هذا ونريد بعد ذلك أن نبّين موقف أهل البيت من ثاني اثنين إذ هما في الغار، من الصديق الأكبر ﵁، فيقول فيه ابن عم النبي وصهره، زوج ابنته، ووالد سبطيه علي بن أبى طالب ﵁ وهو يذكر بيعة أبى بكر الصديق بعد وفاة رسول الله - ﷺ - عند انثيال (٢) الناس على أبى بكر، وإجفالهم (٣) إليه ليبايعوه: فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر، فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت "كلمة الله هي العليا" ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله (٤) جاهدًا" (٥).
ويذكر في رسالة أخرى أرسلها إلى أهل مصر مع عامله الذي استعمله عليها قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد! فإن الله بحسن صنعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام دينًا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده (٦) خص من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله ﷿ به هذه الأمة وخصهم (٧)
_________________
(١) انظر لذلك كتابنا "الشيعة والسنة"
(٢) انثيال الناس أي انصبابهم من كل وجه كما ينثال التراب (كما قاله ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة)
(٣) الإجفال الإسراع
(٤) فيه
(٥) "الغارات" ج١ ص٣٠٧ تحت عنوان "رسالة علي ﵇ إلى أصحابه بعد مقتل محمد بن أبي بكر"
(٦) و(٧) به
[ ٤٨ ]
من الفضيلة أن بعث محمدًا - ﷺ - (١) فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأدّبهم لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما (٢) يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضة الله (٣) صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه إنه حميد مجيد. ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا امرأين منهم صالحين عملًا بالكتاب وأحسنا السيرة ولم يتعديا السنة ثم توفاهما الله فرحمهاما الله" (٤).
ويقول أيضًا وهو يذكر خلافة الصديق وسيرته: فاختار المسلمون بعده (أي النبي - ﷺ -) رجلًا منهم، فقارب وسدد بحسب استطاعة على خوف وجد" (٥).
ولم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي وإمامًا لهم؟ يجيب عليه المرتضى ﵁ وابن عمة الرسول زبير بن العوام ﵁ بقولهما: وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي" (٦).
ومعنى ذلك أن خلافته كانت بإيعاز الرسول ﵇.
وعلي بن أبى طالب ﵁ قال هذا القول ردًا على أبي سفيان حين حرضه على طلب الخلافة كما ذكر ابن أبى الحديد (٧) جاء أبو سفيان إلى علي ﵇،
_________________
(١) إليهم
(٢) لا
(٣) إليه فعليه
(٤) "الغارات" ج١ ص٢١٠ ومثله باختلاف يسير في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، و"ناسخ التواريخ" ج٣ كتاب٢ ص٢٤١ ط إيران، و"مجمع البحار" للمجلسي
(٥) "شرح نهج البلاغة" للميثم البحراني ص٤٠٠
(٦) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد الشيعي ج١ ص٣٣٢
(٧) هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني "صاحب شرح نهج البلاغة، المشهور "هو من أكابر الفضلاء المتتبعين، وأعاظم النبلاء المتبحرين مواليًا لأهل بيت العصمة والطهارة .. وحسب الدلالة على علو منزلته في الدين وغلوه في ولاية أمير المؤمنين ﵇، شرحه الشريف الجامع لكل نفيسة وغريب، والحاوي لكل نافحة ذات طيب .. كان مولده في غرة ذي الحجة ٥٨٦، فمن تصانيفه "شرح نهج البلاغة" عشرين مجلدًا، صنفه لخزانة كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، ولما فرغ من تصنيف أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبي المعالي، فبعث له مائة ألف دينار، وخلعة سنية، وفرسًا" ("روضات الجنات" ج٥ ص٢٠، ٢١). ولد بالمدائن "وكان الغالب على أهل المدائن التشيع والتطرف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقبل مذهبهم، ونظم العقائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالى وتشيع وذهب به الإسراف في كثير من الأبيات كل مذهب، يقول في إحداها: علم الغيوب إليه غير مدافع والصبح أبيض مسفر لا يدفع وإليه في يوم المعاد حسابنا وهو الملاذ لنا غدًا والمفزع ورأيت دين الاعتزال وإنني أهوى لأجلك كل من يتشيع ولقد علمت بأنه لا بد من مهديكم وليومه أتوقع تحميه من جند الإله كتائب كاليم أقبل زاخرًا يتدفع تالله لا أنسى الحسين وشلوه تحت السنابك بالعراء موزع لهفي على تلك الدماء تراق في أيدي أمية عنوة وتضيع يأبى أبو العباس أحمد إنه خير الورى من أن يطل ويمنع فهو الولي لثأرها وهو الحمو ل لعبئها إذ كل عود يضلع والدهر طوع والشبيبة غضة والسيف عضب والفؤاد مشيع ثم خف إلى بغداد، وجنح إلى الاعتزال، وأصبح كما يقول صاحب نسخة السحر "معتزليًا جاهزيًا في أكثر شرحه بعد أن كان شيعيًا غاليًا". "وتوفى في بغداد سنة ٦٥٥ يروي آية الله العلامة الحلي عن أبيه عنه" (الكنى والألقاب ج١ ص١٨٥)
[ ٤٩ ]
فقال: وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبى فصيل خيلًا ورجلًا، فقال علىّ ﵇: طالما غششت
[ ٥٠ ]
الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئًا، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلًا لما تركناه" (١).
