وعلى هذا زوج علي بن أبي طالب ﵁ ابنته التي ولدتها فاطمة بنت النبي - ﷺ - من الفاروق ﵁ حينما سأله زواجها منه رضي بما يطلب، وثقة فيه، واعتمادًا به، وإقرارًا بفضائله ومناقبه، واعترافًا بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهارًا بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من اليهود وأعداء الأمة المجيدة، ويرغم أنوفهم، ولقد أقر بهذا الزواج كافة أهل التاريخ والأنساب وجميع محدثي الشيعة وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم، ولقد أوردنا روايات بخصوص ذلك في كتابنا "الشيعة والسنة".
_________________
(١) "الروضة من الكافي" ج٨ ص١٠١ ط إيران تحت عنوان "حديث أبي بصير مع المرأة"
[ ١٠٥ ]
وإتمامًا للفائدة وإكمالا للبحث نورد ههنا بعض الروايات الأخرى التي لم نوردها هناك، فيقول المؤرخ الشيعي أحمد بن أبي يعقوب في تاريخه تحت ذكر حوادث سنة ١٧ من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
"وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي، وأمها فاطمة بنت رسول الله، فقال علي: إنها صغيرة! فقال: إني لم أرد حيث ذهبت. لكني سمعت رسول الله يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله، فتزوجها وأمهرها عشرة آلاف دينار" (١).
وأيضًا ذكر ذلك الطبري في تاريخه "تاريخ الأمم والملوك" (٢) وابن كثير في "البداية والنهاية" (٣) وابن الأثير في "الكامل" (٤) وطبقات ابن سعد (٥) وأبو الفداء في تاريخه وغيرهم وهم كثيرون.
وأقر بذلك الزواج أصحاب الصحاح الأربعة الشيعية أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في كافيه بأن عليًا زوج ابنته أم كلثوم من الفاروق ﵄.
_________________
(١) تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٤٩، ١٥٠
(٢) ج٥ ص١٦ ط مصر القديم
(٣) ج٧ ص١٣٩
(٤) ج٣ ص٢٩ ط دار الكتاب بيروت
(٥) ص٣٤٠ ط ليدن
[ ١٠٦ ]
وروى أيضًا عن سليمان بن خالد أنه قال:
سألت أبا عبد الله ﵇ - جعفر الصادق - عن امرأة توفي زوجها أين تعتد؟ في بيت زوجها أو حيث شاءت؟ قال: بلى حيث شاءت، ثم قال: إن عليًا لمّا مات عمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته" (١).
وهنالك رواية أخرى رواه الطوسي عن جعفر - الإمام السادس عندهم - عن أبيه الباقر أنه قال:
ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة لا يدرى أيهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخرة وصلي عليهما جميعًا" (٢).
وذكر هذا الزواج من محدثي الشيعة وفقهائها السيد مرتضى علم الهدى في كتابه "الشافي" (٣) وفى كتابه "تنزيه الأنبياء" (٤)، وابن شهر آشوب (٥) في كتابه
_________________
(١) "الكافي في الفروع" كتاب الطلاق، باب المتوفى عنها زوجها ج٦ ص١١٥، ١١٦، وفي نفس الباب رواية أخرى عن ذلك، وأورد هذه الرواية شيخ الطائفة الطوسي في صحيحه "الاستبصار"، أبواب العدة، باب المتوفى عنها زوجها ج٣ ص٣٥٣، ورواية ثانية عن معاوية بن عمار، وأوردهما في "تهذيب الأحكام" باب في عدة النساء ج٨ ص١٦١
(٢) "تهذيب الأحكام" كتاب الميراث، باب ميراث الغرقى والمهدوم، ج٩ ص٢٦٢
(٣) ص١١٦
(٤) ص١٤١ ط إيران
(٥) هو رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني "فخر الشيعة ومروج الشريعة، يحيي آثار المناقب والفضائل، والبحر المتلاطم الزخار، شيخ مشائخ الإمامية وصاحب كتاب "المناقب" وغيره، وكان إمام عصره، ووحيد دهره .. وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنة، مات سنة ٥٨٨ بحلب" (الكنى والألقاب ج١ ص٣٢١)
[ ١٠٧ ]
"مناقب آل أبي طالب" (١) والأربلي في "كشف الغمة في معرفة الأئمة" (٢) وابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (٣) ومقدس الأردبيلي في "حديقة الشيعة" (٤) والقاضي نور الله الشوشتري الذى يسمونه بالشهيد الثالث في كتابه "مجالس المؤمنين" (٥).
