الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على نبيه محمد المصطفى، الذي تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يضل سالكها، ولا يهتدي تاركها، وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى، وزين الورى، ومن أحبهم إلى يوم الفناء وزوال الأرض والسماء.
وبعد فإنني ألفت قبل السنوات التسعة كتابًا حول عقائد الشيعة ردًا على من أراد التمويه والتزوير لأهل السنة في بلادهم ومدنهم باسم التقريب، أي تقريب السنة إلى الشيعة والتشجيع، مستعملًا فيه التقية اللازمة لمذهبهم، والأكاذيب التي هي أكبر وسيلة للقوم.
فحمدًا لله أفاد الكتاب الأقارب والأباعد، الأحباء والأغيار بصورة لم أكن أتصوره آنذاك، وصار مرجعًا للمخلصين الأوفياء لأصحاب محمد - ﷺ -، ومثلجًا صدور المؤمنين، المتبعين أسلاف هذه الأمة وأكابرها الذين حملوا راية الله إلى الآفاق، وكسروا شوكة أعداء الله، جبابرة الأمم وطغاتها، وفرح به الأصاغر والأكابر.
وعرف الجميع حقيقة القوم التي طالما خفيت على كثير من الناس الذين خدعوا بالأباطيل والنعرات والهتافات بحب آل البيت، واتباعهم، وموالاتهم.
وعرفوا أن القوم يدينون بدين هو غير دين الله الذي جاء به محمد بن عبد الله، نبي الله وصفيه صلوات الله وسلامه عليه، ويؤمنون بالقرآن غير القرآن الموجود في أيدي الناس، والمنزل من الله على قلب المصطفى، نزل به الروح الأمين
[ ٣ ]
- ﷺ -، ولهم عقائد ومعتقدات لا تمت إلى الإسلام بصلة والإسلام منها بريء.
كما علموا بغض القوم وحقدهم على أصحاب الرسول - ﷺ - وشتائمهم وسبابهم إياهم، ولعله أول مرة بذكر المصادر الموثوقة، والكتب المعتمدة لدى القوم، وبعباراتهم أنفسهم مع ذكر الصفحة والمجلد والطبعة.
وعرفوا كذلك التقية الشيعية ومعتقدهم في الأئمة، وجعلهم فوق الأنبياء والرسل، بل وقريبًا من الإله الواحد، الفرد، الصمد.
وذمهم من قبل أئمتهم وأهل البيت إياهم، عرفوا كل ذلك، وأدركوا خطرهم ومكرهم وما يكتمون وراء دعوتهم أهل السنة إلى التقريب والتقارب.
وأحدث الكتاب ضجة كبرى في الأوساط الشيعية لافتضاح أمرهم واكتشاف سرهم حتى صرخ أحد مؤلفيهم الذي عبثا حاول الرد على الكتاب بقوله: خذ صفحة من كتاب "الشيعة والسنة" واقرأه وانظر ما فيه، ستجد كلامي حقًا لا شبهة فيه وستجد أن هذا الرجل يحاول أن يثير الرأي العام على الشيعة - إلى أن قال - وفقت في هذا العام لأداء العمرة المفردة فوجدت أن كلمات هذا الرجل تتردد على أفواه بعض المنسبين للعلم أكثر من السنين السابقة فهم يرددون تلك الكلمات كما تردد الببغاء كلماتها المحفوظة، فعلمت أن هذا من تأثير ذلك (١).
كما كتب لي أحد أئمة الشيعة من الكاظمية من العراق وهو يلومني "وفي إحدى الجمعات وجدت أحد الأصدقاء والأحباء المخلصين لي من بغداد وهو قد استمع إلى خطبتي حسب العادة ولكنه انصرف قبل إقامة الصلاة، ولما سألته بعد ذلك عن سبب انصرافه قبل الصلاة؟ قال: لأني لا أجيزها خلفك، فازداد
_________________
(١) "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص٢٥، ٢٦ لصاحب ألقاب س-خ وقد يأتي ذكر هذا الكتاب في الصفحات الآتية
[ ٤ ]
استغرابي فقلت: وما الذي حدث؟ قال: إني قرأت "الشيعة والسنة" لأحد علماء باكستان وقرأت فيه ما جعلني أعتقد فيكم ما لم أكن أعتقده قبل ذلك، ولكني لشغفي بكم وبحبي لخطابكم جئت لأستمع الخطبة وأما الصلاة فلا (١).
