وكان أهل بيت النبوة يتبادلون معه هذا الحب والتقدير والاحترام، ولم يستمعوا ولم يصغوا إلى من يتكلم فيه، أو يطعنه بطعنة، أو يعرّضه بتعريض، بل تبرؤا ممن فعل به هذا، وأنكروا عليه كما سيأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى.
وأكثر من ذلك كافئوه على احترامه لهم وتقديره بهم حتى أعطوه ثمرة من ثمار النبوة، وزوّجها منه، وأطاعوه، وأخلصوا له الوفاء والطاعة، وناصحوه، وشاوروه بأحسن ما رأوه، واستوزرهم وتوزروه، وأنابهم فقبلوا نيابته، وجاهدوا تحت رايته، ولم يتأخروا في تقديم النصيحة له وما يطلب منهم وفق الكتاب والسنة، وبذلوا له كل غال وثمين.
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص١١٠
(٢) "الآمالي" للطوسي ج٢ ص٣٤٥ ط نجف
(٣) "الآمالي" للطوسي ج٢ ص٤٦، أيضًا "الآمالي" للصدوق ص٣٢٤، ومثله ورد في مناقب لابن شهر آشوب ج٢ ص١٥٤ ط الهند
[ ١١٤ ]
فها هو علي بن أبي طالب يقر بذلك في رسالته التي أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر عامله على مصر، فيقول بعد ذكر الأحداث التي وقعت عقب وفاة الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه:
"فتولى أبو بكر تلك الأمور. . . . فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاّه فسمعنا وأطعنا وناصحنا (*) - ثم يمدحه حسب عادته أنه لا يذكره
_________________
(١) (*) تعليق: [وهذا رغم أنف كل من يأبى وينكر، ورغم أنف المتستر بنقاب س-خ، والملتجئ إلى الكذب، القائل في كتابه ردًا علينا - وفي رده يثبت ما قلناه ويقر ما أثبتناه - وهو يظن بأنه يكذبنا ويكذب الحقائق الدامغة التي لا مفر عنها، فيقول بعد ما ينقل فضائل أبي بكر وعمر التي أوردناها يقول: لو كنت حاضرًا تحت منبر علي حينما بكى، وخطب هذه الخطبة المفصلة في الثناء عليهما لقلت له: ما جرّأنا على مخالفتهما وانتقاصهما إلا أنت يا علي! لامتناعك أنت وأهل بيت رسول الله والخلّص من أصحاب رسول الله عن البيعة لهما مما اضطررتم عمر أن يحمل الحطب، ويأتي لدارك يريد حرقها بمن فيها. وفيها ابنة رسول الله ويقال له: إن فيها ابنة رسول الله. ويقول: وإن .. حتى أخرجاك قهرًا. ولم تبايع أنت إلا بعد ستة أشهر وبعد موت زوجتك غاضبة عليهما على فعلتهما معك ومعها، حتى أوصتك أن تدفنها ليلًا - وقد فعلت - احتجاجًا على فعلهما معكما؟. فإذا كنت تعلم - يا علي - أن هذه منزلتهما عند رسول الله فلماذا فعلت - أنت وأصحابك وزوجك - هذا الفعل وجرأتمونا على نقدهما على ارتكابهما ذلك الفعل؟. ثم ولم تكتف - يا علي - حتى تدعي في خطابك مع معاوية بن أبي سفيان الذي عيرك هذه الحادثة وذكر أنهم أخرجاك كالجمل المخشوش، فقلت له مفتخرًا: وأوجب لي رسول الله فيكم ولايته غداة غدير خم ثم وكيف تدعي يا علي (أن رسول الله لا يرى كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما حبًا) وإنا نقرأ في التاريخ عدة قضايا رغب فيها عمر وخالفه رسول الله. فقد رأى =
[ ١١٥ ]
إلا ويبالغ في مدحه - وتولى عمر الأمر، وكان مرضي السيرة،
_________________
(١) = عمر بعد وقعة بدر، أن يقدم رسول الله عمه العباس ويضرب عنقه، وتقدم أنت أخاك عقيلًا وتضرب عنقه، وخالفه رسول الله لأنه أخذ الدية وأطلقهما. وهكذا رأى عمر يوم فتح مكة أن يأمره رسول الله بضرب عنق أبي سفيان فامتنع رسول الله وأطلق سراحه وجعل بيته مأمنًا للخائفين. وأخيرًا وليس آخرًا. قول رسول الله عند موته: آتوني بكتف وقرطاس لأكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده. فخالف عمر في ذلك وقال: عندنا كتاب الله ما فرط فيه من شيء مما أوجد رسول الله وأغضبه فطرده. وقال: قوموا فقاموا. إلى كثير من أمثال هذه المخالفات فلماذا لا تقول الصحيح يا علي؟ ثم هبك - يا علي - علمت أنه في حياته لم يتجاوزوا أمره ورأيه، ولكن كيف علمت ذلك بعد وفاة رسول الله. وهل أعلمك رسول الله بذلك. وحينما وقعت بينهما - بين أبو بكر وعمر - مشادة في قضية خالد بن الوليد، كان رأي رسول الله مع من منهما. ولا شك أن عليًا سيقول: لعن الله الكاذب المفتري" (كتاب الشيعة والسنة في الميزان لصاحب قناع س - خ ص٨٨، ٨٩، ٩٠ ط بيروت). نعم وأنا أيضًا أقول: لعن الله الكاذب المفتري سواء كان صاحب برقع س-خ أو الصافي. فشركما لخيركما الفداء ولقد كذّبه علي بن أبي طالب حيث يقول: أيها السائل الكاذب المفتري الجريء على الجلوس تحت منبر لا أراك إلا من سلالة ابن ملجم حيث تسب وتشتم صهري زوج بنتي من فاطمة الزهراء بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتنسب إليّ ما لم أقله وما لم أفعله، وتكذب الفاروق وتكذبني، ثم تدعي حبي وولائي، وتقول بأنني أنا جرأتك عليهما، لست إلا من سلالة ابن سبأ الذي تنكر وجوده خوفًا ووجلًا من أفعاله وأعماله وأقواله التي تطابق أقوالك وآرائك حتى لا تفضح، ولا يطلع الناس على سريرتك وفضائحك. وأنت تعلم أنني أنا الذي قتلته وحرقته لما أراد فتنة في الدين. وفسادًا في الشريعة واضطرابًا في المسلمين، وقد ذكره أسلافك وقومك، فتأتي أنت في القرن الرابع عشر وتنكر وتتنكر، وقبلك كلهم اعترفوا =
[ ١١٦ ]
ميمون النقيبة (١).
