الباب الأول
حياة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي
وفيه فصلان:
الفصل الأول: حياته الشخصية.
الفصل الثاني: حياته العلمية.
[ ١١ ]
الفصل الأول
حياته الشخصية
وفيه ثمانية مباحث:-
أولا: نسبه.
ثانيا: مولده ووفاة والديه.
ثالثا: نشأته.
رابعا: صفاته الخَلقية.
خامسا: صفاته الخُلقية (أخلاقه) .
سادسا: أعماله.
سابعا: مرضه ووفاته.
ثامنا: رثاؤه.
[ ١٢ ]
حياته الشخصية١
أولا: نسبه:
هو العلامة الورع الزاهد، الفقيه الأصولي المحقق المدقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد
_________________
(١) ١ مصادر ترجمة الشيخ ابن سعدي:-
(٢) روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للشيخ محمد بن عثمان القاضي ١/٢١٩.
(٣) علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ٢/٤٢٢.
(٤) مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ ٣٩٢.
(٥) علماء آل سليم وتلاميذتهم للشيخ صالح بن سليمان بن محمد العمري ٢/٢٩٥.
(٦) ترجمة في آخر كتاب المختارات الجلية لابن سعدي، طبعة المدني بقلم الشيخ سليمان بن عبد الكريم السناني
(٧) ترجمة في آخر المختارات الجلية لابن سعدي، طبعة السعدية بقلم أحد تلاميذ الشيخ، هي حرفية أو شبه حرفية من مشاهير علماء نجد لآل الشيخ.
(٨) مقدمة كتاب الرياض الناضرة لابن سعدي بقلم أحد تلاميذ الشيخ.
(٩) سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي جمع وتقديم محمد حامد الفقي. وهي جملة من المقالات لابن الشيخ المترجم له ولأحد تلاميذه ولغيرهما قام بجمعها الشيخ محمد حامد الفقي.
(١٠) الأعلام لخير الدين الزركلي ٣/٣٤٠.
(١١) معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ٣/٣٩٦.
(١٢) مجلة الجامعة الإسلامية س: ١١، ع: ٤، ص٢٠٥. مقال للدكتور عبد الرحمن العدوي.
(١٣) مجلة العرب س: ٧ عدد ربيع الأول سنة ١٣٩٣هـ، ص ٦٩٠ بعنوان: معجم المطبوعات العربية تحدث فيه عن مؤلفات ابن سعدي.
(١٤) مجلة الحج الحجازية س: ١١، ع١، سنة ١٣٧٦هـ، ص: ١٢٥.
(١٥) مقدمة كتاب شرح القصيدة التائية بقلم عبد الغني عبد الخالق.
[ ١٣ ]
البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة١.
المكنى بأبي عبد الله، الشهير بعلامة القصيم. نزح جدهم من قفار قرب حائل٢، وقيل من المستجدة وهي قريبة من حائل أيضا٣ إلى عنيزة حوالي عام ١١٢٠هـ٤.أما نسبه من قبل أمه، فأمه من آل عثيمين ابنة سليمان العثيمين، وآل عثيمين من آل مقبل من آل زاخر من الوهبة من بني تميم، وهم شقراء، نزح جدهم منها إلى عنيزة وطاب له السكنى فيها٥.
ثانيا: مولده، ووفاة والديه:
ولد في عنيزة في القصيم، وذلك بتاريخ ١٢ المحرم سنة ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية.
وتوفيت أمه سنة ١٣١٠هـ وله أربع سنوات، وتوفي والده سنة ١٣١٣هـ وله سبع سنوات، فعاش يتيم الأبوين٦.
ثالثا: نشأته:
كان والد الشيخ عبد الرحمن، من طلبة العلم الحريصين على الطلب، الملازمين
_________________
(١) ١ روضة الناظرين للقاضي ٢/٢١٩، وعلماء نجد للبسام ٢/٤٢٢، وغيرهما. ٢ روضة الناظرين للقاضي ١/٣١٩. ٣ علماء نجد للبسام ٢/٤٣٣. ٤ المصدران المتقدمان وغيرهما. ٥ المصدران المتقدمان. ٦ آخر كتاب المختارات الجلية طبعة المدني بقلم السناني ص: أ، مقدمة كتاب الرياض الناضرة بقلم أحد تلاميذ الشيخ، وغيرهما. وفي آخر كتاب المختارات الجلية طبعة السعدية ترجمة للشيخ بقلم أحد تلاميذه /٤١٠، ذكر فيها أن والده توفي وله ثمان سنوات، وفي مشاهير علماء نجد لآل الشيخ /٣٩٢ ذكر أن والده توفي وله اثنتا عشرة سنة وهو خطأ؛ لأن جميع من ترجم له يذكر أن والده توفي وله سبع سنوات، وكذا ابنه عبد الله ذكر ذلك في ترجمته لوالده. انظر سيرة عبد الرحمن السعدي، جمع محمد الفقي/١٨.
