وأما الحسين فلم يكن أسعد من أخيه وأمه وأبيه حظًا مع إظهار مغالاة القوم ومبالغتهم في حبه وولائه، فأهانوه ﵁ وأرضاه قولًا وفعلًا، فقالوا:
إن أمه فاطمة ﵂ بنت رسول الله - ﷺ - كرهت حمله، وردت بشارة ولادته عدة مرات كما لم يكن رسول الله - ﷺ - يريد أن يقبل بشارة ولادته، ووضعته فاطمة كرها، ولكراهة أمه لم يرضع الحسين من فاطمة
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٠٣
(٢) "الاحتجاج" للطبرسي ص١٤٨
[ ٢٧٩ ]
﵄. وهذه الروايات من أهم كتب الحديث عند القوم وأصحها مثل البخاري عند السنة، فيروي الكليني عن جعفر أنه قال:
جاء جبريل إلى رسول الله - ﷺ -. فقال: إن فاطمة ﵍ ستلد غلامًا تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين ﵇ كرهت حمله، وحين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله ﵇:
لم تر في الدنيا أم تلد غلامًا تكره، ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا﴾ " (١).
وإهانتة! وأية إهانة؟ وإساءة! وأية إساءة؟ وكذب! وما أكبره؟
"ولم يرضع الحسين من فاطمة ﵍، ولا من أنثى كان يؤتى بها النبي، فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاث" (٢).
هذا وعاملوه معاملتهم أخيه وأبيه من قبل، فلقد ذكر جميع مؤرخي الشيعة أن أهل الكوفة، التي كان مركزًا للشيعة، والتي قالوا فيها ما قالوا، وإن جعفرًا ذكرها بقوله:
إن ولايتنا عرضت على السموات والأرض والجبال والأمصار، ما قبلها قبول أهل الكوفة" (٣).
والتي قالوا فيها:
إن الله قد اختار من البلدان أربعة فقال: والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين، فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس وطور سيناء الكوفة وهذا البلد الأمين مكة" (٤).
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة ج١ ص٤٦٤، باب مولد الحسين
(٢) "الأصول من الكافي" ص٤٦٥
(٣) "بصائر الدرجات للصفار" الجزء الثاني الباب العاشر
(٤) "مقدمة البرهان" ص٢٢٣
[ ٢٨٠ ]
كتبوا من هذه الكوفة كتبًا إلى الحسين نحوًا من مائة وخمسين كتابًا، كتبوا فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم! للحسين بن عليّ أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه عليّ أمير المؤمنين. سلام الله عليك، أما بعد! فإن الناس منتظروك، ولا رأي لهم غيرك فالعجل! العجل! يا ابن رسول الله! والسلام عليكم ورحمة الله" (١).
وكتابًا آخر: أما بعد! فقد اخضرت الجنات، وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة، والسلام" (٢).
ولما تتابعت إليه كتب الشيعة، وتوالى الرسل أرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، فانثل عليه أهل الكوفة "واجتمعوا حوله، فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم من ثمانية عشر ألف" (٣).
وبعد أيام كتب إليه مسلم بن عقيل: "إن لك مائة ألف سيف ولا تتأخر" (٤).
فكتب ردًا عليه وعليهم:
"قد شخصت من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فإنى قادم إليكم" (٥).
ولكن انقلبت الأمور وتقلبت الشيعة كشأنهم ودأبهم سابقًا، وقتل مسلم بن عقيل بدون ناصر ومعين، ولما بلغ الحسين نعيه وواجهه عسكر بن زياد من الكوفة و"خرج إليهم في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إني لم آتكم حتى أتتنى كتبكم أن أقدم علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا، وكنتم لقدومي
_________________
(١) "كشف الغمة" ج٢ ص٣٢، واللفظ له، "الإرشاد" ص٢٠٣، "الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة" ص١٨٢
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص٢٠٣، أيضًا "إعلام الورى" للطبرسي ص٢٢٣ واللفظ له
(٣) "الإرشاد" للمفيد ص٢٠٥
(٤) "الإرشاد" للمفيد ص٢٢٠
(٥) "الإرشاد" للمفيد ص٢٢٠
[ ٢٨١ ]
كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى جئت منه إليكم" (١).
ثم خذلوه، وأعرضوا عنه، وأسلموه للعدو حتى قتل في نفر من أهل بيته ورفاقه، كما يذكر محسن الأمين:
"ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفًا غدروا به وخرجوا عليه. وبيعته في أعناقهم، وقتلوه" (٢).
ويكتب اليعقوبي الشيعي أن أهل الكوفة لما قتلوه:
"انتهبوا مضاربه وابتزوا حرمه، وحملوهن إلى الكوفة، فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا، فمن قتلنا"؟ (٣).
فهؤلاء هم الشيعة وأولئك أهل البيت وهذه معاملاتهم وأحوالهم مع أهل البيت الذين يدعون أنهم محبون وموالون لهم.