ــ
= بوجوده وأعماله القبيحة الشنيعة فلعنة الله على الكاذب والمنكر والمفتري.
﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾.
فمن الكاذب والمفتري، أنت أو صاحبك؟
وأما سيد أهل البيت فمعاذ الله أن يناله سوء سريرتك وسلاطة لسانك، ثم وكم من خطب علي تنكرها؟، وأي عدد من العبارات تنكر عليها، وها قد ذكرنا خطبة علي وتدعي موالاته من كتابك أنت، نعم أنت وقومك، فأنتم جعتموه، وأنتم علقتم عليه وحققتموه، وأنتم طبعتموه أنتم، ثم وأنتم قدمتموه إلى العالم بقولكم: ولأجل ذلك صار كتابه (أي الغارات) هذا، وسائر كتبه مرتعًا للشيعة، ومشرعًا لهم، فقلما تجد كتابًا معروفًا للشيعة يخلو من ذكره وروايته فالأولى أن نشير إلى جماعة ممن يروي عنه أو عن كتبه بلا واسطة أو معها" (مقدمة "الغارات" للثقفي ص ع).
ومعنى هذا أن هذا الكتاب من أهم مراجع الشيعة، ومنها سرقوا كثيرًا، فبفضل الله ومنّه فقد أثبتنا مرغمين أنوف المنكرين بأن عليًا بايع الصديق والفاروق، وأخلص لهما الوفاء، ويقر بذلك نفسه وهذا بعد وفاتهما، فماذا يقول المنصفون؟ ألا يقولون:
لعن الله الكاذب والمفتري.
عبد الله بن سبأ
وأما إنكار عبد الله بن سبأ اليهودي فليس إلا إنكار للحقيقة الساطعة كالشمس الطالعة في منتصف نهارها، ولم يوجد في المتقدمين أحد من أنكر وجوده، وما أدري أيهم أكثر علمًا وإلمامًا بالحقائق؟ المتقدمون أو المتأخرون، الخائفين المذعورين من والد ولدهم، ومؤسس أوجدهم، فنحن ندعو القوم ونتحداهم أن يثبتوا واحدًا من المتقدمين منهم، لا منّا، من ينكر وجوده، ويعده من الخيال والوهم =
_________________
(١) "الغارات" للثقفي ج١ ص٣٠٧، والنقيبة هي النفس، وقيل: الطبيعة "رجل ميمون النقيبة مبارك النفس، مظفر بما يحاول" كما قال ابن منظور الأفريقي، وقال ابن السكيت: إذا كان ميمون الأمر ينجح فيما حاول ويظفر، وقال ثعلب: إذا كان ميمون المشورة، وفي حديث مجدي بن عمرو: إنه ميمون النقيبة أي متنجح الفعال، مظفر المطالب" (لسان العرب لابن منظور الأفريقي ج١ ص٧٦٨)
[ ١١٧ ]
أي لم نتأخر في بيعته، ولم نبخل بالسمع والطاعة والمناصحة، لأن سيرته
ــ
=فهؤلاء وكم هم؟ ومنهم صاحبنا الذي أعجبه أن يرد علينا فيا ليت استطاع الرد، ولكم اشتقت حينما سمعت بأن واحدًا اجترأ على الرد حتى أراه وأعرفه بماذا ردّ عليّ؟ إن كان صادقًا فأعترف بخطأي، وأقر بقصوري وغلطتي، ولكم تمنيت أن شيئًا مما نقلت رد عليه بأن النقل من كتب القوم غير صحيح، أو المصدر غير موثوق، أو عبارة منسوبة غير صحيحة إلى من نسبت إليه، أو استنتجت فأخطأت الاستنتاج والاستدلال؟ وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل، وأين أنا وقد اعترف بإمكان صدوره علي بن أبي طالب المتهم بالعصمة كذبًا وافتراء، وها هو يقول: لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ" (١).
فتمنيت هذا، ولكن ولله الحمد والمنة بأن كل هذه المهاترات، والسباب والشتائم والتعريضات، والتنابز بالألقاب، والكذبات المتكررة لم تجعلني إلا ثقة واعتمادًا بأنه وفقني ﷾ بالدفاع عن أصحاب محمد - ﷺ - ورفاقه الكرام البررة، واكتشاف القوم ونواياهم وخباياهم بالواقع والحقيقة، ومن كتبهم أنفسهم، وما استطاعوا، ولن يستطيعوا أن يكذبوا شيئًا مما ذكرت اللهم إلا أن ينكروا كتبهم، ويكذبوا محدثيهم، وفقهائهم، وأئمتهم.
والجدير بالذكر أننا لم نذكر عبد الله بن سبأ نجل اليهودي عند ما ذكرناه في كتابنا "الشيعة والسنة" نقلًا عن ابن حجر العسقلاني، ولا الذهبي، ولا ابن حبان، ولا ابن ماكولا، ولا البخاري، ولا، ولا، بل ذكرناه من الكشي إمامهم في الرجال، والنوبختي إمامهم في الفرق، ومؤرخ شيعي في الروضة الصفا: وكل من الكتب الثلاثة من كتبهم هم، ألفها كبارهم، ثم، من تحقيقهم أنفسهم حتى لا يتوهم بأنه أدرج فيها من المحقق والمعلق، ثم وكيف يحق له أن يقول مسفهًا العقلاء، ومبلدًا العلماء العارفين: ولكن من هو ابن سبأ هذا؟ ومن أي جاءته هذه القدرة العجيبة؟ التي جعلتنا نشاهده مرة في مصر ومرة في العراق. مرة في البصرة ومرة في الكوفة =
_________________
(١) "الكافي في الأصول" نقلًا عن "أعيان الشيعة" ج١ ص١٣٦، إن كان احتمال الخطأ منافيًا للخلافة والإمامة فإنه حاصل لأئمتكم أنتم، فباعترافهم هم أنفسهم، وفي أقدس كتاب عندكم، فما معنى إذًا؟
[ ١١٨ ]
كانت طيبة، ونفسه كان ميمونًا مباركًا، ناجحًا في أفعاله، مظفرًا في مطالبه.