[ ١٤ ]
على العبادة المحافظين على الديانة بأنواعها، وكان إمامًا في مسجد المسوكف بعنيزة١ فعني بابنه عبد الرحمن وسعى في تربيته تربية صالحة.
فلمّا توفاه الله عطفت عليه زوجة والده وكفلته وأحبته أكثر من حبها لأولادها وصار عندها موضع العناية والرعاية، فلما شب صار في بيت أخيه الأكبر حمد بن ناصر، فنشأ نشأة صالحة كريمة٢.
وكان والده قد أوصى به إلى ابنه الأكبر حمد فقام برعايته وتربيته خير قيام، وكان حمد رجلًا صالحًا ومن حملة القرآن ومن المعمرين٣.
هذا وإن الشيخ عبد الرحمن كان منذ نشأته صالحًا مثارًا للإعجاب محافظًا على الصلوات الخمس مع الجماعة، واشتهر منذ حداثته بفطنته وذكائه ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله٤.
فتوفرت له البيئة الصالحة، والرغبة الشديدة في طلب العلم، فاجتهد في طلب العلم وجد فيه وسهر الليالي وواصل الأيام ومضى في طريقه قُدُمًا لا يلوي على شيء غير العلم ولا يريد شيئًا غير تحصيل العلم. فلا يكاد الواصفون يصفون شدة حرصه وإقباله على العلم والتعلم، وهكذا حتى نال حظًا وافرًا في العلوم الشرعية٥.
رابعًا: صفاته الخَلقية:
كان ذا قامة متوسطة، شعره كثيف، ووجهه مستدير ممتلئ طلق، ولحيته كثيفة، ولونه أبيض مشرب بالحُمرة، وكان شعره في شبيبته في غاية السواد. وفي شيخوخته في غاية البياض يتلألأ كأنه فضة، ووجهه حسن عليه نور في غاية الحسن وصفاوة اللون٦
_________________
(١) ١ آخر المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم سليمان السناني ص أ، وروضة الناظرين للقاضي ١/٣١٩. ٢ علماء نجذ للبسام ٢/٤٣٣، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ /٣٩٢. ٣ روضة الناظرين للقاضي ١/٣١٩. ٤ روضة الناظرين للقاضي ١/٣١٩، سيرة السعدي جمع الفقي بقلم أحد تلاميذ الشيخ/٩. ٥ سيرة السعدي جمع الفقي بقلم أحد تلاميذه الشيخ/١٠، وآخر الكتبا المختارات الجلية بقلم السناني/أ. ٦ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٥، وآخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني، بقلم السناني، ص هـ.
[ ١٥ ]
خامسا: صفاته الخُلقية (أخلاقه):
أـ (له أخلاق أرق من النسيم وأعذب من السلسبيل لا يعاتِب على الهفوة ولا يؤاخذ بالجفوة، يتودد ويتحبب إلى البعيد والقريب، يقابل بالبشاشة، ويُحَّيِ بالطلاقة، ويعاشر بالحسنى ويجالس بالمنادمة، ويجاذب أطراف أحاديث الأنس والود، ويعطف على الفقير والصغير ويبذل طاقته ووسعه، ويساعد بماله وجاهه وعلمه ورأيه ومشورته ونصحه بلسان صادق، وقلب خالص، وسر مكتوم، ومهما أردت أن أُعدد فضائله ومحاسنه في مجال الأخلاق الكريمة والشيم الحميدة التي يتحلى بها فإني مقصر وقلمي عاجز، ولا يدرك هذا إلا من عاشره وجالسه؛ لذا فإن الله سبحانه أعطاه محبة في القلوب وثقة في النفوس، فأجمعت البلاد على وده، واتفقت على تقديمه، فصار له زعامة شعبية، فإشارته نافذة وكلمته مسموعة وأمره مطاع) . هكذا وصفه تلميذه عبد الله البسام١.
