وأما الحسن ﵁ فلم يهن أحد مثل ما أهين هو من قبل الشيعة، فإنهم بعد زفاة أبيه علي ﵁ جعلوه خليفته وإمامًا لهم، ولكنهم لم يلبثوا إلا يسيرًا حتى خذلوه مثل ما خذلوا أباه، وخانوه أكثر مما خانوا عليًا ﵁.
يقول المؤرخ الشيعي اليعقوبي:
وأقام الحسن بعد أبيه شهرين، وقيل: أربعة أشهر، ووجه بعبيد الله بن عباس في اثنى عشر ألفًا لقتال معاوية فأرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس فجعل له ألف ألف درهم، فسار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه ووجه
_________________
(١) "روضة الواعظين" ج١ ص١٢٥
(٢) "كتاب سليم بن قيس" ص٢٥٣
(٣) "الكافي في الأصول
(٤) "تفسير العياشي" ج٢ ص٦٧، ومثله في "الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٣٨
(٥) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٤، ٨٥
[ ٢٧٦ ]
معاوية إلى الحسن، المغيرة بن شعبة وعبد الله بن شعبة وعبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن أم الحكم، وأتوه وهو بالمدائن نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده وهو يقولون ويسمعون الناس: إن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكن به الفتنة، وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن، فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسين فرسًا له ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجراح بن سنان الأسدي، فجرحه بمعول في فخذه، وقبض على لحية الجراح ثم لواها فدق عنقه.
وحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف نزفًا شديدًا، واشتدت به العلة، فافترق عنه الناس، وقدم معاوية العراق، فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح (١) معاوية (٢) ".
_________________
(١) صلح الحسن مع معاوية ولقد يخجل القوم حينما يسمعون هذه الكلمة أعني صلح الحسن مع معاوية ﵄ ومبايعته إياه، ويتقولون بأشياء، ويتأولون بتأويلات يمجها العقل ويزدريها الفكر، وحصيلة ما يقولون إنه صالحه ولكنه لم يبايعه، ولم يسلم إمرته وخلافته. فنحن احترازًا من الإطالة نورد ههنا رواية واحدة من كتب القوم، ونظن أنها تكون كافية لمن أراد التبصر، ولقد أورد هذه الرواية كبيرهم في الرجال عن أبي عبد الله جعفر أنه قال: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن اقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن! قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين! قم فبايع، ثم قال: يا قيس! قم فبايع فالتف إلى الحسين ﵇ (بدل الحسن لما كان يعرف من شدته وإنكاره على أخيه في مسألة الصلح) ينظر ما بأمره، فقال: يا قيس! إنه إمامي يعني الحسين ﵇ - وفي رواية: فقام إليه الحسن، فقال له بايع يا قيس! فبايع -" ("رجال الكشي" ص١٠٢)
(٢) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٥
[ ٢٧٧ ]
وقد قال المسعودي الشيعي في كتابه أن الحسن ﵁ لما خطب بعد اتفاقه مع معاوية ﵁ قال:
يا أهل الكوفة! لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني، وإنى قد بايعت معاوية فاسمعوا وأطيعوا.
وقد كان أهل الكوفة انتبهوا سرداق الحسن ورحله وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح" (١).
وأهانوه إلى أن:
شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله الجعال الأزدي، فنزع مطرفة عن عاتقه، فبقى جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء" (٢).
"وطعنه رجل من بني أسد الجراح بن سنان في فخذه، فشقه حتى بلغ العظم . وحمل الحسن على سرير إلى المدائن اشتغل بمعالجة جرحه، وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرًا، واستحثوه على سرعة المسير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسين ﵇ ذلك فازدادت بصيرة الحسن ﵇ بخذلانهم له، وفساد نيات المحكمة فيه وما أظهروه له من سبه وتكفيره، واستحلال دمه، ونهب أمواله" (٣).
هذا وكانوا يهينونه بلسانهم كما كانوا يؤذونه بأيديهم، ولقد ذكر الكشي
_________________
(١) "مروج الذهب" ج٢ ص٤٣١
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص١٩٠
(٣) "كشف الغمة" ص٥٤٠، ٥٤١، واللفظ له، "الإرشاد" ص١٩٠، "الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة" ص١٦٢ ط طهران
[ ٢٧٨ ]
عن أبي جعفر أنه قال:
جاء رجل من أصحاب الحسن ﵇ يقال له سفيان بن أبي ليلى وهو على راحلة له، فدخل على الحسن ﵇ وهو مختب في فناء داره، فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين! قال وما علمك بذلك؟
قال: عمدت إلى أمر الأمة فخلعته من عنقك وقلدته هذه الطاغية يحكم بغير ما أنزل الله" (١).
ثم بين الحسن وأوضح ما فعلت به شيعته وشيعة أبيه وما قدمت إليه من الإساءات والإهانات، وأظهر القول وجهر به فقال:
أرى والله معاوية خير إلي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وأخذوا مالي. والله! لأن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله: لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلمًا. والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، ويمن عليّ فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحى منا والميت" (٢).
وأهانوه حيث قطعوا الإمامة من عقبه وأولاده، بل افتوا بكفر كل من يدعي الإمامة من ولده بعده.