ــ
= وهو حاضر في كل وقعة، مطلع على كل حادثة، ومن أين جاءته هذه الاستطاعة التي مكنته من أن يفعل ما يشاء متى شاء، ولماذا أهمل ذكره المؤرخون الأولون، ولماذا لم يتشك منه الخليفة عثمان الذي تشكى من أبي ذر وعمار وعبد الرحمن. وفعل بهم ما فعل وهم أصحاب رسول الله والمقدرون بين المسلمين، فلماذا لم يفعل بهذا اليهودي الطارئ ما فعل بهم بل ولماذا لم يذكره في أحاديثه وشكاياته؟
إن هذا اليهودي ابن السوداء العربي السبئي الذي جمع المتناقضات، والذي لا وجود له إلا في مخيلة من أراد الاعتذار عن عثمان بن عفان لهو شيء عجيب والأعجب منه الإصرار على وجوده الخارجي مع قيام الأدلة على تكذيبه" (١).
فمن تسأل يا من لا يسفه إلا رأيه ولا يحجر إلا عقله؟ ممن تسأل، منا أو من كشيك ونوبختيك؟
فيا لضياع الحق خذلانه وظهور الباطل ونصرته والغضب له! ويا للكذب والإصرار به والخداع والتمادي به! أيضن الظانون بأنهم يستطيعون بمثل هذه الكلمات النابية الرنانة أن يرعبوا الآخرين ويبهروا الكاشفين أسرارهم، المظهرين فضائحهم وقبائحهم، ثم أعد النظرة إلى كلماته كم التمادي في الباطل والإصرار في الكذب؟ فيا لمهزلة العقل! والتطاول في التزييف والتضليل، ليقرأ المخدوع والجاهل أو غير العارف بأصل القصة والقضية فينخدع، كم هؤلاء مساكين، مهتمين بأشياء لا أصل لها ولا جذر ولا بذر ولكن من للقوم أن ينجيهم من بطش الحق وقبضة العارفين؟
ثم ويقول في محل آخر:
ونحن الشيعة غربلنا التاريخ في قضية ابن سبأ فعرفنا أن هذه الشخصية من خلق الرابع الهجري" (٢). =
_________________
(١) "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص٣١، ٣٢ ط بيروت
(٢) ملخص ما قاله ص٨٣، ٨٤
[ ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= فنحن نقول: وكيف غربت التاريخ؟ مقلبًا الحقائق، ومغمضًا عينيك التي قلما ترى الحقيقة والصدق، مغلفًا قلبك وخاتمًا عليه.
وإن لم تكن هكذا ما تلفظت بهذا القول، وما كتبت هذه الكتابة وأنت تعرف أنك لا تجد أحدًا ينصرك في هذا من قومك وقبيلتك قبل القرن الرابع عشر من الهجرة، نعم! وإلا فأتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
وأنت لم تقلد في هذا القول إلا رجالًا مثلك، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وهذا مع دعواك في مبحث التحريف "أما غيرنا وهنا الليلة فلم يقل بعدم التحريف إلا تقليدًا لمن جمع القرآن، وهذا التقليد هو الذي يسمى بالتقليد الأعمى، والذي نرفضه في الأصول والفروع، والذي ذمه الله ﷾ حينما ذم اليهود والنصارى باتباعهم الرهبان والأحبار، وأخذهم بأقوالهم من غير تمحيص. فعبر عنهم الله بالعبادة والتعبد. وهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أحلوا لهم حلالًا، وحرموا عليهم حرامًا، فأخذوا بما أمروهم من دون مجوز شرعي بل تقليدًا فعبدوهم وهم لا يشعرون" (١).
فانظر التناقض والتعارض والتخالف، وهذا كله من لوازم الكذاب الأفاك المفتري، تنكر شيئًا ثم تأتيه؟
عار عليك إذا فعلت عظيم
تنكر على السنة بأنهم قالوا بعدم التحريف في كتاب الله تقليدًا لمن جمع القرآن أي الصديق والفاروق وذي النورين، وتقلد أنت سيد حيدر، ومحمد جوار مغنية، والوردي، والشيبي، وطه حسين أو بعض المستشرقين، وكلهم أولاد هذا القرن، ولم يستندوا إلى دليل وبرهان في إنكاره، ولو استندوا ما اضطررت إلى أن تقول: إن هذه الشخصية من خلق القرن الرابع الهجري: لأن كلمة القرن الرابع نفسها تكذبك وتسفه رأيك، وتبله قولك، ولو فكرت قليلًا لما أطلقتها لأن المصدر الذي نقلنا منه حكايات ونشاطات عبد الله بن سبأ نجل اليهود هو المصدر الموثوق المعتمد الشيعي المشهور، قد ألف وأوجد في الوجود قبله بقرن أي القرن الثالث من =
_________________
(١) ص٤٩، ٥٠
[ ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= الهجرة، ألا وهو كتاب "فرق الشيعة" للنوبختي لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي المكتوب تحته بخط أسود مثل سواد قلوب الجاحدين المنكرين المكابرين - من علماء القرن الثالث للهجرة -.