ب - وكان ﵀ ذا دعابة يتحبب إلى الخلق بحسن خلقه مرحًا للجليس لا يرى الغضب في وجهه طلق الوجه، كريم المحيا، وكان يكثر الحج ويصوم البيض وغيرها ويتكلم مع كل فرد بما يناسب حاله٢ ويعاشر الخلق معاشرة تامة كل بحسب حاله من يعرف ومن لا يعرف، الصغير والكبير، والخاص والعام، والرجال والنساء، محبًا للخير مُقْدمًا عليه٣.
جـ - ولم يُرَ قط إلا مبتسمًا بادية أسارير وجهه، ولم يقابله أي شخص إلا بادره بالسلام واللطافة الصغير والكبير، ومن يعرف ومن لا يعرف، وقل من يراه إلا ويعرفه، ويباسط كل أحد بحسب حاله مباسطة تؤلف القلوب وتمكن المودة٤.
د - وكان على جانب كبير من التواضع ولين الجانب يندر مثله، تحس إذا جالسته كأنك من أقرب الناس إليه. متواضعًا للصغير والكبير والغني والفقير٥، وكان لا ينقطع عن زيارتهم ومشاركتهم في مجتمعاتهم٦ يجيب دعوتهم ويزور مريضهم ويشيع جنائزهم٧.
_________________
(١) ١ علماء نجد ٢/٤٢٩. ٢ روضة الناظرين للقاضي ١/٣٣٤. ٣ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني: د. ٤ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: د. ٥ مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ /٦ وعلماء آل سليم للعميري ٢/٢/٢٩٥. ٦ علماء نجد للبسام ٢/٤٢٤. ٧ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٣.
[ ١٦ ]
هـ - وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله، زاهدًا متعففًا عزيز النفس على قلة ذات يده١ـ ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء، مادًا يد المساعدة لهم بحسب قدرته. ويستعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم حب الخير في المناسبات٢، ويدفع للفقراء من الطلبة الأموال ليتجردوا عن الانشغال بوسائل المعيشة٣.
وـ وكان محبًا لإصلاح ذات البين. فما من مشكلة تعرض عليه إلا ويحلها برضا الطرفين، لما ألقى الله في قلوب الخلق من مودته والانقياد لمشورته والإصغاء لقوله مهما كانت الحال، ولا يكاد يوجد من يرى مخالفته في أي حال من الأحوال٤.
ز - وكان ملبسه متوسط الحسن مجانبًا للشهرة، لا يرغب ملابس الشهرة، فملابسه حسنة طيبة بعيدة عن الشهرة٥.
سادسا: أعماله:
وأعني بأعماله، ما قام به الشيخ من مشاريع خيرية، أو ما تولاه من أعمال دينية.
وقد كان ﵀ محبًا للمشاريع الخيرية العامة والخاصة آمرًا بها، مساعدًا عليها، وله أفعال كثيرة حسنة جهرية وسرية، لم يظهر بعضها إلا بعد وفاته وهي كثيرة جدًا٦.
وفيما يلي أعرض بعض المشاريع التي قام بها، والأعمال التي تولاها:
أـ كان مرجع بلاده وعمدتهم في جميع أحوالهم وشئونهم، فهو مدرس الطلاب وواعظ العامة وإمام الجامع وخطيبه، ومفتي البلاد وكاتب الوثائق ومحرر الأوقاف والوصايا وعاقد الأنكحة ومستشارهم في كل ما يهمهم٧. كل ذلك خدمة لوجه الله.
_________________
(١) ١ مقدمة الرياضة الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/ ٦، وروضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٣. ٢ مقدمة الرياض الناضرة لأحد تلاميذ الشيخ/٦. ٣ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٤. ٤ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: د وسيرة السعدي، جمع الفقي/ ١٣. ٥ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: هـ. ٦ المصدر المتقدم ص: د. ٧ علماء نجد للبسام ٢/٤٢٤.
[ ١٧ ]
قام في سنة ١٣٦٠هـ بتأسيس المكتبة الشهيرة بالوطنية في عنيزة على نفقة الوزير ابن حمدان، وجلب لها آلاف الكتب في شتى الفنون، وصارت هذه المكتبة مجمعًا لطلاب العلم يقرؤون عليه فيها، وكانت المراجع متوفرة فيها١.
جـ - رشح لقضاء عنيزة عام ١٣٦٠هـ وامتنع منه تورعًا٢، ولم يدخل في أي وظيفة لا قضاء ولا غيره. وعرض عليه القضاء أكثر من مرة ولكن سهل الله له الفكاك منه٣.
