«نزل القرآن على النبي - ﵌ -، وكان يأمر كُتَّابه بتدوين ما ينزل، على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، وحُفِظ هذا المكتوب ونُسِخَتْ منه عدة نسخ في أيام عثمان بن عفان
[ ١٩ ]
- ﵁ - ثم طبعت المصاحف المنتشرة في العالم كله طبق المصحف الإمام الذي كان عند عثمان والنسخ التي أخِذَتْ منه.
والشيعة يزعمون أن أبا بكر وعمر بالذات - ﵄ - حذفا من المصحف آيات كثيرة، منها عدد كبير يتصل بخلافة عليّ - ﵁ -، ويزعمون أن المصحف الكامل كتبه علِيٌّ - ﵁ - بعد انتقال النبي - ﵌ - إلى الرفيق الأعلى.
جاء في كتاب (الأنوار النعمانية) لمحدثهم وفقيههم الكبير - نعمة الله الموسوي الجزائري - ما نصه: «إنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين - ﵇ -، بوصية من النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلًا بجمعه، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله ﷺ وآله - فقال: هذا كتاب الله كما أنزل. فقال له عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك.
فقال لهم عليٌّ - ﵇ -: لن ترَوْه بعد هذا اليوم، ولا يراه أحد حتى يظهر ولَدِي المهدي - ﵇ - وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة، وهو خال من التحريف».
ولكثير من علمائهم تآليف تثبت أن القرآن الموجود بيننا ناقص ومحرف، وأن المصحف الصحيح الكامل سيظهر آخر الزمان مع المهدي المنتظر، ولم يتح لنا الاطلاع على هذا المصحف، وينقلون هم أشياء يدَّعون أنها فيه. وأكثرها خاص بآل البيت وإمامة علِيّ - ﵁ -.
ومن أمثلة التحريف - في زعمهم - أن آية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣)، نزل بها جبريل على محمد هكذا (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا في عَلِيّ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ).
ونقل في (أصول الكافي) عن إمامهم جعفر الصادق أنه أقسم بالله أن آية ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (طه: ١١٥)، نزلت هكذا (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ في محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فَنَسِيَ).
وجاء في كتاب (أصول الكافي) - وهو أصح الكتب عند الشيعة - أن القرآن الذي
[ ٢٠ ]
جاء به جبريل سبعة عشر ألف آية. وقال القزويني شارح كتاب أصول الكافي الذي نسب هذا الكلام لجعفر الصادق: إن الغرض بيان أنه حذف من أصل القرآن شيء كثير، الذي لا يوجد في نسخ القرآن المشهورة
هذا، وقد رأيتُ (مازال الكلام للشيخ عطية صقر - ﵀ -) في رسالة للسيد محب الدين الخطيب، عنوانها (الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية) التي طبعت أكثر من مرة منذ سنة ١٣٨٠ هـ: أن الأستاذ محمد عليّ سعودي - الذي كان كبير خبراء وزارة العدل بمصر، ومن خواص الشيخ محمد عبده - اطلع على مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق (برامين) فنقل منه سورة بعنوان: سورة الولاية، مذكور فيها ولاية عليّ - ﵁ -، ونص صفحتها الأولى: «يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالنبي وبالولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم * نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير* إن الذين يوفون بعهد اللهِ لهم جنات النعيم * والذين إذا تُليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين * فإن لهم في جهنم مقامًا عظيمًا إذا نودي لهم يوم القيامة: أين الظالمون المكذبون للمرسلين * ما خالفتم المرسلين إلا بالحق وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب، وسبح بحمد ربك، وعليٌّ من الشاهدين».
وهذه السورة أثبتها الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) وثابتة أيضا في كتابهم (دبستان مذاهب) باللغة الإيرانية، لمؤلفه محسن فاني الكشميري، ونقل عنه هذه السورة المكذوبة المستشرق (نولدكه) في كتابه (تاريخ المصاحف ٢/ ١٠٢)، ونشرتها الجريدة الأسيوية الفرنسية سنة ١٨٤٢ م (ص ٤٣١ - ٤٣٩) انتهى كلام الشيخ عطية صقر - ﵀ - بتصرف يسير من فتاوى الأزهر٣/ ٦٤١، تاريخ الفتوى: مايو ١٩٩٧).