وما أدري كيف استطاع الأستاذ أسد حيدر وقد أراد في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ أن يستند إلى دليل غير الكلام الفارغ والأقول اللاطائلة، المبنية على الوهم والخيال مثل تفوه الوردي والشيبي ومغنية طه حسين وغيرهم، فقال: قلما يصدر كتاب يتناول البحث عن تاريخ الإسلام (١) إلا وعبد الله بن سبأ يحتل مكانًا في البحث (٢) ويشغل صحائف الكتب - إلى أن قال - لقد حان الوقت لأن نلتفت إلى الوراء فنكشف حقيقة نشأة هذه الأسطورة - فلم لم يكشف أحد من القدامى يا أستاذ! أو تركوك أنت وأهل عصرك تتعب ويتعبون؟ ونقف على عوامل تلك الأباطيل التي طالما ظلت أيد سوداء ممتدة فوقها في سكون وصمت (٣).
فلنحن ننظر كيف يكشف، وبماذا يكشف؟ ولكنه يريد أن يمهد المسألة أكثر مما مهد فيقول:
يخطئ من يقول: بأن بحث قضية ابن سبأ من الأمور التي لا مندوحة في بحثها الآن وإثارتها في هذا العصر، فالزمن قد تغير، وهذه من دفائن الماضي، وليس من الصحيح نبش تلك الدفائن ونشر صحائف مطوية، أكل الدهر عليها وشرب.
وإننا نقول: إن هذه القضية ليست كما يتوهمه المتوهمون بأنها من الصحائف المطوية، والآثار المنسية، بل هي في كل وقت غضة جديدة لا تغيرها الأيام مهما طال زمانها، فهي تنشر في كل وقت وتجعل من الأسس التي يستند إليها أكثر كتاب عصرنا الحاضر كوسيلة للطعن على الشيعة (٤).
_________________
(١) بل تاريخ الشيعة بتعبير صحيح
(٢) وهذا هو الذي يقلق مضاجعهم، ويجعلهم إلى إنكار وجوده
(٣) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ج٦ ص٤٥٦ ط بيروت
(٤) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٥٧
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= نعم! إن هذه القضية ليست كما يتوهم المتوهمون بأنها من الصحائف مطوية، بل هي غضة جديدة في كل وقت من الأوقات عند ما يبحث تاريخ الشيعة، وجذور معتقداتهم، والأسس التي قام عليها مذهبهم، لأنها حقيقة ثابتة لا تغيرها الأيام مهما كثرت الأكاذيب، وعلت أصوات الإنكار الغير المستندة إلى دليل، ومهما طال الزمن، لأنها وسيلة لاكتشاف أصل الشيعة وأصولها، ومؤسسيها، وبناتها، والذين نسجوا حبائلها وحبائكها لاصطياد الأمة الإسلامية المجيدة، نعم! إنها هي كما قال، ثم ماذا؟
ثم بعد تسويد صفحات ستة يقول:
إن قضية ابن سبأ قد لاقت هوى في قلوب كثير من الكتّاب المستشرقين وغيرهم فأحاطوها بعناية خاصة، ومنحوها مزيدًا من البيان فأسبغوا عليها ألفاظًا براقة خلابة دبجتها أقلامهم وصاروا يكررونها ويرددونها ترديد المؤمن بصحتها، الواثق بوقوعها، وكأنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك" (١).
نعم إنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك، ولكنه يريد أن يبني عمارته على الرمال ومثلها لا تقوم، وبعد الكلام الطويل يقول: ربما يظن أن لهذه القضية مصدرًا موثوقًا به نظرًا لشهرتها وانتشارها، في عدة كتب من كتب التاريخ والأدب، ولكن كل ذلك لم يكن، وليس لها أي مصدر يمكن الركون إليه كما سنبينه إن شاء الله" (٢).
ونحن لا نملك إلا أن نمشي معه قائلًا: يا أستاذ! اترك كل هذا وبيّن؟
ولكنه لا يريد أن يترك، ثم يمشي في الهواء ويطير في القضاء إلى أن يضيع صفحات أربعة أخرى حتى يعنون بعنوان "المصدر" فيكتب: "نرى أنفسنا ملزمين بأن نستعرض مصدر هذه القصة، ونقف على المنبع الذي استقى منه الكتّاب معلوماتهم عنها، لأنا قد وجدنا بعض الكتّاب ممن يميل إلى التشكيك في صحتها، ولكنهم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك بصراحة لأنهم يظنون أنها متعددة الروايات متواترة عن =
_________________
(١) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٦٣
(٢) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٦٤
[ ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= الثقات، من المؤرخين، الأمر الذي يعو إلى عدم طرحها ولكنه ينفي المبالغات التي فيها" (١).
ثم وبعد تمهيد آخر أخذ فيه صفحة كاملة (٢) يقول:
نعم! المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد (٣) إلى ذكرها هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ صاحب التفسير الكبير، ومؤلف تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري. وهو المصدر الوحيد لهذه القصة وجميع ما يتعلق بأخبار عبد الله بن سبأ.
وأخذ عن ابن جرير كل من ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ وابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ وابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ وغيرهم (٤).
وبعد هذا أراد الأستاذ أسد أن يحمل مشقة البحث والنقد في ثقاهة الطبري ومن نقل عنهم الشهادة في كتابه في ٢٤ صفحة تقريبًا بعد ما ضيع في التمهيد ١٤ صفحة.
فنحن نقول له: يا من نهجت منهج الاستقامة والإنصاف والتدبر في النقد والاتزان" (٥).