فكتبت ردًا عليه، في يومه وها أنا ذا أجيب، السيد، س-خ إن كان ما كتبه غلطًا وكذبًا فبينوا وتؤجروا، وإن كان صحيحًا فارجعوا إلى الحق واتركوا ما ترون في إظهاره فضيحة وعارًا لكم في الدنيا، وسيكون في الآخرة أشد".
وعند الله في ذاك الجزاء
وسنة ٨٠ الميلادية لقيني في الحج بمكة المكرمة بعض العلماء الكبار من الشيعة وتكلموا حول كتابي وقالوا: لا ينبغي كتابة مثل هذا الكتاب في مثل هذه الظروف والآونة فقلت لهم: نعم، ولكم حق، ولكن هل لكم أن تخبروني أن في الكتاب غير ما هو موجود في كتبكم أنتم؟
فقالوا: نعم، كل مافيه من كتبنا نحن ولكن لا ينبغي إثارة المسائل كهذه، فقلت: ماذا تريدون؟
قالوا: وهم يطيرون فرحًا وسرورًا من استماعي وإصغائيلهم: صادر هذا الكتاب وأحرقه ولا تطبعه ثانية.
قلت: موافق، ولكن بشرط؟
أجابوا وهم لا يصدقون قولي من شدة الفرح: بشروط ومقبولة قبل أن تذكرها. فقلت: ولابد من الذكر، وشرط واحد؟
هات وما هو؟
قلت: أن تصادروا جميع تلك الكتب التي نقلت عنها هذه الخرافات والخزعبلات. وإحراقها حتى لا يبقى بعد ذلك خلاف قطعًا وأبدًا، ولا ينقل
_________________
(١) خطاب الشيخ .. خطيب الجمعة في الكاظمية، بغداد
[ ٥ ]
عنها أحد غيري وبعدي، نستأصل الجذر حتى لا تطلع منها شجرة.
فرجعوا إلى أنفسهم وقالوا: إنك تعرف أن هذه الأشياء كانت مبعثرة، منتشرة في أوراق الكتب وصفحاتها، ولم يكن في متناول كل أحد، ولكنك ألفت وجمعتها كلها في كتاب، وأردت أن تفرق بها كلمة المسلمين؟
نعم! جمعت وألفت وجعلت هذه العقائد في متناول الجميع بعد أن كانت معروفة لدى قوم واحد، والآخرون كانوا في غفلة منها وعدم العلم، ألفت حتى يكون كلا الطرفين على بينة ومعرفة لا يخدع واحد دون أحد حتى يكون التقارب، التقارب الحقيقي، ومن جانبين، لا من جانب واحد كما قال الفضل بن عباس:-
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم إن لا تحبونا
وأما أن يكون بأن نكرمكم ونكرم أكابركم وأعيانكم وأنتم تبغضوننا وتبغضون أسلاف هذه الأمة ومحسنيها، وباني مجدها، ورافعي شمخها، ومعلني كلمتها، الفاتحين الغزاة، المجاهدين الكماة.
ونصدق لكم في القول ونظهر ما في قلوبنا ونفوسنا وتستعملون التقية وتبطنون خلاف ما تعلنون فلا يكون ولن يكون.
نعم! إن وجد في كتابي ما لا يوجد في كتبكم، ونسبت إليكم شيئا لم يكن فيكم فأنا مدبن، وهل فيكم وفي غيركم أحد يستطيع أن يثبت شيئا من هذا؟
فالحمد لله الذي لا أحمد أحدًا سواه، ولا أستطيع أن أحمده كما يليق بشأنه وعظمته، لم يستطيع أحد لا في العرب ولا في العجم بأن يجترئ ويقدم على ذلك مع كثرة ما كتب ردًا على.
وحتى السيد - س-خ عندما عجز عن ذلك اصطنع رسائل واخترع خطابات لم تحملها البريد أبدًا ومن الفتيات في الإمارات العربية (١).
_________________
(١) انظر لذلك "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص١٤٥، ١٤٦
[ ٦ ]
والفتيات التي قال فيه عنهن الشاعر قديمًا:-
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
ومن الغرائب أن الرسائل أرسلت إلى حسب قوله بباكستان ولكنها وصلت إليه في لبنان.
لهم قلوب لا يفقهون بها
ولا يسعني إلا أن أقول له: عبثًا يا سيد، س-خ! كفلت نفسك بالرد أنت - وغيرك مثلك - (١).
