وكانت العلاقات وثيقة أكيدة بين بيت النبوة وبيت الصديق لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ (١).
فالصديقة عائشة بنت الصديق أبى بكر كانت زوجة النبي - ﷺ -، ومن أحب الناس إليها مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة، وهى طاهرة مطهرة - بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون.
ثم أسماء بنت عميس التي جاء ذكرها آنفا كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي، فمات عنها وتزوجها الصديق وولدت له ولدًا سماه محمدًا الذي ولاه علي على مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبى طالب فولدت له ولدًا سماه يحيى.
وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر - الإمام الخامس عند القوم وحفيد علي ﵁ - كما يذكر الكليني في أصوله تحت عنوان مولد الجعفر: "ولد أبو عبد الله ﵇ سنة ثلاث وثمانين ومضى في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن بن علي ﵈ وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر" (٢).
ويقول ابن عنبة (٣): أمه (أي جعفر) أم فروة بنت القاسم بن محمد بن
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية٤١
(٢) "كتاب الحجة من الأصول في الكافي ج١ ص٤٧٢، ومثله في "الفرق" للنوبختي
(٣) هو جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسني صاحب كتاب "عمدة الطالب" قال عنه القمي: سيد جليل علامة نسابة، كان من علماء الإمامية، تلمذ علي السيد أبي معية اثنتى عشر سنة فقهًا وحديثًا ونسبًا، توفى بكرمان سنة ٨٢٨" (الكنى والألقاب ج١ ص٣٥٠ و"أعيان الشيعة" ص٣٥ القسم الأول الجزء الثاني ص١٣٥ تحت عنوان "النسابون من الشيعة"
[ ٧٨ ]
أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان الصادق ﵇ يقول: ولدني أبو بكر مرتين.
كما أن القاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد علي كانا ابني خالة كما يذكر المفيد وهو يذكر علي بن الحسين بقوله: والإمام بعد الحسن بن علي (ع) ابنه أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين ﵉، وكان يكنى أيضا أبا الحسن. وأمه شاه زنان بنت يزدجردبن شهريار بن كسرى ويقال: إن اسمها كان شهر بانويه وكان أمير المؤمنين (ع) ولي حريث بن جابر الحنفي جانبًا من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجردبن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين (ع) شاه زنان منهما فأولدها زين العابدين (ع) ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن أبى بكر فهما ابنا خالة" (١).
وأما المجلسي فذكر ذلك في "جلاء العيون" ولكنه صحح الروايات التي جاء بها المفيد وابن بابويه بأن شهربانو لم تكن سبيت في عهده علي كما ذكره المفيد ولا في عهد عثمان كما ذكره ابن بابويه القمي، بل كانت من سبايا عمر كما رواه القطب الراوندي (٢)، ثم يقر بعد ذلك بأن قاسم بن محمد بن أبي بكر
_________________
(١) "الإرشاد" للمفيد ص٢٥٣ ومثله في "كشف الغمة" و"منتهى الآمال" للشيخ عباس القمي ج٢ ص٣
(٢) هو سعيد بن هبة الله بن الحسن، من مواليد القرن السادس من الهجرة، ومات سنة ٥٧٣ بقم، وقبر هناك "العالم المتبحر، الفقيه، المحدث، المفسر، المحقق، الثقة الجليل، صاحب "الخرائج والجرائح" و"قصص الأنبياء" و"شرح النهج"، كان من أعاظم محدثي الشيعة" (الكنى والألقاب ج٣ ص٥٨)
[ ٧٩ ]
وزين العابدين بن الحسين بن علي هما ابنا خالة (١).
وذكر أهل الأنساب والتاريخ قرابة أخرى وهى تزويج حفصة بنت عبد الرحمن بن الصديق من الحسين بن علي بن أبى طالب ﵃ بعد عبد الله بن الزبير أو قبله.
ثم وإن محمد بن أبي بكر من أسماء بنت عميس كان ربيب علىّ وحبيبه، وولاه إمرة مصر في عصره.
"وكان علي ﵇ يقول: محمد ابني من ظهر أبي بكر" (٢).
وكان من حب أهل البيت للصديق والتوادد ما بينهم أنهم سموا أبنائهم بأسماء أبي بكر ﵁، فأولهم علي بن أبي طالب حيث سمى أحد أبناءه بأبي بكر كما يذكر المفيد تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين (ع) وعددهم وأسماءهم ومختصر من أخبارهم".
"١٢ - محمد الأصغر المكنى بأبي بكر ١٣ - عبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحسين (ع) بألطف أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية" (٣).
وقال اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكر الحسن والحسين وعبيد الله وأبو بكر لا عقب لهما أمهما يعلى بنت مسعود الحنظلية من بني تيم" (٤).
وذكر الأصفهاني في "مقاتل الطالبيين" تحت عنوان "ذكر خبر الحسين بن علي بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله" وكان منهم "أبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه يعلى بنت مسعود .. ذكر أبو جعفر أن رجلًا من همدان
_________________
(١) "جلاء العيون" الفارسي ص٦٧٣، ٦٧٤
(٢) "الدرة النجفية" للدنبلي الشيعي شرح نهج البلاغة ص١١٣ ص إيران
(٣) "الإرشاد" ص١٨٦
(٤) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٣
[ ٨٠ ]
قتله، وذكر المدائني أنه وجد في ساقيه مقتولًا، لا يدري من قتله" (١).
