وكان للصديق مَنّ على عليّ المرتضى ﵄ حيث توسط له في زواجه من فاطمة ﵂ وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود على نكاحه بطلب من رسول الله - ﷺ - مما يرويه أحد أعاظم القوم ويسمى بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: سمعت علي بن أبى طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله - ﷺ - ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا علي وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال يا علي! صدقت، فأنت أفضل مما تذكر، فقلت: يا رسول الله! فاطمة تزوجنيها" (١).
وأما المجلسي الذي لا يستطيع أن يذكر أصحاب النبي وخاصة الصديق والفاروق إلا ويسبق ذكرهم بالسباب القبيحة والشتائم الفضيحة والألقاب الخبيثة الرديئة مثل "الملاعين" و"مسودي الوجوه" و"الشياطين" - عياذًا بالله - كما سيأتي بيانها في محلها، فالمجلسي اللعان هذا يذكر هذه الواقعة ويزيدها بيانًا ووضوحًا حيث يقول: في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوسًا في مسجد رسول الله - ﷺ -، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة (٢) ﵍.
فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبي ولكن الرسول قال لهم بأن الأمر في ذلك إلى الله - ونظن أنها لعلي بن أبي طالب - وأما علي بن
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص٣٨
(٢) كم كان أصحاب رسول الله الصادق الأمين ﵇ البررة يتفكرون في أمور النبي - ﷺ -، ويهمهم ما كان يهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه لحبهم النبي، ووفائهم به، ما أجمل المطاع وما أحسن الاتباع
[ ٧٣ ]
أبي طالب فلم يتقدم بطلبها إلى رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثم قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلى علي بن أبي طالب لنشجعه ونكلفه بأن يطلب ذلك من النبي، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك (١) فأجاب سعد ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلى بيت أمير المؤمنين ﵇ فلما وصلوا إليه سألهم ما الذي أتى بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن! ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة، فلما سمع عليّ هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت وهيجت الأماني والأحلام التي كتمتها (٢) منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟، ولكن يمنعني من ذلك فقري (٣) واستحي منه بأن أقول له وأنا في هذا الحال الخ (٤).
_________________
(١) وكم كانوا رحماء بينهم، متوادين، متحابين، متعاطفين رغم أنوف القوم وزعمهم؟
(٢) وليس عند القوم حياء حتى يختلقون القصص كهذه قصصًا خرافية، وعبارت سافلة منحطة، وينسبونها إلى الشخصيات المباركة المقدسة؟ أهم منتهون؟
(٣) وما فقره؟ فروى الشيعة المغالون عنه كالقمي والمجلسي ما نصه: لما أراد رسول الله أن يزوج فاطمة من عليّ أسرّ إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداد البطن، طويل الذراعين، ضخ الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشًا كمشاش البعير، ضاحك السن، لا مال له؟ - والرسول لم ينكر هذه الأوصاف فيه - بل قال - حسب رواية القوم -: يا فاطمة! أما علمت أن الله أشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين، ثم اطلع فاختارك على نساء العالمين، يا فاطمة! إنه لما أسري بي إلى السماء وجدت مكتوبًا على صخرة بيت المقدس "لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره" فقلت: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب" ("تفسير القمي" ج١ ص٣٣٦، أيضًا "جلاء العيون" ج١ ص١٨٥)
(٤) "جلاء العيون" للملا مجلسي ج١ ص١٦٩ ط كتابفروشي إسلامية طهران، ترجمة من الفارسية
[ ٧٤ ]
ثم وأكثر من ذلك أن الصديق أبا بكر هو الذي حرض عليًا على زواج فاطمة ﵃، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج وأعدها بأمر من رسول الله إلى الخلق أجمعين - ﷺ - كما يروي الطوسي أن عليًا باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول.
"ثم قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله (- ﷺ -) الذين كانوا معه الباقي" (١).
