يتحصل من هذا أن النفي مقصود به الشّفاعة التي تطلب من غير الله، كما قال تعالى: ﴿قل لله الشّفاعة جميعًا﴾ (٢) والشّفاعة المثبتة لا تقبل إلا بشروط:
١ - قدرة الشافع على الشّفاعة كما قال تعالى في حق الشافع الذي يطلب منه وهو غير قادر على الشّفاعة: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبّئون الله بما لا يعلم في السّموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عمّا يشركون﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿ولا يملك الّذين يدعون من دونه الشّفاعة إلا من شهد بالحقّ
_________________
(١) النجم الآية: ٣٦.
(٢) الزمر الآية: ٤٤.
(٣) يونس الآية: ١٨.
[ ١٩ ]
وهم يعلمون﴾ (١) فعلم من هذا أن طلب الشّفاعة من الأموات طلب ممن لا يملكها، قال تعالى: ﴿والّذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبّئك مثل خبير﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الّذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرّة في السّموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشّفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ (٣).
٢ - إسلام المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿ما للظّالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ (٤)، والمراد بالظالمين هنا: الكافرون، بدليل الأحاديث المتواترة في الشّفاعة لأهل الكبائر، وستأتي إن شاء الله في موضعها. قال الحافظ البيهقي ﵀ في "الشعب" (ج١ ص٢٠٥): فالظالمون هاهنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر الكافرين. اهـ
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. اهـ
ويستثنى من المشركين أبوطالب، فإن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يشفع له حتى يصير في ضحضاح من نار كما سيأتي في
_________________
(١) الزخرف الآية: ٨٦.
(٢) الزمر الآية:١٣ - ١٤.
(٣) سبأ الآية: ٢٢.
(٤) غافر الآية: ١٨.
[ ٢٠ ]
الأحاديث في مواضعها إن شاء الله.
٣ - الإذن للشافع، كما قال تعالى: ﴿من ذا الّذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (١).
٤ - الرّضا عن المشفوع له كما قال تعالى: ﴿وكم من ملك في السّموات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (٣).
وبهذا تنتهي المقدمة، ونستعين بالله في الشروع في ذكر الأحاديث بأسانيدها مع العزو إلى بقيّة المخرجين بحسب الاستطاعة، فإن في ذكر الحديث بسنده طمأنينةً لطالب علم الحديث، وحذف الأسانيد خسارة كبيرة، إذ الإسناد من الدين، وما كان سلفنا ﵏ يقبلون من محدث حديثًا حتى يسنده، وينظروا في رجاله رجلًا رجلًا، كما هو معروف من سيرهم ﵏.
وأما التخريج فهو يعين طالب العلم على جمع طرق الحديث، والحديث كلما كثرت طرقه ازداد قوة، والتخريج أيضًا يعين طالب العلم على الوقوف على شروح الحديث، في الكتب التي قد شرحت، فربّ حديث يكون عامًا قد خصّص، أو يكون منسوخًا، أو يكون مطلقًا قد قيّد، من أجل هذا فإنه لا غنى لنا عن الرجوع إلى الشروح غير مقلدين لأصحابها،
_________________
(١) البقرة الآية: ٢٥٥.
(٢) النجم الآية:٣٦.
(٣) الأنبياء الآية: ٢٨.
[ ٢١ ]
ولكن مستفيدين من جهودهم التي بذلوها في خدمة السنة، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
هذا ويستفاد من التخريج وجمع الطرق أنّ الحديث ربّما يكون ظاهره الصحة، وبجمع الطرق تظهر فيه علّة من اضطراب أو انقطاع أو إرسال أو وقف أو غيرها مما يعلّ بها الحديث. فمن ثمّ يقول علي بن المديني: إن الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيّن خطؤه. وإليك مثالًا على ذلك: حديث جابر في "صحيح البخاري" فيمن يقول مثل ما يقول المؤذن، ثم يقول: «اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامة، والصّلاة القائمة، آت محمّدًا [وفي "معاني الآثار" للطحاوي: آت سيّدنا محمدًا] الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته»، وفي "سنن البيهقي" زيادة: «إنّك لا تخلف الميعاد»، فبسبب جمع الطرق علم أنّ هاتين الزيادتين شاذتان كما سيأتي إن شاء الله، في (أسباب الشّفاعة).
هذا وقد أذكر بعض الأحاديث الشديدة الضعف والموضوعة لبيان حالها لا للاحتجاج بها، فإنّ بعض الأحاديث الموضوعة تستغلها بعض الطوائف المنحرفة لترويج باطلها، وإليك مثالًا على ذلك وهو ما قرأناه في "العقد الثمين في معرفة رب العالمين" (١) ونحن بصعدة (٢): «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» فهذا حديث ليس له أصل، إنّما هو من أباطيل المعتزلة، كما في "أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب".
_________________
(١) من رسائل الهادوية الشيعة، وليس هو كتاب الفاسي. ويدرس في صعدة عند الشيعة.
(٢) باليمن وهي بلدنا.
[ ٢٢ ]
مثال آخر: حديث «ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عندما اضطروا إليه، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه» ولا يخفى على القارئ ما هو مقصد (١) واضع هذا الحديث، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث الباطل في (أعمال متفرقة من أسباب الشّفاعة).