ولقد كررّ هذا القول ومثله مرات كرات، وأثبتته كتب القوم في صدورها وهو أن عليًا كان يعدّ الصديق أهلًا للخلافة، وأحق الناس بها، لفضائله الجمة ومناقبه الكثيرة حتى حينما سئل قرب وفاته بعد ما طعنه ابن الملجم من سيكون الإمام والخليفة بعدك؟ فقال كما روى عن أبى وائل والحكيم عن علي بن أبى طالب ﵇ أنه قيل له: ألا توصي؟ قال: ما أوصى
_________________
(١) "شرح ابن أبي الحديد" ج١ ص١٣٠
[ ٥١ ]
رسول الله (- ﷺ -) فأوصى، ولكن قال: (أي رسول) إن أراد الله خيرًا فيجمعهم على خيرهم بعد نبيهم" (١).
وأورد مثل هذه الرواية "علم الهدى" (٢) للشيعة في كتابه الشافي:
"عن أمير المؤمنين ﵇ لما قيل له: ألا توصي؟ فقال: ما أوصى رسول الله (- ﷺ -) فأوصي، ولكن إذا أراد الله بالناس خيرًا أستجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم" (٣).
فهذا هو علي بن أبى طالب ﵁ يتمنى لشيعته وأنصاره أن يفوق الله لهم رجلًا خيرًا صالحًا كما وفق للأمة الإسلامية المجيدة بعد أن اصطدموا بوفاة النبي - ﷺ - برجل خير صالح، أفضل الخلائق بعد نبيه - ﷺ - بأبي بكر الصديق ﵁ إمام الهدى، وشيخ الإسلام، ورجل قريش، والمقتدى به بعد رسول الله - ﷺ - حسب ما سماه سيد أهل البيت زوج الزهراء ﵄ كما رواه السيد مرتضى علم الهدى في كتابه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجلًا من قريش جاء إلى أمير المؤمنين ﵇، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي، وعماك أبو بكر وعمر، وإماما الهدى، وشيخا الإسلام. ورجلا قريش، والمتقدى بهما بعد رسول الله - ﷺ -، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدى إلى صراط المستقيم" (٤).
هذا وقد كرر في نفس الكتاب هذا "إن عليًا ﵇ قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر"، ولم لا يقول هذا وهو الذي روى "أننا كنا مع النبي - ﷺ - على جبل حراء إذ تحرك الجبل، فقال له: قر، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد" (٥).
فهذا هو رأى علي ﵁ في أبي بكر، نعم! رأي علي الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عند القوم، الذي يدعون فيه أن من أنكر ولايته فقد كفر، كما قالوا: الموالي له ناج، والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه
_________________
(١) "تلخيص الشافي" للطوسي ج٢ ص٣٧٢ ط النجف
(٢) هو علي بن الحسين بن موسى المشهور بالسيد المرتضى الملقب بعلم الهدى، ولد سنة ٣٥٥، ومات ٤٣٦، هو رن من أركان المذهب الشيعي ومؤسسيه، وقد بالغ الشيعة في مدح أخيه الشريف رضى صاحب نهج البلاغة مبالغة لا نهاية لها، قال فيه الخوانساري: كان شريف المرتضى أوحد عصره علمًا وفهمًا، كلامًا وشعرًا، وجاهًا وكرمًا .. وأما مؤلفات السيد فكلها أصول وتأسيسات غير مسبوقة بمقال منها "كتاب الشافي" في الإمامة، أقول: وهو كاسمه شاف واف" (روضات الجنات ج٤ ص٢٩٥ إلى ما بعد). وقال القمي: هو سيد علماء الأمة، ومحيي آثار الأئمة، ذو المجدين .. جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، فهذا من الفضائل تفرد به وتوحد، وأجمع على فضله المخالف والمؤالف .. له تصانيف مشهورة - "الشافي" في الإمامة، لم يصنف مثله في الإمامة .. قال آية الله العلامة: ومنه استفاد الإمامية وهو ركنهم ومؤلفهم" (الكنى والألقاب ج٢ ص٣٩، ٤٠
(٣) "الشافي" ص١٧١ ط النجف
(٤) "تلخيص الشافي" ج٢ ص٤٢٨
(٥) "الاحتجاج" للطبرسي
[ ٥٢ ]
وليجة ضال مشرك" (١).
وقد نقلوا من أئمتهم "أبى الله ﷿ أن يتولى قوم قومًا يخالفونهم في أعمالهم معهم يوم القيامة، كلا ورب الكعبة" (٢).
فالمفروض من القوم الذين يدعون موالاة علي وبنيه أن يتبعوه وأولاده في آرائهم ومعتقداتهم في أصحاب النبي ورفقائه، وخاصة في صاحبه في الغار، الذي نقلنا فيه كلام سيد أهل البيت أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ﵁، ورأيه وعقيدته التي نقلوها في كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، التي ذكرناها آنفا، وكما نحن ذاكرين آراء بقية أهل البيت فيه إن شاء الله.