نعم! نبي الله الصادق المصدوق الذي فضله الله على كافة خلقه، ومن فيهم من رسل الله وأوليائه، والذي امتدت رسالته على الكونين، وفرضت إمامته على الثقلين، ونيطت قيادته إلى يوم التناد وأطيلت زعامته إلى ما بعد هذا اليوم، حيث يكون لواء الحمد بيده، وتحته يكون آدم ومن دونه من النجباء والأخيار.
نعم! يهينون هذا النبي الأعظم الذي فضل على الأنبياء والرسل بصفات لم يعطوها، وخصائل لم ينالوها، قالوا فيه:
إن عليًا وازن بينه وبين نفسه فقال:
أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد - ﷺ -، ولقد حملت على مثل حمولة الرب، وإن رسول الله - ﷺ - يدعى فيكسى، وادعى فأكسى، ويستنطق واستنطق - إلى هذا نحن سواء وأما أنا - ولقد أوتيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي. علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني" (١).
فالرسول العظيم ﵊ يساوي عليًا في خصائل، ولم يحصل
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتابالحجة ص١٩٦، ١٩٧
[ ٢٥٨ ]
له خصائل أخرى لأنه بشر، وليس للبشر مهما بلغ شأنه ومقامه أن يتحلى بها ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾ (١).
و﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ (٢).
و﴿لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ (٣).
وأما علي فهو ما فوق النبي لأنه ما فوق البشر، ولعله ..؟ معاذًا لله! وفعلًا قالوه حيث ذكروا أنه قال:
أنا وجه الله، وأنا جنب الله، وأنا الأول، وأنا الآخر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن، وأنا وارث الأرض، وأنا سبيل اله، وبه عزمت عليه" (٤).
وهذا ليس بمستعبد من القوم لأنهم تعودوا على ذلك، وتجرؤا على تصغير شأن نبي الله - ﷺ - مقابل علي ﵁، ولقد ذكرنا عدة روايات فيما مضى (٥) تبرهن ذلك نستغني عن ذرها ههنا، ونورد ههنا ما لم نوردها سابقًا، فلقد أورد العياشي والحويزي في تفسيريهما رواية تدل على علو مكانة علي فوق النبي - ﷺ -، فيكتبان تحت قول الله ﷿: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين: أن المراد من الصلوات:
"رسول الله أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين، والوسطى أمير المؤمنين" (٦).
_________________
(١) سورة الكهف الآية١١٠
(٢) سورة لقمان الآية ٣٤
(٣) سورة النمل الآية٦٥
(٤) رجال الكشي ص١٨٤
(٥) في الباب الثاني بعنوان "من الأفضل؟ علي، أم نبي"
(٦) "تفسير العياشي" ج١ ص١٢٨ ط طهران، أيضًا "نور الثقلين" ج١ ص٢٣٨ ط قم
[ ٢٥٩ ]
وهل هناك إساءة فوق هذا إلى سيد الخلائق ورسول الثقلين - ﷺ -؟
نعم! هناك أشنع من هذه وأقبح، ما ذكره الحويزي نقلًا من الصدوق أن الرسول لم يرسل إلا لتبليغ ولاية علي إلى الناس، ولو لم يبلغ ما أمر بتبليغه من ولاية علي لحبط عمله - عياذًا بالله -.
وإليك النص: روى الصدوق في "الأمالي" أن رسول الله قال لعلي:
لو لم أبلغ ما أمرت به من ولايتك لحبط عملي" (١).
ولم لا يكون كذلك؟ والحال أنه لم يرفع ذكره - لا يؤاخذنا الله بنقل كفريات القوم - إلا بعلي، ولم يوضع عنه وزره إلا به، كما ذكر البحراني عن ابن شهر آشوب تحت قوله: ووضعنا عنك وزرك:
"ثقل مقاتلة الكفار وأهل التأويل بعلي بن أبي طالب ﵇" (٢).
وعن البرسي "ورفعنا لك ذكرك بعلي صهرك، قرأها النبي - ﷺ -، وأثبتها ابن مسعود وانتقصها عثمان" (٣).
ولأجل ذلك كان رسول الله يدعو الله ويسأله بحرمة علي، كما ينقل البحراني عن السيد رضي من كتابه "المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة" عن ابن مسعود أنه قال:
خرجت إلى رسول الله - ﷺ -، فوجدته راكعًا وساجدًا وهو يقول: اللهم بحرمة عبدك علي اغفر للعاصين من أمتي - ولم يكتفوا بذلك، بل زادوا في غلوائهم حيث قالوا -: إن النبي خلق من نوره السماوات والأرض، وهو أفضل من السماوات والأرض، ولكن علي خلق من نوره العرش والكرسي، وعلي أجل من العرش والكرسي" (٤).