[ ٢١ ]
(صورة من سورة الولاية في مصحف الشيعة المحرف)
(تعالى الله عما يقولون ويفترون).
[ ٢٢ ]
* يقول الطبرسي عن القرآن في كتابه من الكفر ما نَصُّه: «ومن الأدلة علَى تحريفه فصاحته في بعض الفقرات البالغة حد الإعجاز، وسخافة بعضها الآخر». (فصل الخطاب ص٢١١).
إنا لو قارَنَّا بين كتاب (فصل الخطاب) وبين مؤلفات المستشرقين الطاعنة في دين الإسلام لرأينا (فصل الخطاب) أشد طعنًا في الإسلام من مؤلفات أولئك المستشرقين.
ورغم هذا الكفر الصريح يقول علي الميلاني - من كبار علماء الشيعة الاثني عشرية اليوم - في كتابه (عدم تحريف القرآن ص٣٤) مدافعًا عن (الميرزا نوري الطبرسي): «الميرزا نوري من كبار المحدثين، إننا نحترم الميرزا النوري، الميرزا نوري رجل من كبار علمائنا، ولا نتمكن من الاعتداء عليه بأقل شيء، ولا يجوز، وهذا حرام، إنه محدِّث كبير من علمائنا»!!! فتأمل هذا التناقض.
* ومما تزعم الشيعة الاثني عشرية أنه أسقِطَ من القرآن آية، وهي: «وجعلنا عليًا صهرك»؛ زعموا أنها أسقِطَتْ من سورة «أَلَمْ نَشْرَح» وهم لا يخجلون من هذا الزعم؛ مع علمهم بأن السورة مكية، ولم يكن عليٌّ - ﵁ - صهرًا للنبي - ﵌ - بمكة قبل الهجرة.
*أجمع المسلمون جميعًا علَى صيانة كتاب الله - ﷿ - من التحريف والزيادة والنقص فهو محفوظ بحفظ الله - ﷿ - له قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).وصرح كبار علماء المسلمين أن من اعتقد أن القرآن فيه زيادة أو نقص فقد خرج من دين الاسلام. وهذه العقيدة من الشهرة والتواتر بحيث أنها لاتحتاج إلى من يقيم أدلة عليها بل هذه العقيدة من المتواترات عند المسلمين.
قال القاضي عياض - ﵀ -: «وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أنه كلامُ الله، ووحيه المنزل علَى نبيه محمد - ﵌ - وأن جميع مافيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرفٍ آخرَ مكانَه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه وأجمع
[ ٢٣ ]
علَى أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا - أنه كافر» (الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﵌ - ٢/ ٢٩٦).
قال ابن قدامة - ﵀ -: «لا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه - أنه كافر» (لمعة الاعتقاد ص ١٩)
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - بعد عرضه ما جاء في كتب الشيعة من دعواهم نقص القرآن وتغييره: «يلزم من هذا: تكفير الصحابة حتَّى عَلِيّ - ﵃ -، حيث رضوا بذلك
وتكذيب قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:٤٢)، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩).
ومن اعتقد عدم صحة حفظه من الإسقاط، واعتقد ما ليس منه فقد كفر، ويلزم من هذا رفع الوثوق بالقرآن كله، وهو يؤدي إلى هدم الدين، ويلزمهم عدم الاستدلال به والتعبد بتلاوته احتمال التبدّل» (رسالة في الرد علَى الرافضة ص ١٤ - ١٥).
بعض أقوال شيوخ الشيعة في إثبات تحريف القرآن:
* يذكر صاحب الكافي: « رفع إليَّ أبو الحسن مصحفًا وقال: «لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (البينة:١) فوجدت فيها - أي السورة - اسم سبعين رجلًا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، فبعث إليّ أن ابعث إليّ بالمصحف». (الكافي ٢/ ٢٦١).
* وفي (الكافي ١/ ٤١٢) عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - ﵇ - قَالَ: قُلْتُ لَهُ: «لِمَ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟»
قَالَ: «اللهُ سَمَّاهُ، وَهَكَذَا أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي وَأَنَّ عَلِيًّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ» اهـ.