د - عين إمامًا وخطيبًا للجامع الكبير بعنيزة في رمضان عام ١٣٦١هـ بأمر من الشيخ عبد الرحمن بن عودان، وهي حسنة من حسناته أحبه الناس عليها وحفظوها له٤.
هـ - قام في سنة ١٣٦٣هـ، بجمعية خيرية لعمارة مقدم الجامع الكبير، بعنيزة وانتهت على ما يرام بمساعيه المشكورة٥.
زـ عين مشرفًا على المعهد العلمي بعنيزة سنة ١٣٧٣هـ، يقول الشيخ عبد الرحمن العدوي - أحد المدرسين في المعهد إذ ذاك بعد أن ذكر خبر تعيينه مدرسًا هناك - (وفي نفس الوقت بلغنا أن الشيخ عبد الرحمن السعدي قد عين مشرفًا على المعهد من الناحية العلمية، وكان تعيينه براتب شهري قدره ألف ريال. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أرسل إلى رئاسة المعاهد العلمية أنه على استعداد للإشراف على المعهد حسبة لوجه الله تعالى، وأنه لا يريد أن يكون له على ذلك أجر مادي وقبلت الرئاسة شاكرة له هذا الصنيع الذي لا يصدر إلا من عالم زاهد يبتغي وجه الله) ٦.
ثم قال: (كان ﵀ يأتي إلى المعهد بانتظام يوم الثلاثاء من كل أسبوع، ثم
_________________
(١) ١ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٣. ٢ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢١. ٣ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني ص: ج. ٤ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٣، وعبد الرحمن بن عدوان هو قاضي عنيزة إذ ذاك. ٥ روضة الناظرين، للقاضي ١/٢٢٣. ٦ مجلة الجامعة الإسلامية، سنة: ١١، ع: ٤، ص: ٢٠٥.
[ ١٨ ]
يدخل إلى آخر صف ويجلس فيه كأنه أحد طلاب هذا الفصل. ويكرر هذا العمل في أكثر من فصل ويستمع إلى أكثر من مدرس ولم يكن في المعهد من المدرسين المصريين إلا أنا وزميل آخر، أما بقية المدرسين فكانوا من أبناء الشيخ علمهم في المسجد الجامع إلى درجة تسمح لهم بالقيام بتدريس المواد التي تعلموها على يديه) ١.
وهو أول من أدخل مكبر الصوت في عنيزة، وله خطبة في منافعه قالها حين وضعه في المسجد واستنكره بعض الناس قال فيها: (وكذلك إيصال الأصوات والمقالات النافعة إلى الأمكنة البعيدة من برقيات وتلفونان وغيرهما، داخل في أمر الله رسوله بتبليغ الحق إلى الخلق، فإن إيصال الحق والكلام النافع بالوسائل المتنوعة من نعم الله، وترقية الصنائع والمخترعات لتحصيل المصالح الدينية والدنيوية من الجهاد في سبيل الله) ٢.
ط - وله أعمال خيرية سرية كثيرة عرف بعضها بعد وفاته:
منها: أن امرأة أرملة لها بيت، أصبحت مدينة بمال كثير، فرهنت بيتها، وليس لها عمل تقتات به، فأحس بذلك الشيخ فصار يتعهدها ويعطيها أرسالًا مما يأتيه من أهل الخير، فكانت تدفع أكثر ما يصلها إلى صاحب الدين وتبقي قليلًا من المال تقتات به. فبقيت على تلك الحال مدة من الزمن فخلص الدين بأجمعه وذلك قبل وفاة الشيخ بأشهر، فلما توفي ﵀ ظهر الخبر من المرأة، وكانت دائمًا تذكره وتدعو له، وأمثالها في ذلك كثير فرحمه الله رحمة واسعة٣.
سابعا: مرضه ووفاته:
أصيب عام ١٣٧١هـ أي قبل وفاته بخمس سنوات بمرض ضغط الدم، وتصلب الشرايين فكان يعتريه مرة بعد مرة وهو صابر عليه، وكانت أعراض المرض تبدو عليه بعض الساعات في الكلام فيقف ولو كان يقرأ القرآن ثم يتكلم٤.