هذا ولا هذا فحسب بل الصديق ورفاقه هم كانوا شهودًا على زواجه بنص الرسول - ﷺ - وطلب منه كما يذكر الخوارزمي (٢) الشيعي والمجلسي والأربلي أن الصديق والفاروق وسعد بن معاذ لما أرسلوا عليًا إلى النبي - ﷺ - انتظروه في المسجد ليسمعوا منه ما يثلج صدورهم من إجابة الرسول وقبوله ذلك الأمر، فكان كما كانوا يتوقعون، فيقول علي: فخرجت من عند رسول الله (- ﷺ -) وأنا لا أعقل فرحًا وسرورًا، فاستقبلني أبو بكر وعمر، وقالا لي: ما ورائك؟ فقلت: زوجني رسول الله (- ﷺ -) ابنته فاطمة ففرح بذلك فرحًا شديدًا ورجعا معي إلى المسجد فلما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله، وإن وجهه يتهلل سرورًا وفرحًا، فقال: يا بلال! فأجابه فقال: لبيك يا رسول الله! قال: اجمع إلى المهاجرين
_________________
(١) "الأمالي" ج١ ص٣٩، أيضًا "مناقب" لابن شهر آشوب المازندراني ج٢ ص٢٠ ط الهند، أيضًا "جلاء العيون" فارسي ج١ ص١٧٦
(٢) هو أبو المؤيد الموفق بن أحمد الخوارزمي الشيعي "فقيه محدث خطيب شاعر، له كتاب في مناقب أهل البيت ﵈، توفي سنة ٥٦٨، وخوارزم اسم لناحية إحدى قرى الزمخشر" (الكنى والألقاب ج٢ ص١١، ١٢)
[ ٧٥ ]
والأنصار فجمعهم ثم رقي درجة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر الناس إن جبرئيل أتاني آنفا وأخبرني عن ربي ﷿ أنه جمع ملائكته عند البيت المعمور، وكان أشهدهم جميعًا أنه زوج أمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده علي بن أبى طالب، وأمرني أن أزوجه في الأرض وأشهدكم على ذلك" (١).
ويكشف النقاب عن الشهود الأربلي في كتابه "كشف الغمة" حيث يروي: "عن أنس أنه قال كنت عند النبي - ﷺ - فغشيه الوحى، فلما أفاق قال لي: يا أنس! أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله - ﷺ - بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم إني أشهدكم أني زوجت فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضة" (٢).
هذا ولما ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصديق، الرفيق الجد الحسن في الغار والصديق لوالده علي، والمساعد القائم بأعباء زواجه كان يحمله على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه ويقول: بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي" (٣):
وبنفس القول تمسكت فاطمة بنت الرسول ﵂ (٤).
وكانت العلاقات وطيدة إلى حد أن زوجة أبى بكر أسماء بنت عميس هي
_________________
(١) "المناقب" للخوارزمي ص٢٥١، ٢٥٢، أيضًا "كشف الغمة ج١ ص٣٥٨، أيضًا "بحار الأنوار" للمجلسي ج١٠ ص٣٨، ٣٩، أيضًا جلاء العيون" ج١ ص١٨٤
(٢) "كشف الغمة" ج١ ص٣٤٨، ٣٤٩ ط تبريز، "بحار الأنوار" ج١ ص٤٧، ٤٨
(٣) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١١٧
(٤) انظر لذلك "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١١٧
[ ٧٦ ]
التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبي ﵇ ورضي الله عنها في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة وشاركها في غسلها وترحيلها إلى مثواها "وكان (علي) يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استمرار بذلك" (١).
و"وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها فعمات أسماء بها" (٢).
و"هي التي كانت عندها حتى النفس الأخير، وهى التي نعت عليًا بوفاتها" (٣).
و"كانت شريكة في غسلها" (٤).
وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية لتسأله عن أحواله بنت النبي - ﷺ - خلاف ما يزعمه القوم.
"فمرضت (أي فاطمة ﵂) وكان علي (ع) يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ " (٥).
ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقة لها.
و"لما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليًا ويقولان: يا أبا الحسن! لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله" (٦).
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص١٠٧
(٢) "جلاء العيون" ص٢٣٥، ٢٤٢
(٣) "جلاء العيون" ص٢٣٧
(٤) "كشف الغمة" ج١ ص٥٠٤
(٥) "كتاب سليم بن قيس" ص٣٥٣
(٦) "كتاب سليم بن قيس" ص٢٥٥
[ ٧٧ ]