ويقول وهو يذكر المقداد بن الأسود: إن النبي أعطى بنته لعثمان، وإن الولي زوج بنته من عمر" (٦).
وأيضًا ذكر هذا الزواج في كتابه "مصائب النواصب" (٧)، وأيضًا السيد نعمت الله الجزائري في كتابه "الأنوار النعمانية" والملا باقر المجلسي في كتابه "بحار الأنوار" (٨)، والمؤرخ الشيعي المرزه عباس علي القلي في تاريخه (٩)، ومحمد جواد الشري في كتابه (١٠)، والعباسي القمي في "منتهى الآمال" (١١) وغيرهم الذين بلغ عددهم حد التواتر، ولا ينكر ذلك إلا مكابر جاهل أو مجادل متنكر.
ولقد استدل بهذا الزواج فقهاء الشيعة على أنه يجوز نكاح الهاشمية من غير
_________________
(١) ج٣ ص١٦٢ ط بمبئى الهند
(٢) ص١٠ ط إيران القديم
(٣) ج٣ ص١٢٤
(٤) ص٢٧٧ ط طهران
(٥) ص٧٦ ط إيران القديم، أيضًا ص٨٢
(٦) "مجالس المؤمنين" ص٨٥
(٧) ص١٧٠ ط طهران
(٨) باب أحوال أولاده وأزواجه ص٦٢١ ط طهران
(٩) "تاريخ طراز مذهب مظفري" فارسي، باب حكاية تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب
(١٠) "أمير المؤمنين" ص٢١٧ تحت عنوان "علي في عهد عمر" ط بيروت
(١١) ج١ ص١٨٦ فصل٦ تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين" ط إيران القديم
[ ١٠٨ ]
الهاشمي، فكتب الحلّي في شرائع الإسلام "ويجوز نكاح الحرة العبد، والعربية العجمي، والهاشمية غير الهاشمي" (١).
وكتب تحت هذا شارح الشرائع زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني "وزوج النبي ابنته عثمان، وزوج ابنته زينب بأبي العاص بن الربيع، وليسا من بني هاشم، وكذلك زوّج علي ابنته أم كلثوم من عمر، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وكلهم من غير بني هاشم" (٢).
ونريد أن نختم الكلام في هذا الموضوع برواية ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي.
"إن عمر بن الخطاب وجه إلى ملك الروم بريدًا، فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيبًا بدنانير، وجعلته في قارورتين وأهدتهما إلى امرأة ملك الروم، فرجع البريد إليها ومعه ملء القارورتين جواهر، فدخل عليها عمر وقد صبت الجواهر في حجرها، فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته فقبض عليه وقال: هذا للمسلمين، قالت: كيف وهو عوض هديتي؟ قال: بيني وبينك، أبوك، فقال علي ﵇: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله" (٣).
ولقد ذكر هذا الزواج علماء الأنساب والراجم أيضًا مثل البلاذري في "أنساب الأشراف" (٤)، وابن حزم في "جمهرة أنساب العرب" (٥)، والبغدادي
_________________
(١) "شرائع الإسلام" في الفقه الجعفري للحلي، كتاب النكاح، المتوفى ٦٧٢
(٢) "مسالك الأفهام" شرح شرائع الإسلام، باب لواحق العقد ج١
(٣) "شرح نهج البلاغة" ج٤ ص٥٧٥ ط بيروت ١٣٧٥هـ
(٤) ج١ ص٤٢٨ ط مصر
(٥) ص٣٧، ٣٨ ط مصر
[ ١٠٩ ]
في كتابه "المحبر" (١)، والدينوري في "المعارف" (٢)، وغيرهم.