وأما عمر بن الخطاب، فارس الإسلام وأمير المؤمنين، عبقري الملة، وقطب رحى المسلمين، وباني مجدهم، ومؤسس شوكتهم، وفاتح القيصرية، وهازم الكسروية، ورافع راية الله، ومعلي كلمته، موصل الدين من قلب الجزيرة إلى أقصى العالم، وناشر العدل، ومنفذ الشريعة الغراء على كل قريب وبعيد، ومساو بين كل جبار عنيد ومحتقر حقير، غير خائف في الحق لومة لائم، ولا آبه من عذل عاذل، ماحي الشرك والبدعة والكفر والضلال، حامي الحق والشريعة، الفارق بين الحق والباطل، العادل بين الرعية خاصتهم وعامتهم أميرهم ومأمورهم، المعز لدين الله والحق، والمذل للطاغوت والكفر والأوثان، الأمين الراشد، المرشد المصلح رضي الله تعالى عنه كان محبوبًا إلى أهل بيت النبي كما كان حبيبًا إلى سيد ولد آدم محمد - ﷺ - الذي قال فيه صلوات الله وسلامه عليه وهو يمشي على الأرض ﵁: دخلت الجنة .. ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب" (١).
وقال ﵇، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة (الصديق)، فنزع منها ذنوبًا (٢) أو ذنوبين وفى نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربًا (٣) فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريًا ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن (٤) - وفى رواية - حتى روى الناس
_________________
(١) متفق عليه
(٢) الذنوب: الدلو وفيها ماء
(٣) دلو عظيمة
(٤) أي حتى أرووا إبلهم فأبركوها، وضربوا لها عطنًا، وهو مبرك الإبل حول الماء (من تعليقات الشيخ الألباني على مشكاة المصابيح)
[ ٩٣ ]
وضربوا بعطن" (١).
وقال - ﷺ -: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (٢).
فهذا هو عمر بن الخطاب ﵁ بلسان نبيه - ﷺ -، ولقد ذكرنا منه أحاديث ثلاثة من إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي - ﷺ - من كتب السنة المعتبرة خلاف عهدنا ودأبنا في هذا الكتاب بأننا لا ننقل شيئًا إلا من كتب القوم أنفسهم لأننا سوف نروي عن علي بن أبي طالب ﵁ - سيد أهل البيت، والإمام المعصوم الأول عند القوم - أنه يؤيد هذه الأحاديث الثلاثة بأقواله الواضحة، وتصريحاته المكشوفة، والمروية المذكورة المورودة في بطون كتب القوم وأوراقها وصفحاتها.
فلنرى ماذا يقول أهل البيت وسادتهم في هذا المصلح المحسن للأمة الإسلامية البيضاء.
فيقول علي بن أبي طالب ﵁ وهو يذكر الفاروق وولايته مصدقًا لرؤيا سيد ولد آدم - ﷺ - الذي رآه وبشر به عمر بن الخطاب ﵁.
"ووليهم وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" (٣).
وقال الميثم البحراني الشيعي، شارح نهج البلاغة، وكذلك الدنبلي شرحًا لهذا الكلام "أن الوالي عمر بن الخطاب، وضربه بجرانه كناية بالوصف المستعار عن استقراره وتمكنه كتمكن العير البارك من الأرض" (٤).
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي تحت هذه الخطبة، ويذكرها من
_________________
(١) متفق عليه
(٢) رواه الترمذي
(٣) "نهج البلاغة" بتحقيق صبحي الصالح تحت عنوان "غريب كلامه المحتاج إلى التفسير" ص٥٥٧ ط دار الكتاب بيروت، أيضًا "نهج البلاغة بتحقيق الشيخ محمد عبده ج٤ ص١٠٧ ط دار المعرفة بيروت
(٤) "شرح نهج البلاغة" لابن الميثم ج٥ ص٤٦٣، أيضًا "الدرة النجفية" ص٣٩٤
[ ٩٤ ]
أولها "وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب، وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة يذكر فيها قربه من النبي - ﷺ - واختصاصه له، وإفضائه بأسراره إليه حتى قال فيها: فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلًا منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه، ثم وليهم بعده وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" (١).
فانظر إلى عليّ وكيف يطبق هذا الأوصاف على أبي بكر وعمر ﵄ تصديقًا لرؤيا رسول الله - ﷺ - حرفًا بحرف، ويجعل الفاروق مصداقًا لبشارته ﵇، وكيف يقر ويعترف بأن الدين قد استقر في عهده المبارك، والإسلام قد تمكن في الأرض في أيام خلافته الميمونة، فهل لمتمسك أن يتمسك من الشيعة بقول علي بن أبي طالب - الإمام المعصوم عندهم الذي لا يخطئ -؟
ثم والخطبة التي مدح فيها عمر، وجعله مورد ومصداق بشرى الرسول هي خطبة ألقاها في أيام خلافته حيث لم يكن هناك ضرورة للتقية الشيعية التي ألصقوها تهمة بخيار الخلائق رضوان الله ورحمته عليهم.