[ ٢٤ ]
ونص الآية في كتاب الله - ﷿ -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف:١٧٢)؛ فإضافة هذه الزيادة (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولِي وَأَنَّ عَلِيًّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) واعتبارها من القرآن، هو عين القول بالتحريف، ومعناه أن الآية كما هي مثبتة في كتاب الله - ﷿ -، وكما يقرأها المسلمون، إنما هي آية ناقصة لم تكتب كما أنزلت.
*وفي الكافي (١/ ٤١٧) عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - ﵇ - قَالَ: نَزَلَ جَبْرَائِيلُ - ﵇ - بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﵌ - هَكَذَا: «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ فِي عَلِيٍّ بَغْيًا» اهـ.
ونص الآية في كتاب الله - ﷿ -: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ (البقرة:٩٠)؛ فإضافة هذه الزيادة (فِي عَلِيٍّ) واعتبارها من القرآن، هو عين القول بالتحريف، ومعناه أن الآية كما هي مثبتة في كتاب الله - ﷿ -، وكما يقرأها المسلمون، إنما هي آية ناقصة لم تكتب كما أنزلت.
وقوله: «نَزَلَ جَبْرَائِيلُ - ﵇ - بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﵌ - هَكَذَا» أي نصًا وحرفًا، وهذا صريح الكذب والتحريف.
* يقول المحدث الشيعي (نعمة الله الجزائري) - نسبة إلى جزائر البصرة - في كتابه (الأنوار النعمانية): «إنّ الأصحاب (أي علماء دين الشيعة) قد أطبقوا علَى صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها علَى وقوع التحريف في القرآن» (فصل الخطاب ص ٣٠).
* الخميني الذي يستشهدون بأقواله علَى عدم وقوع التحريف يفضحه الله تعالى، حيث قال في معرض كلامه عن الإمامة والصحابة: «.. فإنّ أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويُسقِطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد، ويلصقون العار - وإلى الأبد - بالمسلمين وبالقرآن، ويُثبتون
[ ٢٥ ]
علَى القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون علَى كتب اليهود والنصارى». (كشف الأسرارللخميني ص١٣١).
* وقد أثنى الخميني أكثر من مرة علَى نور الدين الطبرسي، مؤلف كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) (انظر كتابه: الحكومة الإسلامية: ص٦٦).
* وقد درج بعض شيوخهم المعاصرين علَى التظاهر بإنكار هذه الفِرْية، والدفاع عن كتاب الله سبحانه. لكن يلاحظ كفره في فلتات لسانه، وترى الباطل يحاول دسه في الخفاء.
ومن أخبث من سلك هذا الطريق شيخهم أبو القاسم الخوئي، المرجع الأعلَى للشيعة في العراق وغيرها من البلاد. ففي تفسيره (البيان) يقرر أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو (القول بعدم التحريف) (تفسير البيان ص٢٢٦).
ولكنّ أبا القسم الخوئي يقطع بصحة جملة من روايات التحريف فيقول: «إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر». (تفسير البيان ص٢٢٢).
ونقول للخوئي وأمثاله: لا شك أن أمير المؤمنين علي - ﵁ - ما كان يقرأ ويحكم إلا بالمصحف الذي أجمع عليه الصحابة - ﵃ -، وهذا ما تعترف به كتب الشيعة. ولو كان هناك مصحف غير القرآن كما يزعم الجاهلون لأخرجه عندما كان خليفةً للمسلمين، ولَحَكَم به وهذا ما لم يحدث، وهذا طعن من الشيعة في عليٍّ - ﵁ -.
ولهذا أخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال عليٌّ - ﵁ -: «لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملإٍ منا». وقد نقلت ذلك كتب الشيعة.
إن اليهود والنصارى يقولون بأن القرآن مُحَرَّف، فما الفرق بين كلام علماء الشيعة وبين كلام اليهود والنصارى؟ وهل هناك مسلم صادق في إسلامه يشهد علَى الكتاب
[ ٢٦ ]