمر كذلك).
فهذه بعض القصص يروجونها بغية حمل الناس على الخضوع لهؤلاء الأولياء وتمكينهم من التصرف في أموال العامة وممتلكاتهم وإعطائهم كل ما يرغبون من غير مناقشة أو مجادلة أو اعتراض، ومن أبى فليس أمامه إلا الهلاك السريع والدمار الفجيع أو ذهاب الأموال.
٣ - يقول المناوي: (ليحذر الناظر في تضاعيف الكتاب ويلزم الأدب، فلا ينكر فيحل به العطب).
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
٤ - حكى المناوي أيضًا: أن أحدهم سأل علي بن عمر القزويني عن بعض أحكام الزهد والتقشف الصوفي، فأجاب عنه بما لم يقنعه، فأنكر عليه، فرأى تلك الليلة ما أزعجه وقائلًا يقول: هذا بسبب القزويني.
٥ - ويقول المناوي في ترجمة عبد القادر الجيلاني: (واجتمع له ببغداد مائة من أكابر الفقهاء وأتوه لامتحانه، فظهرت منه بارقة نور مرت على صدورهم، فصاحوا صيحة واحدة ومزقوا ثيابهم وكشفوا رؤوسهم، فصعد الكرسي وأجاب عن جميع ما عندهم).
هذه بعض القصص الخرافية الصوفية الدالة على ما قلنا بأنهم يخوفون الناس أولياءهم خوف السر، ويوقعون الناس في الشرك بالله جل وعلا، وقد أفاد الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ بعض النماذج الحية من ممارسات القبوريين تحت نير الخوف من غير الله، أذكر منها ما يلي:
أ- يقول الشيخ بعد أن ذكر الخوف الشركي: (وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد، ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
كاذبًا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدم على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله).
ب- وكذلك لو أصاب أحدًا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب.
ج- إن واحدًا من هؤلاء لو أراد أن يظلم أحدًا فاستعاذ بالله منه لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحد ولم يتعرض له بالأذى.
هـ- إن بعض الناس أخذ من التجار أموالًا عظيمة أيام موسم الحج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: (المظلوم)، فما تعرض له أحد بمكروه خوفًا من سر المظلوم.
تلك هي الصورة الحية لحال القبوريين قديمًا وحديثًا. ولعله سيمر علينا نماذج أخرى عندما ندرس موضوع الرجاء وكذلك الاستغاثة، فإن هذه الموضوعات كلها وثيقة الصلة بعضها ببعض - كما سنرى قريبًا إن شاء الله ـ.