_________________
(١) تفسير "نور الثقلين" ج١ ص٦٥٤
(٢) "البرهان" في تفسير القرآن ج٤ ص٤٧٥
(٣) "البرهان" في تفسير القرآن ج٤ ص٤٧٥
(٤) "البرهان" ج٤ ص٢٢٦
[ ٢٦٠ ]
فهذا هو نبي في نظرهم، وذاك هو علي أفضل وأعلى من الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وبالغوا فيه عمدًا وقصدًا لتقليل مرتبة النبي - ﷺ -، وجاوزوا كل الحدود حتى قالوا عن النبي - ﷺ -: لما عرج به إلى السماء رأى عليًا وأولاده قد وصلوا إليها من قبل، فسلم عليهم وقد فارقهم في الأرض" (١).
وروى أيضًا عن الصدوق في أماليه أن رسول الله قال:
لما عرج بي إلى السماء دنوت من ربي، حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: يا محمد! من تحبه من الخلق؟
قلت: يا رب! عليًا، قال: التفت يا محمد! فالتفت عن يساري، فإذا علي بن أبي طالب ﵇" (٢).
وليس هذا، بل وأكثر من ذلك، لما سئل النبي:
"بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج؟ قال: خاطبني بلغة علي بن أبي طالب، حتى قلت: أنت خاطبتني أم علي؟ " (٣).
فعلي في كل مقام قبل نبي، فهو قبله في السماء، وقبله عند الرب، وبلغته يخاطبه الله، وبصوته يتكلم، وهو أعلى منه خلقة، وبه رفع ذكره ووضع عنه وزره، وبحرمته أجيبت دعوته، وبقوته وقيت نفسه، وحفظت روحه، وقويت عضده، وقام دينه. وبهذا قال شيعي متحضر معاصر:
بنى الدين فاستقام ولولا
ضرب ماضيه ما استقام البناء" (٤).
_________________
(١) "تفسير البرهان" ج٢ ص٤٠٤ نقلًا عن البرسي
(٢) "تفسير البرهان" ج٢ ص٤٠٤
(٣) "كشف الغمة" ج١ ص١٠٦
(٤) "أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء ص٦٨، الطبعة التاسعة
[ ٢٦١ ]
وقال الآخر: بالشيعة قام الإسلام، وبسيف إمامهم أسس الإسلام وثبتت دعائمه" (١).
وقبلهما القمي أهان رسول الله العظيم حيث اختلق هذه القصة الباطلة الموضوعة أن رسول الله:
"كان بمكة، ولم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، وأغروا به الصبيان، وكان إذا خرج رسول الله - ﷺ - يرمونه بالحجارة والتراب، فشكى ذلك إلى علي ﵇ - فانظر إلى التعبير السيئ والإهانة الصريحة لذلك النبي الأشهم، بطل الأبطال، وفارس الفرسان وقائد الشجعان - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إذا خرجت فأخرجني معك، فخرج رسول الله - ﷺ - ومعه أمير المؤمنين ﵇، فتعرض الصبيان لرسول الله - ﷺ - كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين ﵇، فكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم" (٢).
ويقولون: إنه هو الذي وقى رسول الله يوم الغار" (٣).
فعلي هو هو كل شيء ولم يرسل نبي الله محمد خاتم الأنبياء وسيد الرسل إلا ليدعوا الناس إليه ويحببه إلى الناس، وأما نفسه فليس بشيء مقابل علي - نستغفر الله ونتوب إليه من هذه الإهانات والهفوات - كما رووا عن ابن بابويه القمي وغيره عن جعفر أنه قال:
عرج بالنبي ﵇ إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوحى الله فيها إلى النبي - ﷺ - بالولاية لعلي أكثر ما أوصاه في سائر الفروض" (٤).
_________________
(١) "أعيان الشيعة" لمحسن الأمين ج١ الجزء الأول، القسم الأول ص١٢٣
(٢) "تفسير القمي" ج١ ص١١٤
(٣) "نور الثقلين" ج٢ ص٢١٩
(٤) "مقدمة تفسير البرهان" ص٢٢
[ ٢٦٢ ]
وأيضًا "إن جبرئيل أتى النبي - ﷺ - وقال: يا محمد! ربك يقرئك السلام ويقول: فرضت الصلاة ووضعتها عن المريض، وفرضت الصوم ووضعته عن المريض والمسافر، وفرضت الحج ووضعته عن المقل المدقع وفرضت الزكاة ووضعتها عمن لا يملك النصاب، وجعلت حب علي بن أبي طالب ﵇ ليس فيه رخصة" (١).
وكذبوا على الله ﷿ أنه قال:
علي بن أبي طالب حجتي على خلقي، ونوري في بلادي، وأميني على علمي لا أدخل النار من عرفه وإن عصاني، ولا أدخل الجنة من أنكره ولو أطاعني" (٢).