لا نكلفك كل هذا العناء، ولا نحملك كل هذا الثقل، ونغنيك عن المشقة =
_________________
(١) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٦٨
(٢) قصدًا ذكرنا هذه الصفحات وهذه الأرقام حتى يعرف نفسية القائل، فعلماء النفس يقولون: إن الضعيف والكاذب لا يستطيع أن يأتي رأسًا إلى المقصود لأنه يعرف الضعف والكذب الذي يحاول أن يكتمه، ففي كتمانه يلف يمينًا ويسارًا حتى يطمّن نفسه أولًا بأنه استطاع إبعاد الضعف بهذا اللف والدوران، وأما الصادق والقوي فلا يحتاج إلى ذلك، بل يباشر المقصود بلا تردد والتفاتة يمينًا ويسارًا
(٣) ينبغي الانتباه والمراعاة لهذه الكلمة لأنها مقصودة، وهي أساس البناء، ولينظر بأنه كيف تحكم بالقول وتجبر
(٤) ص٤٦٩
(٥) انظر صفحة ٤٩٢ من هذا الكتاب حيث يختم البحث
[ ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= والتعب من النظر في كتب الرجال والإسناد (١)، ونختصر عليك الطريق ومن سبقك في هذا القول وتبعك، فنقول له ما قلناه سابقًا للسيد صاحب نقاب س-خ ومن معه: بأننا نحن حينما ننقل لا ننقل من الطبري، وغير الطبري، ابن الأثير وابن الكثير بل ننقل عن النوبختي، وإن النوبختي قطعًا لا ينقل عن الطبري، ولا أحد من الشيعة اتهمه بذلك، وهو وإن لم يتقدم عنه فليس بمتأخر عنه وهو معاصر لثابت بن قرة المتوفى سنة ٢٨٨هـ (٢) وهو المدار والمحور لجميع من كتب من الشيعة في الفرق، وثم ننقل أيضًا عن الرجالي الشيعي المتعصب السباب اللعان على المخالفين، المشهور بالكشي المعاصر لابن فولديه المتوفى ٣٦٩، وكتابه أهم الكتب وأولها في الرجال "ومن الأصول الأربعة التي عليها المعول في هذا الباب" (٣).
ولقد تبعهما في ذكر عبد الله بن سبأ بدون إنكار ولا ترديد كل من الطوسي الملقب بشيخ الطائفة في رجاله، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والحلي في خلاصته، والقمي في تحفة الأحباب، والخوانساري في روضات الجنات، والمامقاني في تنقيح المقال، والمرزه في ناسخ التواريخ، والتستري في قاموس الرجال، والعباسي القمي في الكنى والألقاب، وغيرهم الكثيرون الكثيرون وكلهم أخذوا من غير الطبري، فلم يكلف الأستاذ نفسه؟ ولم يتكلف بأن يبحث في الطبري =
_________________
(١) وإن أنصف الأستاذ وأمعن نظره في كتب الرجال مذهب ثلاثة أرباع مذهبه على أدراج الرياح لأنه ما قام إلا على الأساطير والقصص والأوهام والأفكار المستوردة، ولم ينقله إلا الكذابون الأفاكون الذين اشتكى عنهم أئمتهم وصلحاء أهل البيت وسادتهم، وإليك رواية واحدة منهم، ينقل الكشي عن أبي الحسن الرضا - الإمام -"كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان مغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب على محمد بن فرات، قال أبو يحيى: وكان محمد بن فرات من الكتاب فقتله إبراهيم بن شكلة" (رجال الكشي ص٢٥٦ ط كربلاء)
(٢) مقدمة "فرق الشيعة" للنوبختي ص١٤ ط نجف
(٣) مقدمة رجال الكشي ص٤
[ ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= وعقيدته، وسنده؟
ولنسهل على الأستاذ ومن والاه في هذا الزمان، الزمان الذي أخبر عنه المرتضى علي بن أبي طالب ﵁ "سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل" (١).
نعم! نسهل عليهم وعلى غيرهم أن عبد الله بن سبأ ذكر وقبل أن يذكره الطبري في تاريخه.
فها هو الثقفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي الشيعي المتعصب الذي صنف أكثر من خمسين كتابًا لرواج مذهبه وترويج مسلكه يذكر في كتابه "الغارات" الذي يعدّ من أهم مراجع القوم، وقد أكثر الرواية منه ابن أبي الحديد، والحلي، والمجلسي، والحر العاملي، والنوري، والقمي، والشيرازي، والخوئي، والمرزه محمد تقي المامقاني وغيرهم (٢).
يذكر في كتابه هذا "عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب قال: دخل عمرو بن الحمد وحجر بن عدي وحبة العوفي والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ (٣) على أمير المؤمنين ﵇ بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم فقالوا له: بيّن ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال علي ﵇: وهل فرغتم لهذا، وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتابًا أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم، فاقرؤوه على شيعتي، وكونوا على الحق أعوانًا" (٤).
والمعروف أن الطبري ألف تاريخه وجمعه بعد الثلاثمائة من الهجرة، وأما =
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٨٢ ط دار الكتاب بيروت
(٢) انظر مقدمة "الغارات" ص خط
(٣) كلهم قتلة الإمام المظلوم عثمان بن عفان ﵁
(٤) "الغارات" للثقفي ص٣٠٢، ٣٠٣ ج١ ط انجمن آثار ملى إيران
[ ١٢٥ ]
ولقد أثبت هذا الطوسي شيخ الطائفة لدى القوم في أماليه حيث يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة، ودخلت حيث أدخلني" (١).
ــ
= الثقفي فقد ألف كتابه هذا قريبًا من الخمسينات بعد المأتين من الهجرة وكانت وفاته سنة ٢٨٣هـتقريبًا، وهو شيعي متعصب مشهور، روى القوم عن تشيعه وتصلبه روايات وحكايات عديدة (٢).
فالكتاب كتابكم والمحقق هو المحدث الشيعي المعاصر المشهور، والطابع مطبعة شيعية، ونشرته لجنة شيعية المكونة لنشر كتب القوم.
فهل بعد هذا يحتاج ذاك إلى الرد بأن المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد إلى ذكرها هو أبو جعفر الطبر وهو المصدر الوحيد لهذه القصة، وههنا أحب أن أتمثل بعجز الشعر الفارسي، وأثبته أصلًا.
اين كناهيست كه در شهر شما نيز كنند
إن كانت هذه جريمة فمرتكبوها من بلدتكم أنتم، ولنعم ما قيل.
وأخيرًا نقول للأساتذة أصحاب الغيرة والنخوة من الشيعة الذين يرون أن هذا العار قد لحقهم، وهذه الوقاحة والشتيمة لزمتهم فكلما يذكر مذهبهم يذكر بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ نقول لهم: ننشدكم بالله ألا تنكرون وجوده وشخصيته تقية (٣) خوفًا من الفضيحة وكشف الحقيقة؟ لأنكم "على دين من كتمه أعزه الله، ومن اذاعه أذله الله" (٤).
