ويذكر الكليني أن الإمامة فوق النبوة والرسالة والخلة كما يكذب على جعفر بن محمد الباقر - الإمام السادس عندهم - أنه قال: إن الله ﵎ اتخذ إبراهيم عبدًا قبل أن يتخذه نبيًا وإن الله اتخذه نبيًا قبل أن يتخذه رسولًا وإن الله اتخذه رسولًا قبل أن يتخذه خليلًا وإن الله اتخذه خليلًا قبل أن يتخذه إمامًا" (١).
وقد بوّب الحر العاملى (٢) بابًا مستقلًا بعنوان "الأئمة الاثنى عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم وأن الأنبياء أفضل من الملائكة" وأورد تحته روايات عديدة، ومنها ما رواه عن جعفر أنه قال: إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضّلهم بالعلم وأورثنا علمهم وفضّلنا عليهم في علمهم، وعلّم رسول الله (- ﷺ -) ما لم يعلّمهم، وعلّمنا علم الرسول وعلمهم" (٣).
ويذكر الكليني أيضًا عن أبي عبد الله أنه قال: ما جاء به علي ﵇ آخذ به وما نهى عنه انتهى عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد - ﷺ -، ولمحمد - ﷺ - الفضل على جميع من خلق الله عزوجل، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين ﵇ باب الله لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض
_________________
(١) كتاب الحجة من الأصول ج١ ص١٧٥، ومثله نقله عن أبيه أيضًا
(٢) هو محمد بن الحسن المشغري، العاملي، المولود ١٠٣٢هـفي قرية مشغر من قرى جبل العامل، وهو من كبار القوم وعلمائهم وألف كتبًا عديدة، ومنها هذا الكتاب وكتاب "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة"، جمع فيه أحاديث شيعية في الأحكام الشرعية من سبعين كتابًا، وغير ذلك، وتوفى في رمضان سنة ١١٠٤هـفي خراسان
(٣) "الفصول المهمة" للحر العاملي ص١٥٢
[ ٢٦ ]
ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرًا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد - ﷺ - ولقد حملت عليّ مثل حمولته وهى حمولة الرب وأن رسول الله - ﷺ - يدعى فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق وأستنطق على حد منطقة، ولقد أعطيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عنى ما غاب عنى" (١).
ويقول إبراهيم القمي - إمام مفسري الشيعة الذي قيل في تفسيره إنه أصل الأصول للتفاسير الكثيرة، وإنه في الحقيقة تفسير الصادقين ﵉ (جعفر والباقر) ومؤلفه كان في زمن الإمام العسكري ﵇، وأبوه الذي روى هذه الأخبار لابنه كان صحابيًا للإمام الرضا ﵇ -" (٢).
يقول فيه تحت قول الله ﷿: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ فإن الله أخذ ميثاق نبيه محمد على الأنبياء - إلى أن قال -: ما بعث الله نبيا من ولد آدم فهلم جرًا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين ﵇ وهو قوله: ﴿لتؤمنن به﴾ أي رسول الله - ﷺ - ﴿ولتنصرنه﴾ أي أمير المؤمنين ﵇" (٣).
وزاد العياشي (٤) في تفسيره تحت هذه الآية "من آدم فهلم جرًا، ولا يبعث
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص١٩٦، ١٩٧
(٢) مقدمة تفسير القمي ص١٥ للسيد طيب الموسوي الجزائري الشيعي
(٣) تفسير القمي ج١ ص١٠٦ مطبعة النجف ١٣٨٦هـ
(٤) العياشي هو أبو النضر محمد بن مسعود العياشي السلمي السمرقندي، المعروف بالعياشي من أعيان علماء الشيعة ممن عاش في أواخر القرن الثالث من الهجرة، وقال عنه النجاشي: ثقة، صدوق، عين من أعيان هذه الطائفة، وكبيرها" (رجال النجاشي ص٢٤٧ ط قم إيران)، وقال ابن النديم: من فقهاء الشيعة الإمامية، أوحد دهره وزمانه "أعيان الشيعة" ج١ ص٥٧، وأما تفسيره "هو على مذاق الأخبار والتنزيل على آل البيت الأطهار، أشبه شيء بتفسير علي بن إبراهيم" (روضات الجنات ج٦ ص١١٩) وقد تلقاها علماء هذا الشأن منذ ألف إلى يومنا هذا - ويقرب من أحد عشر قرنًا - بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف" (مقدمة التفسير ص (ج) لمحمد حسين الطباطبائي)
[ ٢٧ ]
الله نبيًا ولا رسولًا إلا رد إلى الدنيا حتى يقاتل بين يدي أمير المؤمنين ﵇" (١).
ولقد فصلنا القول في معتقدهم في الأئمة في كتابنا "الشيعة والسنة" (٢).
فهؤلاء هم الأئمة عند القوم وأولئك شيعتهم الذين يزعمون بأنهم محبون لهم، ومنتسبون إليهم، والناس يبغضونهم لولايتهم أهل البيت هؤلاء، ولأخذهم بآرائهم وأفكارهم، والتمسك بأقوالهم وأفعالهم، والاتباع بأوامرهم وفتاويهم.
وهذه هي الأقاويل والروايات والادعاءات من كتب القوم وعباراتهم.
وخلاصة ما ذكر أن الشيعة هم قوم يدعون موالاة أحد عشر شخصًا من أولاد علي، وعليًا ﵁، ويعدّونهم معصومين كالأنبياء ورسل الله، وأفضل منهم ومن الملائكة المقربين، ويدعون أن مذهبهم مؤسس على آرائهم وأفكارهم، كما أنه ظهر من هذا البحث أنه لا صحة لقول من يوهم بأن المراد من أهل البيت هم أهل بيت النبي - ﷺ - لأن القوم أنفسهم ينفون عن ذلك.
وأما ادعاء إطاعة واتباع هؤلاء لأهل بيت علي، المخصوصين منهم فنرى في الأبواب الآتية صحة هذه الدعاوى وصدقها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
_________________
(١) تفسير "العياشي" ج١ ص١٨١ وأيضًا "البرهان" ج١ ص٢٩٥ "الصافي" ج١ ص٢٧٤
(٢) انظر لذلك ص٦٥ إلى ص٧٦ من كتاب "الشيعة والسنة" ط إدارة ترجمان السنة لاهور
[ ٢٨ ]