وهل هذا إلا دليل حب ومؤاخاة وإعظام وتقدير من عليّ للصديق ﵄.
والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلافة والإمامة، بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة.
وهل يوجد في الشيعة اليوم المتزعمين حب علي وأولاده رجل يسمى بهذا الاسم، وهل هم موالون له أم مخالفون؟
ونريد أن نلفت الأنظار أن عليًا لم يسم بهذا الاسم ابنه إلا متيمنًا بالصديق وإظهارًا له الولاء والوفاء وحتى بعد وفاته وإلا لا يوجد في بنى هاشم رجل قبل علي يسمي ابنه بهذا الاسم حسب علمنا ومطالعتنا كتب القوم فبمن سمى ابنه آنذاك؟
ثم ولم يقتصر عليّ بهذا التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق، بل بعده بنوه أيضًا مشوا مشيه ونهجوا منهجه.
فهذا هو أكبر أنجاله وابن فاطمة وسبط الرسول الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم - أيضا يسمي أحد أبنائه بهذا الاسم كما ذكره اليعقوبي.
"وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور وهم الحسن بن الحسن وأمه خولة وأبو بكر وعبد الرحمن لأمهات أولاد شتى وطلحة وعبيد الله" (٢).
ويذكر الأصفهاني "إن أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب أيضًا كان ممن قتل في كربلاء مع الحسين قتله عقبة الغنوي" (٣).
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" لأبي الفرج الأصفهاني الشيعي ط دار المعرفة بيروت ص١٤٢، ومثله في "كشف الغمة" ج٢ ص٦٤، "جلاء العيون" للمجلسي ص٥٨٢
(٢) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢٢٨، منتهى الآمال ج١ ص٢٤٠
(٣) "مقاتل الطالبين" ص٨٧
[ ٨١ ]
والحسين بن علي أيضًا سمى أحد أبنائه باسم الصديق كما يذكر المؤرخ الشيعي المشهور بالمسعودي في "التنبيه والإشراف" عند ذكر المقتولين مع الحسين في كربلاء.
"وممن قتلوا في كربلاء من ولد الحسين ثلاثة، علي الأكبر وعبد الله الصبي وأبو بكر بنوا الحسين بن علي" (١).
وقيل: "إن زين العابدين بن الحسن كان يكنى بأبي بكر أيضًا" (٢).
وأيضًا حسن بن الحسن بن علي، أي حفيد علي بن أبي طالب سمى أحد أبنائه أبا بكر كما رواه الأصفهاني عن محمد بن علي حمزة العلوي أن ممن قتل مع إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كان أبو بكر بن الحسن بن الحسن.
والإمام السابع عند الشيعة موسى بن جعفر الملقب بالكاظم أيضًا سمى أحد أبنائه بأبي بكر.
وأما الأصفهاني فيقول: إن ابنه علي - الإمام الثامن عندهم - هو أيضًا كان يكنى بأبي بكر، ويروى عن عيسى بن مهران عن أبي الصلت الهروي أنه قال: سألني المأمون يومًا عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكرنا، قال عيسى بن مهران: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسى الرضا كان يكنى بها وأمه أم ولد" (٣).
والجدير بالذكر أن موسى الكاظم هذا سمى أحد بناته أيضًا باسم بنت
_________________
(١) "التنبيه والإشراف" ص٢٦٣
(٢) "كشف الغمة" ج٢ ص٧٤
(٣) "مقاتل الطالبين" ص٥٦١، ٥٦٢
[ ٨٢ ]
الصديق، الصديقة عائشة كما ذكر المفيد تحت عنوان "ذكر عدد أولاد موسى بن جعفر وطرف من أخبارهم".
وكان لأبي الحسن موسى ﵇ سبعة وثلاثون ولدًا ذكرًا وأنثى منهم علي بن موسى الرضا ﵉ وفاطمة وعائشة وأم سلمة" (١).
كما سمى جده علي بن الحسين إحدى بناته، عائشة" (٢).
وأيضًا - الإمام العاشر المعصوم حسب زعمهم - علي بن محمد الهادي أبو الحسن سمى أحد بناته بعائشة، يقول المفيد: وتوفي أبو الحسن ﵉ في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه . وابنته عائشة" (٣).
وقبل أن ننهي نودّ أن نذكر بأن هناك في الهاشمية كثير من تسموا أنفسهم، أو سموا أبنائهم بأبي بكر نذكر منهم ابن الأخ لعلي بن أبي طالب وهو عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمى أحد أبنائه أيضًا باسم أبي بكر كما ذكره الأصفهاني في مقالته:
قتل أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة في الوقعة بين مسرف بن عقبة وبين أهل المدينة.
وهذا من إحدى علائم الحب والود بين القوم خلاف ما يزعمه الشيعة اليوم من العداوة والبغضاء، والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم.
_________________
(١) "الإرشاد" ص٣٠٢، ٣٠٣، "الفصول المهمة" ٢٤٢، "كشف الغمة" ج٢ ص٢٣٧
(٢) "كشف الغمة" ج٢ ص٩٠
(٣) "كشف الغمة" ص٣٣٤، و"الفصول المهمة" ص٢٨٣
[ ٨٣ ]