ونسبتم إلى محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم لديكم - أنه قال: التقية =
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج٢ ص١٢١ ط نجف
(٢) من أاراد الاطلاع عليها فلينظر إلى ترجمته في كتاب رجال القوم، أو مقدمة الكتاب
(٣) ومن أراد الاستزادة في ذلك فليراجع كتابنا "الشيعة والسنة" فإن فيه ما يكفي للباحث ويروي الغليل، ويشفي العليل، ولا جواب عليه بفضل الله ومنه وكرمه
(٤) "الكافي في الأصول" باب التقية ج٢ ص٢٢٢ ط إيران
[ ١٢٦ ]
فبايعه علي بن أبي طالب، وسمعه، وأطاعه، وناصحه، ورضي بما أمر به،
ــ
= في كل ضرورة (١) وصاحبها أعلم بها حين تنزل به" (٢)
وإلا هل هنالك شك لشاك وريب لمرتاب أنه كان، وعقائده لا زالت كائنة =
_________________
(١) ثم وكيف يجترئ من جعل نفسه محاكمًا في كتابه "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" بقوله: والتقية التي دل عليها العقل والنقل، هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى الشرح والتوضيح. وأي عقل يقول لإنسان يواجه ذئبًا كاسرًا ثم يقول له: تقدم لهذا الذئب الكاسر واعرض نفسك أمامه وأنت أعزل لا سلاح لديك، أترى أن مثل هذا لو فعل مثل هذه الفعلة، أتراهم لا يقولون إنه انتحر وأهلك نفسه من دون غاية شريفة يقره عليها العقل ويرتضيها الشرع والعرف" (ص٤٣). وأيضًا "إن هذا الباكستاني وأمثاله ممن شتموا الشيعة لقولهم بالتقية، لو أنصفوا لنزلوا باللائمة على من ألجأهم إلى التقية، وعلى تلك المظالم التي أيدوها في كثير من العصور الإسلامية. إنهم لو فعلوا ذلك لكانوا بفعلهم أقرب إلى شريعة الإسلام المليئة بالعطف والإحسان والرحمة. ولكن كيف يفعلون ذلك ويلومونهم على ظلمهم وهم ما زالوا يرقصون على نغمهم، وينتشون من بقايا أسلافهم، ويتمرغون أمام رغباتهم، بالرغم من ذهابهم وذهاب مظالمهم. ولم يأسف هذا الباكستاني وأمثال إلا بكونه لم يشترك في تلك المظالم التي سبح بها خلفاؤه الجلادون وغاصوا بها إلى الآذان وهم في كل ذلك يعيشون في القرن العشرين، قرن الحريات والمساواة ولكن أرواحهم ما زالت منغمسة في قرن الجهالات والضلالات (ومن أحب عمل قوم حشر معهم). رحم الله صديقنا المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفر حيث قال في كتابه القيم (عقائد الإمامية) الذي رجونا أن يقرأه المسلمون في أقطار الأرض ويعرفوا الشيعة وعقائدهم ومبانيهم وإخلاصهم الديني وحبهم للإسلام والمسلمين. يقول ﵀: إن عقيدتنا في التقية قد استغلها من أراد التشنيع على الإمامية فجعلوها من جملة المطاعن فيهم، وكأنهم كان لا يشفي غليلهم إلا أتقدم رقابهم إلى السيوف لاستئصالها عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الأمويين والعباسيين بله العثمانيين" (ص٤٥، ٤٦). فيا ليت كيف يعرف من الصادق منهما؟ التابع أو المتبوع، الإمام المعصوم أم المؤتم الأثيم؟
(٢) "الكافي في الأصول" باب التقية ج٢
[ ١٢٧ ]
ودخل اللجنة التي جعلها لانتخاب الخليفة منها، وكان وزيره ومشيره وقاضيه، ولقد ذكرنا مواقع عديدة استشار فيها الفاروق من مستشاريه، وكان من بينهم عل بن أبي طالب ﵁، وعمل بمشورة فيها دون غيره كما ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي:
"إن عمر شاور أصحاب رسول الله في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور عليًا، فقال: إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء! ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا. فقال: وفقك الله! هذا الرأي" (١).
وكذلك وردت الروايات الكثيرة في المسائل القضائية أن عليًا كان في طرف والباقين في جانب آخر فرجح الفاروق قضاء عليّ ورأيه، ولقد بوب المفيد الملقب بالشيخ بابًا مستقلًا بعنوان "ذكر ما جاء من قضاياه في إمرة عمر بن الخطاب" وأورد تحته قضايا مختلفة كثيرة حكم فيها عمر بقضاء علي ﵄، ومنها:
"إن عمر أتى بحامل قد زنت فأمر برجمها فقال له أمير المؤمنين ﵇: هب أن لك سبيلًا عليها أي سبيل لك على ما في بطنها والله تعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ثم قال: فما أصنع بها؟ قال: احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من
ــ
= موجودة عند القوم يحفظونها ويتشبثون بها ويعتقدونها ويعملون بها، فالله الهادي إلى سواء السبيل، ولقد أردنا أن نفرد لعبد الله بن سبأ مختصرًا إن شاء الله ويسّر، فبيده التوفيق
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٥١، ١٥٢
[ ١٢٨ ]
يكفله فأقم عليها الحد، فسرى بذلك عن عمر وعول الحكم به على أمير المؤمنين ﵇" (١).
وأيضا ذكر المفيد:
إنه استدعى امرأة كانت تتحدث عندها الرجال، فلما جاءها رسله فزعت وارتاعت وخرجت معهم فأملصت ووقع إلى الأرض ولدها يستهل ثم مات فبلغ عمر ذلك فجمع أصحاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الحكم في ذلك فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدبًا، ولم ترد إلا خيرًا، ولا شيء عليك في ذلك وأمير المؤمنين ﵇ جالس لا يتكلم في ذلك، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فقال: قد سمعت ما قالوا: قال: فما عندك؟ قال: قد قال القوم ما سمعت، قال: أقسمت عليك لتقولن ما عندك، قال: إن كان القوم قاربوك فقد غشوك وإن كانوا ارتاؤا فقد قصروا الدية على عاقلتك لأن قتل الصبى خطأ تعلق بك فقال: أنت والله نصحتني من بينهم والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي ففعل ذلك أمير المؤمنين ﵇ (٢).