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وعلى كل فإن الكتاب ومع صغر حجمه كان كثير الفائدة والنتائج، وكان الإقبال عليه مدهشًا حتى طبع منه خلال هذه السنوات القليلة أكثر من مائة ألف نسخة طباعة شرعية أعنى ما طبع منه بإذن مني، وأما الغير الشرعية فالله يعلم (٢)، هذا باللغة العربية، أما باللغات الأخرى الفارسية وغيرها فغير محسوب.
أما هذا الكتاب، فكتاب مستقل عن ذلك، وأقصد من كتابته أولًا هو تعريف الشيعة، وتبيت حقائقها، وإظهار خفاياها، وإلقاء الأضواء عليها، وعلى المسائل التي اخترعوها، والعقائد التي ابتكروها وأوجدوها - للشيعة أنفسهم -.
لأننا أدركنا القوم أنفسهم وخاصة العوام منهم لا يعرفون مذهبهم الحقيقي، ومعتقداتهم الأصلية (٣). فهم في جهل كامل، وغفلة عميقة عن حقيقة مذهبهم
_________________
(١) والكتب الأخرى التي ردت بها عليّ لا تختلف عن هذا الكتاب
(٢) مثلما طبع في بعض البلاد العربية
(٣) نعم! الأصلية وأما العقائد التي يبديها ويظهرها بعض منهم أمام السنة من إنكار التحريف وغيره فليس الغرض منها إلا خداع السنة عملًا بالتقية
[ ٧ ]
الذي اعتنقوه وراثة، أو مخدوعين باسم حب أهل البيت النبي والولاء لهم، وهم لا يعرفون حتى وأهل البيت، لأن القوم ما أرادوا من أهل البيت أهل بيت النبي، بل يقصدون من وراء هذه الكلمة أهل البيت علي لا نبي، وحتى علي لا يعدون جميع أولاده من أهل البيت مع من فيهم بناته اللاتي أنجبتهم فاطمة ﵂ بنت النبي - ﷺ -، بل يقصدون من ذلك أشخاصًا معدودين يعدون على أنامل يد واحدة كما سيرى القارئ في الكتاب.
فأولًا وأصلًا كتبنا هذا الكتاب لأولئك المخدوعين، المغترين، الغير العارفين حقيقة القوم وأصل معتقداتهم كي يدركوا الحق ويرجعوا إلى الصواب إن وفقهم الله لذلك، ويعرفوا أن أهل البيت - نعم - وحتى أهل بيت علي ﵃ أجمعين لا يوافقون القوم ولا يقولون بمقالتهم، بل هم على طرف والقوم على طرف آخر، وكل ذلك من كتب القوم وبعباراتهم هم أنفسهم، وهذا مع ادعائهم اتباعهم وإطاعتهم وولائهم وموالاتهم.
كما يكون الكتاب حجة قاطعة وبرهانًا ساطعًا في أيدي السنة، مطيعي كتاب الله وسنة رسوله ﵊، ومحبي الصحابة، ومتبعي السلف الصالح لهذه الأمة، والسالكين مسلكهم، والمقتفين آثارهم، والمتبعين منهجهم.
طبقًا لقول الله ﷿: والذين اتبعوهم بإحسان.
ومصداقًا لقوله جل وعلا: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم﴾ (١).
ومن الطرائف أن القوم لشدة بغضهم أصحاب رسول الله العظيم صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله عليهم أجمعين، نبذوا وحتى تعليمات أئمتهم الذين يزعمونهم معصومين، لا يصدر عنهم الخطأ والزلل، والثابتة في كبهم أنفسهم، لا في كتب مخالفيهم ومعانديهم.
_________________
(١) سورة التوبة الآية١٠٠
[ ٨ ]
كما نسوا تلك الروابط والعلائق كانت تربطهم مع الآخرين من الصديق، والفاروق، وذي النورين، ومعاوية خال المؤمنين، وغيرهم من أجلة صحبة الرسول - ﷺ -، ورفاقه، ووزرائه، ومستشاريه، وتلامذته، ومريديه ﵃ أجمعين والمذكورة المحفوظة في كتبهم أيضًا.
