معنى التوكل:
التوكل في اللغة: معناه الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل في الأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأت إليه واعتمدت فيه عليه. ومن أسماء الله الوكيل، بمعنى الحافظ، أي توكل القيام بجميع ما خلق، وقال بعضهم: الوكيل: الكفيل.
والتوكل على الله أمر من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله، قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أقسام التوكل:
التوكل على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التوكل الشركي (الاعتقادي):
وهو الاعتماد بالقلب على غير الله في جلب المنافع ودفع المضار، كالتوكل على الصنم والوثن، أو الإنس والجن وغيرها. وهو على نوعين:
أحدهما: الاعتماد بالقلب على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو شرك أكبر.
ثانيهما: الاعتقاد بالقلب على الأحياء الحاضرين القادرين فيما يقدرون عليه مما أقدرهم الله من جلب نفع أو دفع ضر، فهو شرك أصغر، وقد يطلق عليه التوكل على الأسباب الظاهرة.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
القسم الثاني: التوكل في تصريف بعض أمور الدنيا:
كأن يوكل إنسانًا عنه قضاء بعض مصالحه الدينية والدنيوية: كالوكالة في الحج، أو البيع والشراء، فهذا جائز.
القسم الثالث: التوكل التوحيدي:
وهو التوكل الواجب، وهو الذي يكون باعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور لله جل شأنه، وضده التوكل الشركي.
فعلمنا بذلك أن التوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فأمر سبحانه بالتوكل عليه وحده، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطًا في الإيمان، كما جعله شرطًا في الإسلام في قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان.
فالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وما رجا أحد مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه .
[ ٢ / ١١٠٠ ]
والتوكل على الله من أعظم منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله سبحانه، قال الله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)، والآيات في الأمر به كثيرة جدًا، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ).
قال الإمام ابن القيم ﵀ تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي إيمان العبد توكله أقوى، وإ ذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا كان دليلًا على ضعف الإيمان ولابد، والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية، فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان، والإحسان أصل لجميع أعلام الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين فقال ﷾: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي يعتمدون عليه بقلوبهم فلا يرجون
[ ٢ / ١١٠١ ]
سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقًا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان: وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده.
والتوكل على الله سبحانه لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها، فإنه سبحانه قدر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله ﵎ بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالأخذ بالأسباب طاعة لله، لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)، وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، وقال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). قال بعض العلماء: من طعن في الحركة - يعني في السعي والكسب والأخذ بالأسباب - فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
قال الإمام ابن رجب ﵀: والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
أحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعًا يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له.
[ ٢ / ١١٠٢ ]
والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال في الحر، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله ﷾ يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوى عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي ﷺ يواصل في صيامه وينهي عن ذلك أصحابه ويقول لهم: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى». وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة فعمل بمقتضى قوته ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات فإنه ينكر عليه ذلك.
والقسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب إلى أن قال: وقد روي عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون مكة ويسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وقد سئل أحمد ﵀ عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، وقد
[ ٢ / ١١٠٣ ]
كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي ﷺ يؤجر نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله، وقال الله تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
وخرّج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل، وقد لقى عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله.
أكثر من وقع في التوكل الشركي:
لقد وقف المتصوفة في مباحث التوكل على جانبين متضادين؛ فترى بعضهم أخذوا بمعنى التوكل بدون أخذ الأسباب وهذا في غاية الجهل والسفه كما ذكر. وسأذكر فيما يلي مثالًا واحدًا من مئات الأمثلة على توكلهم على غير الله.
يقول الدباغ تلميذه في وصيته: إذا عرضت له حاجة أن يذكرها له فقط فيقضيها الشيخ له في الباطن، حيث يقول له: (إذا أردت قضاء حاجة لك أو لغيرك فاذكرها لي ولا تزد؛ أي لا تحرص في قضائها ولا تهتم بها؛ فإن ذلك سبب عدم قضائها. فكان الأمر كذلك، فكنا إذا عرضت حاجة وذكرناها له
[ ٢ / ١١٠٤ ]
وسكتنا جاء فيها الفرج سريعًا، وإذا وقع لنا بها اهتمام وعناية انغلق بابها).
وهذه دعوة صارخة إلى ترك الأخذ بالأسباب المشروعة بدعوى التوكل، وهو ممنوع للمتوكل على الله، فكيف بمن اعتمد على الشيخ ولم يأخذ بالأسباب؟ ونظرًا لهذه التربية الشركية التي تلقاها هذه الرجل من شيخه فقد وصل به الحال إلى الحضيض فصار يذكر شيخه عند خوفه ورجائه بدل ذكر ربه.
وترى البعض الآخر يأخذ بالتوكل الشركي، حيث يتوكل على غير الله، وهذا واضح، وما زال هناك أناس جهلة متأثرة بالمتصوفة في العالم الإسلامي، يتوكلون على ما يسمونهم الأولياء والمشايخ عندما يخرجون لضرورة أو مهمة، أو كانوا بحرًا، فينادون مثلًا: يا شيخ بدر متوكلًا عليك، خصوصًا الذي هم ملاحون في البحر.
وهناك فئة أخرى من الناس يلتفتون إلى الأسباب، والذي يؤدي بهم إلى الشرك الأصغر.