وأيضًا "عن يونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله تعالى يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ ويقول جل قائلًا: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فإذا تمت المرأة، الرضاعة سنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، كان الحمل منها ستة أشهر، فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا" (٣).
_________________
(١) "الإرشاد" ص١٠٩
(٢) "الإرشاد" ص١١٠
(٣) "الإرشاد" ص١١٠
[ ١٢٩ ]
وأيضًا "إن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضًا، فقال أمير المؤمنين ﵇: ردوها واسألوها فلعل لها عذرًا، فردت وسئلت عن حالها فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا وكان في إبله لبن، فنفذ مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكنه من نفسي فأبيت، فلما كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها، فقال أمير المؤمنين ﵇: الله أكبر ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها.
وعمل الفاروق في جميع هذه القضايا بقضاء عليّ، ونفّذ ما قاله لأنه كان يقول حسب رواية شيعية: علي أقضانا" (١).
فهذه قضاءاته، وتلك مشوراته، أفبعد هذا يمكن القول بأن عليًا كان يخالف عمر ﵄، أو كان بينهما شيء؟، حتى ويقال إنه لم يبايعه هو وذووه.
فهل يتصور أن شخصًا لا يعترف ولا يقرّ بولاية أحد وخلافته ثم يشترك في الشورى في المسائل المهمة والنوائب الملمة، ويبدي رأيه الصائب، ويؤخذ بقوله ويقضى بين الناس، وينفذ قضاؤه؟.
وأكثر من ذلك وأصرح ما ورد أنه لم يكن قاضيًا ومشيرًا ووزيرًا لصهره ونائب رسول الله - ﷺ - وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب فحسب، بل كان نائبًا له في الحكم والحكومة فأنابه عمر سنة ١٥ من الهجرة لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين وشاور أصحابه فمنعه علي، وقال له: لا تخرج
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص٢٥٦ ط نجف
[ ١٣٠ ]
بنفسك، إنك تريد عدوًا كلبًا، فقال عمر: إنص أبادر بجهاز العدو موت العباس ابن عبد المطلب إنكم لو فقدتم العباس لينقض بكم الشر - فانظر حب الفاروق لأهل بيت النبي وخاصة لعمه - كما ينتقض الحبل" (١).
فشخص عمر إلى الشام.
"وإن عليًا ﵇ هو كان المستخلف على المدينة" (٢).
هذا ولقد ذكر المؤرخون أن الفاروق ﵁ أناب المرتضى ﵁ ثلاث مرات في الحكم وعلى عاصمة المؤمنين سنة ١٤ من الهجرة عندما أراد غزو العراق بنفسه. وسنة ١٥ عند شخوصه لقتال الروم" (٣).
وعند خروجه إلى أيلة سنة ١٧ من الهجرة" (٤).
ولأجل ذلك قال علي ﵁ لما عزموا على بيعته: أنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا" (٥).
يشير بذلك إلى وزارته أيام الصديق وخاصة عصر الفاروق ﵃.
ولأجل ذلك كان يقاتل هو وبنوه وأهله وذووه تحت رايته، ويقبلون منه الغنائم والهدايا والجواري والسبايا، ولو لم يكن خلافته حقًا لما كان القتال تحت رايته جهادًا، ولم يكن الجواري والإماء جواريًا وإماءً، ولم يجز قبولها والتمتع بها، وقد ثبت هذا كله كما ذكرناه سابقًا، وكما روى الشيعة أن حسن بن علي سبط رسول الله ﵊ قاتل تحت لواء الفاروق، وجاهد أيام خلافته وتحت توجيهاته وإرشاداته في الجيش الذي أرسل إلى غزو إيران
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٢ جزء ٨ ص٣٧٠
(٢) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٢ جزء ٨ ص٣٧٠
(٣) البداية والنهاية لابن كثي ج٧ ص٣٥ وص٥٥ ط بيروت، أيضًا "الطبري" ج٤ ص٨٣، وص١٥٩ ط بيروت
(٤) الطبري
(٥) نهج البلاغة ص١٣٦ تحقيق صبحي
[ ١٣١ ]
ويقولون: إن في أصفهان مسجدًا يعرف بلسان الأرض! ولقد سمي بهذا الاسم لأن حضرة الإمام الحسن المجتبى ﵇ لما جاء إلى أصفهان أيام خلافة عمر بن الخطاب مجاهدًا في سبيل الله غازيًا وفاتحًا لهذه البلاد مع عساكر الإسلام نزل في موضع هذا المسجد فكلمت معه الأرض فسميت هذه البقعة لسان الأرض لتكملها معه" (١).
وهذا وذلك دليل صدق على ما قلناه.
وأخيرًا نريد أن نختم هذا البحث على مظهر يدل دلالة واضحة على حب أهل البيت الفاروق الأعظم رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك المظهر هو تسمية أهل البيت أبنائهم باسم الفاروق عمر، حبًا وإعجابًا بشخصيته، وتقديرًا لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة، ولما قدم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة، وإقرارًا بالصلات الودية الوطيدة والتي تربطه بأهل بيت النبوة، والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم.
فأول من سمى ابنه باسمه الإمام الأول المعصوم الذي لا يخطئ حسب معتقد القوم، ولقد سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية التي منحها الصديق أبو بكر ﵁، عمر كما ذكر المفيد واليعقوبي والمجلسي والأصفهاني وصاحب الفصول، فيقول المفيد في باب "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسماءهم": فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولدًا ذكرًا وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين . (٦) عمر (٧) رقية كانا توأمين أمهما أم حبيب بنت ربيعة" (٢).
ويقول اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكرًا الحسن والحسين ومحسن مات صغيرًا، أمهم فاطمة بنت رسول الله .. وعمر، أمه
_________________
(١) "تتمة المنتهى" للعباس القمي ص٣٩٠ ط إيران
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص١٧٦
[ ١٣٢ ]
أم حبيب بنت ربيعة البكرية" (١).