_________________
(١) ١ المصدر السابق / ٢٠٦، بتصرف. ٢ الخطب المنبرية /٨١. وانظر مجلة الجامعة الإسلامية سنة ١١، ع: ٤، ص:٢٠٧ فيها ذكر سبب إدخال مكبر الصوت. ٣ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني بقلم السناني، ص: هـ. ٤ علماء نجد للبسام ٢/٤٢٩، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ / ٣٩٦ وغيرهما.
[ ١٩ ]
فاهتمت به الحكومة، حيث أرسل له الملك سعود ﵀ طائرة خاصة، وفيها طبيبان، قررا بعد الكشف عليه سفره للعلاج في لبنان وصحباه في السفر١.
فسافر إلى بيروت في عام ١٣٧٣هـ وبقي هناك شهرًا، يعالج حتى شفاه الله، ونصحه الأطباء بالراحة وقلة التفكير والاجهاد٢. واجتمع في سفره هذا بعدد من العلماء، وتعرف بجملة من الفضلاء٣، منهم الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني كما حدثني بذلك.
ثم رجع إلى عنيزة فباشر فيها أعماله، ولم يصبر على ترك العلم فقام فيها تعليمًا وإمامةً وخطابةً وتأليفًا وبحثًا؛ لأن هوايته العلم وكان يقول إن راحتي في مزاولة عملي٤.
فصار المرض يعاوده ثم يشفى، ولا يصده عن الخروج، ويحدث معه رعدة وسكتة لا يقدر معها على الكلام وتبقى دقيقة واحدة ثم تزول بدون تألم سوى برد يتلوه عرق٥.
وفي شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ اشتد عليه المرض أكثر مما كان وصار معه مثل البرد والقشعرية.
وفي ليلة الأربعاء ٢٢ من الشهر المذكور، وبعد فراغه من الدرس اليومي المعتاد، وبعد فراغه من صلاة العشاء، أحس بثقل وضعف في الحركة فأشار إلى أحد تلاميذه بأن يمسكه ويذهب معه إلى البيت ففعل وهرع معه أناس من الحاضرين، فلم يصل إلى البيت إلا وقد أغمي عليه، ثم أفاق بعد ذلك فحمد الله وأثنى عليه، وتكلم مع أهله الحاضرين بكلام حسن طيب، ثم عاوده الإغماء مرة أخرى فلم يتكلم بعد ذلك.
فلما أصبحوا صباح الأربعاء دعوا الطبيب فقرر أن معه نزيفًا في المخ، وإن لم يتدارك فورًا فإنه يموت.
فأبرقوا لابنه وللملك فيصل - لما كان وليا للعهد - فأصدر أمره الكريم عاجلًا
_________________
(١) ١ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٥، وآخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني ص: ز. ٢ علماء نجد للبسام ٢/٤٢٩٢، وروضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٥، وغيرهما. ٣ آخر كتاب المختارات الجلية، طبعة المدني، ص: ز. ٤ علماء نجد للبسام ٢/٤٣٩، روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٥، مشاهير علماء نجد لآل الشيخ /٣٩٦. وغيرها ٥ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٥.
[ ٢٠ ]
بكل ما يلزم فقامت طائرة خاصة وفيها طبيب مخ ومهرة من الأطباء والعلاجات إلى مدينة عنيزة وكان فيها ابنه عبد الله.
ولكن الجو كان ملبدًا بالغيوم والرعد والبرق والعواصف الشديدة وفيه أمطار قد تتابعت أكثر من شهر، تهدمت منها البيوت ونزلت أخشاب سطوح المساجد، فلم يساعد الجو على هبوط الطائرة. فتلقت المكالمة وهي في الجو بوفاته فرجعت من حيث أتت.
حيث إنه توفي ﵀ قبل طلوع فجر يوم الخميس الموافق ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٦هـ، عن تسع وستين سنة١.
وصُلي عليه بعد صلاة الظهر في الجامع الكبير، دفن في مقابر الشهوانية شمال عنيزة٢ وأخروا الصلاة عليه إلى الظهر لعل أحد أبنائه يدركه، فلم يدركه أحد منهم، وصلى عليه الشيخ عبد العزيز بن محمد البسام. في حشد كبير لم يشهد له مثيل جمع أهل البلد قاطبة والقرى والمدن المجاورة٣.
والحقيقة أن عنيزة منذ تأسست لم تصب عامة مثل مصيبتها به، وظهر ذلك في البكاء والحزن الشديد من كل المواطنين، كما ظهر في الازدحام الشديد على الجنازة التي لم يبق كبير ولا صغير لم يشهدها.
