سبق أن قلنا: أن العرب كانت عقيدتهم واهية البنيان غير قائمة على أسس متينة، فهذا من جهة، ولكن من جهة ثانية فإننا لا نعدم وسيلة العثور على مواقف أخرى قد تبدو متناقضة مع ما شهدناه من مواقف دالة على ضعف العقيدة ووهنها، أعني بذلك تلك المواقف الدالة على شدة تمسك الجاهلي بعقيدته، والتعصب لآلهته تعصبًا يفدي بمقتضاه بنفسه وماله وبنيه، وكل ما يملكه في الدنيا، وإلا فكيف يمكننا أن نفسر موقف أبي سفيان (قبل إسلامه) المعادي جدًا، والمتشدد لأبعد حدود التشدد، وكذلك موقف أبي لهب وغيره من سادات قريش وصناديدها، من الإسلام ومن دعوة النبي ﷺ لهم؟ ألم يكونوا أشد الناس تعصبًا لآلهتهم المزعومة؟ ألم تقل حمنة بنت أبي سفيان
[ ١ / ٥٦٨ ]
لابنها سعد بن أبي وقاص الزهري حين بلغها نبأ إسلامه: (أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر)؟ .
أليس هؤلاء هم الذين قاتلوا رسول الله ﷺ وحملوا معهم الأصنام في المعارك؟ أليس هم الذين قالوا: اعل هبل؟ أليس هم الذين قالوا: لنا العزى ولا عزى لكم؟ .
إذن، وكما نرى فإن بعض مشركي الجاهلية - ولا سيما من كان منهم من صف السادة والمستكبرين - كانوا جد متعصبين لآلهتهم، وجد متمسكين بما أورثوا من عبادتها عن الآباء والأجداد، إنهم محكومون بالتعصب لها؛ ذودًا عن مصالحهم، وحفاظًا على مكاسبهم - بزعمهم ـ، كيف لا، وهم من الأسياد أو السدنة أو ممن أوكل بهم حفظ الآلهة، وأسند إليهم ما يزعمون من شرف الدفاع عنها، ولهذا قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).