ولم تكن هذه العلاقات من طرف واحد بل كل الأطراف كانوا معتنين بهذه العلاقات فكان الفاروق يجل أهل بيت النبي أكثر مما كان يجل أهل بيته هو، وكان يحترمهم ويقدمهم في الحقوق والعطاء على نفسه وأهل بيته، ولقد ذكر المؤرخون قاطبة أن الفاروق لما عيّن الوظائف المالية والعطاءات من بيت المال قدّم على الجميع بني هاشم لقرابتهم من رسول الله - ﷺ -، ولاحترامه أهل بيته ﵊.
فها هو اليعقوبي يذكر ذلك بقوله:
ودون عمر الدواوين، وفرض العطاء سنة ٢٠، وقال: قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديوانًا، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف (٣)، وقال اكتبوا الناس على منازلهم وابدءوا ببني عبد مناف، فكتب أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن علي في ثلاثة آلاف، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف (٤) ..
_________________
(١) تحت عنوان أصهار علي ص٥٦ و٤٣٧ ط دكن
(٢) تحت عنوان بنات علي ص٩٢ ط مصر وأيضًا ص٧٩، ٨٠ تحت عنوان أولاد عمر بن الخطاب
(٣) وكلهم أقرباء علي أخوه وأبناء عمه، هكذا كان الفاروق، فالعدل - العدل
(٤) اللهم إلا أهل السنة، فإنهم ذكروا في كتبهم أن الفاروق "فرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسنًا وحسينًا فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله - ﷺ -، ففرضت لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض للعباس خمسة آلاف درهم لقرابته من رسول الله - ﷺ - " (طبقات ابن سعد ج٣ ص٢١٣، ٢١٤، وكتاب الخراج لأبي يوسف ص٤٣، ٤٤ ط مصر، وفتوح البلدان ص٤٥٤، ٤٥٥، وكتاب الأموال لأبي عبيد بن سلام) ولقد روى البلاذري، ويحيى بن آدم، والطرابلسي وغيرهم عن جعفر بن محمد الباقر عن محمد الباقر وعن عبد الله بن الحسن وعن علي بن أبي طالب "إن عمر أقطع عليًا ينبع فأضاف إليها غيرها" (فتوح البلدان للبلاذري ص٢٠، وكتاب الخراج ليحيى بن آدم ص٧٨ ط مصر القديم والإسعاف في أحكام الأوقاف للطرابلسي ص٨ ط مصر)
[ ١١٠ ]
ولنفسه أربعة آلاف (١) .. وكان أول مال أعطاه مالًا قدم به أبو هريرة من البحرين (٢) مبلغه سبعمائة ألف درهم، قال (يعنى الفاروق): اكتبوا الناس على منازلهم، واكتبوا بني عبد مناف، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم أتبعوهم عمر بن الخطاب وقومه، فلما نظر عمر قال: وددت والله أني هكذا في القرابة برسول الله، ولكن ابدءوا برسول الله ثم الأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر بحيث وضعه الله" (٣).
وأما ابن أبي الحديد فقال: لا بل ابدأ برسول الله - ﷺ -، وبأهله، ثم الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، ثم ببني عبد المطلب ثم بعبد شمس ونوفل، ثم بسائر بطون قريش، فقسم عمر مروطًا بين نساء المدينة، فبقي منها مرط حسن، فقال بعض من عنده: أعط هذا يا أمير المؤمنين! ابنة رسول الله التي عندك يعنون أم كلثوم بنت علي ﵇، فقال: أم سليط أهديه فإنها ممن بايع رسول الله - ﷺ -، وكانت تزفر لنا يوم أحد قربًا" (٤).
_________________
(١) ومع هذا لا يتستحي من الله من يقول: إن عمر غصب حقوق أهل البيت، وهذا هو اليعقوبي يلطم على وجوههم لطمات من الحق الذي وفقه الله أن يقره ويعترف به، وعمر يومئذ أمير المؤمنين، وعلي دونه
(٢) نعم! أبو هريرة الذي يبغضه القوم أشد البغض، ليس إلا لأنه روى أحاديث سمعها من لسان رسول الله في مناقب أصحابه البررة، وخاصة الصديق والفاروق، نعم! ذلك أبو هريرة الذي جاء بالمال، فأخذ كلهم من مال الله الذي أتى به هو
(٣) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٥٣ ط بيروت
(٤) "نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص١١٣، ١١٤
[ ١١١ ]
هذا ولقد ثبت أن الفاروق كان يقدر ويكرم أهل البيت، ويكن لهم من الاحترام ما لم يكن للآخرين، وحتى وأهل بيته وخاصته.