والقارئ يرى العجائب الناطقة إن شاء الله في هذا الموضوع الذي لعله يكون فريدًا في نوعه بهذه السعة والثبوت بتوفيق الله إياي، ومنّه. وكرمه، ويندهش بعد ما يرى دلائل الصدق تبدد غيوم الضغائن القديمة والأحقاد المتوارثة والجهل السائد الموروث من جيل إلى جيل باسم أهل البيت وعلى حسابهم، أهل البيت الذين كانوا هم أخلص المخلصين لرفاق رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والمتوادين، المتعاطفين، المتراحمين، المتحابين ما بينهم، المتزوجين منهم والمزوجين لهم.
ويرى القارئ أيضا كيف أخرجنا وأثبتنا كل هذا ووضعنا النقاط على الحروف من خلال كتبهم الكثيرة الكثيرة المعتمدة، ومن بين خفاياها وزواياها التي طالما غطوها، وغلفوها بغلافات كثيفة، كثيرة، وستروها وأخفوها عن العامة خوفًا من الفضيحة، وشكرًا لله لم نحتج ولا إلى كتاب واحد لإثبات الحق وإبطال الباطل، وكشف النقاب عن وجه الحقيقة، وإماطة اللثام عن جبين الصدق، إلى كتاب واحد ولا إلى رواية واحدة ولو تاريخية غير روايات القوم وكتبهم، ولم يكن هذا إلا بمنّ الله علينا، حتى يكون أقطع للحجة وأثبت، وألزم للقوم وأفهم ولا يبقى أمامهم مجال للهرب، ولا للفرار، ولا لتأويل، ولا لتزوير.
فكُتُب القوم تشهد عليه، ورواياتهم تنطق ضدهم "ويوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون" وأئمتهم يشهدون عليهم بأنهم خالفوهم في حياتهم، ويخالفونهم بعد وفاتهم، وهم أثبتوا بأنهم فعلا خالفوهم ولا زالوا يخالفونهم، يعملون ضد ما أمروا، ويتفوهون بما لم يؤمروا، ويعاندون من والوهم، ويسبون من صاهروهم ويشتمون من استشاروهم واستوزروهم،
[ ٩ ]
ثم لم يقتصروا على ذلك فحسب، بل تجاوزوا إلى إهانة أهل البيت أنفسهم، والطعن والنقد والجرح فيهم، واستصغارهم واحتقارهم، ووصلوا إلى حد الإساءة والسباب والشتيمة في حقهم كما تجرؤا على أنبياء الله ورسله، وتطاولوا على خير الخلق وسيد البشر صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين.
كذبوا عليهم، ونسبوا إليهم مسائل يمجها العقل، ويزدريها الفكر، وتأباها الفطرة السليمة، وينكرها الذوق، وكل هذا من كتبهم الموثوقة. المعتبرة، المعتمدة لديهم، والتي طبعوها أنفسهم أيضًا بثبت المصادر والمراجع، وبذكر الصفحات، والمجلدات، والطبعات بالأرقام والحروف.
ولا نظن أن يجترئ أحد منهم على أن يكذب ما ذكرناه، أو ينكر ما أثبتناه إن شاء الله.
ونعتقد أن الله ينفع بهذا الكتاب أناسًا كما نفع بسابقه وأن يهدي به من أراد هدايته.
وبذلك نرى أننا وفينا الوعد الذي وعدنا به في كتابنا الأول بأن نتبعه بكتاب آخر، وهاهو ذا الكتاب نقدمه اليوم بين أيدي القراء راجين منهم أن يخبرونا بآرائهم حوله، وهل يحتاجون بعد هذا إلى مختصر آخر حتى نعده لهم، ونقدمه إليهم؟ لأننا أثناء تصفحنا كتب القوم وجدنا أشياء كثيرة كانت غامضة وخافية وحتى علينا نحن، ولعل الله يهيئ الأسباب لإخراجها من دفائن الكتب وطياتها، وإبرازها للناس، وما ذلك على الله بعزيز.
وأخيرًا لا يسعني إلا وأن أذكرههنا أم المشائخ والاخوة الكثيرين لهم يد كبير في تأليف هذا الكتاب وإبرازه للناس حيث ألحوا على بمواصلة الكتابة حول هذا الموضوع الذي ازداد احتياج الناس اليه في الآونة الأخيرة لعدم معرفتهم المعرفة الحقيقية معتقدات القوم الأصلية ومواقفهم تجاه سلف هذه الأمة ومحسنيها وكثرة اشتغال الكتاب والمؤلفين من الشيعة بالكتابة ضد السنة وأسلافهم.
[ ١٠ ]