وبموته فقدت البلدة أعز وأغلى شخص يعيش فيها وأحس المواطنون بفراغ واسع بفقده، وحتى الآن وذكره في الألسن، ومحبته في القلوب وأحاديثه وإرشاداته وفتاويه هي حديث المجالس وأنس المحافل ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته٤.
وخلَّف ﵀ ثلاثة أبناء وهم عبد الله ومحمد وأحمد، وهم يشتغلون بالتجارة بالرياض والدمام وعبد الله هو أكبرهم سنًا وله يد في طلب العلم، وقد اعتنى بطبع بعض مؤلفات والده وتوزيعها مجانًا ٥، وقد توفي عبد الله في ٢٤/٤/١٤٠٥هـ في حادث سيارة غفر الله له ولوالديه ووالدينا وجميع المسلمين.
ثامنا: رثاؤه:
وقد رثاه ﵀ كثير من العلماء والأدباء بمراث عديدة نظمًا ونثرًا.
_________________
(١) ١ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٦، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ/٣٩٦،٣٩٧ وغيرهما. ٢ علماء نجد للبسام ٢/٤٢٩. ٣ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٧. ٤ علماء نجد للبسام ٢/٤٢٩، ٤٣٠. ٥ علماء نجد للبسام ٢/٤٣٠.
[ ٢١ ]
ـ فمن القصائد التي قيلت في رثائه قصيدة طويلة للدكتور عبد الله بن صالح العثيمين منها:
مهج تذوب وأنفس تتحسر
ولظى على شغف القلوب تسعر
الحزن أضرم في الجوانح والأسى
يصلي المشاعر بالجحيم ويصهر
ملأ الضمائر حسرة وكآبة
لا شيء يبرئها ولا هي تجبر
اليوم ودعنا أبًا ومهذبا
والحزن يغلي في الدماء ويزخر
كل امرئ في الكون غايته الردى
الموت حتم للنفوس مقدر
لكن من اتخذ الصلاح شعاره
تفنى الخليقة وهو حي يذكر
ما مات من نشر الفضيلة والتقى
وأقام صرحا أسه لا يكسر
ما مات من غمر الأنام بعلمه
الكتب تشهد والصحائف تخبر
يا زاهدا عرف الحياة فما هوى
في المغريات ولا سباه المظهر
نم في جنان الخلد يا علم التقى
وانعم بظل وارف لا يحسر١
ب - ومن هذه القصائد، قصيدة للشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين منها:
رزء عظيم الحزن والأسفا
فالدمع فيه على الخدين قد وكفا
اليوم حقا فقدنا للهدى علما
اليوم حقا فقدنا الزهد والشرفا
بقت عنيزة دهرًا وهي رافعة
لواء فخر له كل الورى عرفا
ظلت به العرب دهرًا وهي فاخرة
واليوم أضحت تعزى فيه واأسفا
فذي تصانيفه قد قام قائمها
يدعو العباد عليها الكل قد عكفا
لهفي بذا العالم قد حق العزاء لنا
في فادح لو أصاب الطود لارتجفا
فالله يلهمنا صبرًا فقد عظمت
مصيبة أثقلت في حملها الكتفا
والله يجزيه عن إحسانه حسنا
والله يسكنه من جنة غرفا٢
جـ - وقد رثى ﵀ بقصائد أخرى منها مرثية للشيخ محمد بن عثمان القاضي، ومرثية للشيخ صالح بن عبد الشبل، وقصيدة في الثناء عليه لمزيد الخطيب وغيرهم٣
_________________
(١) ١ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٧، وعلماء نجد للبسام ٢/٢٩٩. ٢ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٨، سيرة الشيخ السعدي جمع محمد حامد الفقي/٢٩. ٣ روضة الناظرين للقاضي للقاضي ١/٢٢٧، وسيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي جمع محمد حامد الفقي/٢٦.
[ ٢٢ ]
د - قال الشيخ القاضي في روضة الناظرين: (ولقد حدثني من أثق به بأن الشيخ سليمان المشعلي وكان عالمًا جليلًا وقاضيًا مسددًا لما علم بوفاة الشيخ، قال مات اليوم عالم نجد، وقد طاب الموت بعد هذه الشخصية الفذة، فانصدع ومات في ١٢ من رجب بعد وفاة السعدي بتسعة عشر يوما وكان من خواصه)
_________________
(١) ١ روضة الناظرين للقاضي ١/٢٢٧.
[ ٢٣ ]