وذكر أن ابنة يزدجرد كسرى إيران أكبر ملوك العالم آنذاك لما سبيت مع أسارى إيران أرسلت مع من أرسل إلى أمير المؤمنين وخليفة رسول الله - ﷺ - عمر الفاروق الأعظم ﵁، وتطلع الناس إليها وظنوا أنها تعطي وتنفل إلى ابن أمير المؤمنين والمجاهد الباسل الذي قاتل تحت لواء رسول الله - ﷺ - في غزوات عديدة، لأنه هو الذي كان لها كفو، ولكن الفاروق لم يخصها لنفسه ولابنه ولا لأحد من أهل بيته، بل رجح أهل بيت النبوة فأعطاها لحسين بن علي ﵄، وهى التي ولدت علي بن الحسين ﵁ الذي بقي وحيدًا من أبناء الحسين في كربلاء حيًا وأنجب وتسلسل منه نسله" (١).
ولقد ذكر ذلك نسابة شيعي مشهور ابن عنبة "إن اسمها شهربانو قيل: نهبت في فسخ المدائن فنفلها عمر بن الخطاب من الحسين ﵇" (٢).
كما ذكر ذلك محدث الشيعة المعروف في صحيحه الكافي في الأصول، عن محمد الباقر أنه قال:
لما قدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة، وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: أف بيروج باداهرمز، فقال عمر: أتشتمنى هذه وهمّ بها، فقال له أمير المؤمنين ﵇:
_________________
(١) فليحذر الذين يدعون أنهم من نسل الحسين، ثم يسبون الفاروق، ويعدونه ظالمًا حق آل محمد، وغاصبًا لخلافتهم، لولاه لما كان لهم وجود، وإن كان غاصبًا فكيف رضي الحسين بأخذ الجارية منه التي سبيت في معركة من معاركه التي أقيمت تحت لوائه وحسب توجيهاته؟ فليتدبر، وهل من مفكر؟
(٢) "عمدة الطالب في أنساب أبي طالب" الفصل الثاني تحت عنوان عقب الحسين ص١٩٢
[ ١١٢ ]
ليس ذلك لك، خيرها رجلًا من المسلمين وأحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين ﵇، فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين: بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله! لتلدن لك منها خير أهل الأرض، فولدت على بن الحسين ﵇، وكان يقال لعلي بن الحسين ﵇: ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب هاشم ومن العجم فارس. وروي أن أبا الأسود الدائلي قال فيه:
وإن غلامًا بين كسرى وهاشم
لأكرم من نيطت عليه التمائم" (١).
وقبل ذلك ساعد أباه عليًا في زواجه من فاطمة ﵄ كما مر سابقًا.
وإن الفاروق كان يبدأ الخمس والفيء بأهل بيت النبوة كما كان الرسول ﵇ يعمل به، وبعده أبو بكر، ولقد ذكرنا هذا سابقًا عند ذكر الصديق وفدك "وكان أبو بكر يأخذ غلتها ويدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، وكان عثمان كذلك، ثم كان عليّ (على شاكلتهم وطريقتهم) كذلك" (٢).
ومن إكرامه وتقديره لأهل البيت ما ذكره ابن أبي الحديد عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر عمر الحسين بن علي عل أن يأتيه في بعض الحاجة فلقي الحسين ﵇ عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء؟ قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك أن تأتيني؟
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٤٦٧، ناسخ التواريخ ج١٠ ص٣، ٤
(٢) "شرح نهج البلاغة" لابن ميثم ج٥ ص١٠٧، أيضًا "الدرة النجفية" ص٣٣٢، وابن أبي الحديد أيضًا
[ ١١٣ ]
قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم" (١).
هذا وكان يقول في عامة بني هاشم ما رواه علي بن الحسن عن أبيه حسين بن علي أنه قال: قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة، وزيارتهم نافلة" (٢).
ونقل الطوسي هذا والصدوق أيضًا أن عمر لم يكن يستمع إلى أحد بطعن في علي بن أبي طالب ولم يكن يتحمله، ومرة "وقع رجل في علىّ ﵇ بمحضر من عمر، فقال: تعرف صاحب هذا القبر؟ .. لا تذكر عليًا إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره" (٣).