وأما المجلسي فيذكر "عمر بن علي من الذين قتلوا مع الحسين في كربلاء، وأمه أم البنين بنت الحزام الكلابية" (٢).
وصاحب الفصول يقول تحت ذكر أولاد علي بن أبي طالب: وعمر من التغلبية، وهى الصهباء بنت ربيعة من السبي الذي أغار عليه خالد بن الوليد بعين التمر، وعمّر عمر هذا حتى بلغ خمسة وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي ﵇، وذلك أن جميع إخوته وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين (ع) - يعني أنه لم يقتل معهم - بالطف فورثهم" (٣).
هذا وتبعه الحسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب ﵃، فسمى أحد أبنائه عمر أيضًا.
يكتب المفيد في باب "ذكر ولد الحسن بن علي ﵉ وعددهم وأسماؤهم".
"أولاد الحسن بن علي (ع) خمسة عشر ولدًا ذكرًا وأنثى (١) زيد . (٥) عمر (٦) قاسم (٧) عبد الله أمهم أم ولد" (٤).
ويقول المجلسي:
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٣، كذلك "مقاتل الطالبين" ص٨٤ ط بيروت
(٢) "جلاء العيون" فارسي، ذكر من قتل مع الحسين بكربلاء ص٥٧٠
(٣) "الفصول المهمة" منشورات الأعلمي طهران ص١٤٣، "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب" ص٣٦١ ط نجف، "تحفة الإهاب" ص٢٥١، ٢٥٢، "كشف الغمة" ج١ ص٥٧٥
(٤) "الإرشاد" ص١٩٤، "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢٢٨، "عمدة الطالب" ص٨١، "منتهى الآمال" ج١ ص٢٤٠ "الفصول المهمة" ص١٦٦
[ ١٣٣ ]
كان عمر بن الحسن ممن استشهد مع الحسين بكربلاء" (١).
ولكن الأصفهاني يرى أنه لم يقتل، بل كان ممن أسر فيقول:
وحمل أهله (الحسين بعد قتله) أسرى وفيهم عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب" (٢).
وابنه الثاني من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - الحسين ﵁ أيضًا سمى أحد أبنائه باسم عمر، كما ذكر المجلسي تحت ذكر من قتل من البيت مع الحسين بكربلاء "قتل من أبنائه الحسين كما هو المشهور على الأكبر، وعبد الله الذي استشهد في حجره، وبعضهم قالوا: أيضًا قتل من أبنائه هو عمر وزيد" (٣).
هذا ومن بعد الحسين ابنه علي الملقب بزين العابدين سمى أحد أبنائه أيضًا باسم عمه وزوجة عمته وصديق جده، عمر، كما ذكر المفيد في باب "ذكر ولد علي ﵇" قال: ولد علي بن الحسين ﵉ خمسة عشر ولدًا (١) محمد المكنى بأبي جعفر الباقر (ع) أمه أم عبد الله بنت الحسن (٦) عمر لام ولد" (٤).
وأما الأصفهاني فيذكر أن عمر هذا كان من أشقاء زيد بن على من أمه وأبيه كما يقول تحت ترجمة زيد بن على: وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيدًا وعمر وعليًا وخديجة . اشترى المختار جارية بثلاثين
_________________
(١) "جلاء العيون" ص٥٨٢
(٢) "مقاتل الطالبين" ص١١٩
(٣) "جلاء العيون" للمجلسي ص٥٨٢
(٤) "الإرشاد" ص٢٦١، "كشف الغمة" ج٢ ص١٠٥، "عمدة الطالب" ص١٩٤، "منتهى الآمال" ج٢ ص٤٣، "الفصول المهمة" ص٢٠٩
[ ١٣٤ ]
ألفًا، فقال لها: أدبري فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحدًا أحق بها من علي بن الحسين فبعث بها إليه وهى أم زيد بن على" (١).
والجدير بالذكر أن كثيرًا من أولاد عمر هذا خرجوا على العباسيين مع من خرج من أبناء عمومتهم (٢).
وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم - الإمام السابع لدى القوم - سمى أحد أبنائه باسم عمر كما ذكر الأربلي تحت عنوان أولاده (٣).
فهؤلاء الأئمة الخمسة المعصومون لدى القوم يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له وبعد وفاته بمدة.
أوَ هناك مظهر أكبر من هذا المظهر على ودهم وإخلاصهم لشخصية إسلامية فذة، وعبقري لم يفر أحد فريه، عمر بن الخطاب ﵁.
وبعد هؤلاء الوجوه جرى هذا الاسم في أولادهم كما ورد ذكر أولئك في كتب الأنساب والتاريخ والسير، وأورد بعضًا منها الأصفهاني في "المقاتل" والأربلي في "كشف الغمة" يقول الأصفهاني:
فمن الذين خرجوا طلبًا للحكم والحكومة من الطالبيين مثل يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج أيام المستعين.
وعمر بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين "الذي خرج مع الحسين المعروف بصاحب فخ أيام موسى الهادي" (٤).
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" ص١٢٧
(٢) "وتفاصيلهم موجودة في "المقاتل" وغيره من كتب هذا النوع
(٣) "كشف الغمة" ص٢١٦
(٤) "مقاتل الطالبين" للأصفهاني ص٤٥٦ ط بيروت
[ ١٣٥ ]
و"عمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن" (١).
إلى يومنا هذا غير هذا الشيعة منهم.
ولكننا اكتفينا بالخمسة الأول لما لهم حجة على القوم لقولهم بعصمتهم وإمامتهم، فهذا هو موقف أهل البيت من صاحب رسول الله - ﷺ -، عمر الفاروق الأعظم، ﵃ أجمعين، مثل الصديق ﵁ كانوا يجلونه، ويوقرونه، ويعظمونه، ويتولونه، ويخلصون له الوفاء والطاعة، ويحيون اسمه بعده بتسمية أبنائهم باسمه، ويصاهرونه، ويتقربون إليه.