وكم هناك من خطب لعليّ، المنقولة في نهج البلاغة، التي تدل على نفس المعنى بأن الفاروق كان سببًا لعز الدين، ورفعة الإسلام، وعظمة المسلمين، وتوسعة البلاد الإسلامية، وأنه أقام الناس على المحجة البيضاء، واستأصل الفتنة، وقوم العوج وأزهق الباطل، وأحيا السنة طائعًا لله خائفًا منه، فانظر إلى ابن عم رسول الله ووالد سبطيه وهو يبالغ في مدح الفاروق، ويقول:
لله بلاد فلان، فقد قوم الأود، وداوى العمد وخلف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال، ولا المستيقن المهتدي" (٢).
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٤ ص٥١٩
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٣٥٠، "نهج البلاغة" تحقيق محمد عبده ج٢ ص٣٢٢
[ ٩٥ ]
ويقول ابن أبي الحديد: العرب تقول: لله بلاد فلان أي در فلان .. وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر .. وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي: هو عمر، فقلت له: أثنى عليه أمير المؤمنين ﵇؟ فقال: نعم" (١).
ومثله ذكر ابن الميثم (٢) والدنبلي وعلي نقي في الدرة النجفية (٣) وشرح النهج الفارسي (٤).
هذا فلينظر كيف يعلن علي ﵁ على ملأ الشهود عن الفاروق ﵁ بصوته الرفيع أنه قوم العوج، وعالج المرض، وعامل بالطريقة النبوية، وسبق الفتنة وتركها خلفا، لم يدركها هو، ولا الفتنة أدركته، وانتقل إلى ربه وليس عليه ما يلام عليه، أصاب خير الولاية والخلافة، ولحق الرفيق الأعلى، ولم يلوث في القتل والقتال الذي حدث بين المسلمين طائعًا لله، غير عاص، واتقى الله في أداء حقه، ولم يقصر فيه ولم يظلم.
فهذا هو الذي يليق أن يضرب الدين في عصره العطن.
وكان عليّ وهو قائد أهل البيت يعد الفاروق ملجأ للإسلام، ومأوى للمسلمين ومرجعهم، فانظر كيف يصفه بهذه الأوصاف ولقد استشاره في الخروج إلى غزو الروم فقال له:
إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص٩٢ جزء١٢
(٢) انظر لذلك شرح نهج لابن الميثم ج٤ ص٩٦، ٩٧
(٣) ص٢٥٧
(٤) ج٤ ص٧١٢
[ ٩٦ ]
محربًا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأ للناس ومثابة للمسلمين" (١).
ويكتب ابن أبي الحديد تحته شرحًا لهذه الخطبة "فتنكب مجزوم لأنه عطف على تسر وكهفة أي كهف يلجأ إليه، ويروي كانفة أي جهة عاصمة ..، وحفزت الرجل أحفزه أي دفعته وسقته سوقًا شديدًا وردأ أي عونًا، ومثابة أي أمنا، ومنه قوله تعالى: ﴿مثابة للناس وأمنا﴾، أشار ﵇ أن لا يشخص بنفسه حذرًا أن يصاب فيذهب المسلمون كلهم لذهاب الرأس، بل يبعث أميرًا من جانبه على الناس ويقيم هو في المدينة، فإن هزموا كان مرجعهم إليه" (٢).
والقارئ حينما يقرأ هذه الخطبة يعرف الحب المتدفق من خلال الكلمات للفاروق والحرص على شخصه وحياته، والرجاء والتمني لبقائه في الحكم والخلافة ذخرا للإسلام والمسلمين رغم أنوف المبغضين والطاعنين فيه، ثم الجدير بالذكر أن الفاروق ﵁ كان مصممًا للمسير إلى المعركة بنفسه والمرتضى علي ﵁ كان يعرف ذلك، ومع ذلك أراد منعه قدر المستطاع لما كان يراه سببًا لعز الإسلام ومجده وشموخه، وأن لا يمسه سوء حتى لا تنقلب على الإسلام ودولته قالة ولا تدور عليه الدائرة، وأكثر من ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يريد أن ينيب عنه في العاصمة الإسلامية علي بن أبي طالب ﵄ (٣) وكانت له فرصة ذهبية لأخذه زمام الأمور واسترداد الحقوق الموهمة التي يظنها القوم بأنها سلبت، وقد ملئوا من ذكرها الكتب والصحف ولطالما بكوا عليها بكاء مرًا وبكاء إخوة يوسف حيث القضية بالعكس تمامًا، لأن الذي ينيبون عنه، ويصيرون وكلاءه ومحاميه ومدافعيه، بل ومحاربيه ومقاتليه يظهر الأمر منعكسًا
_________________
(١) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٩٣
(٢) "شرح نهج البلاغة" ج٢ جزء٨ ص٣٦٩، ٣٧٠
(٣) يأتي ذكره في محله مفصلًا
[ ٩٧ ]
تمامًا، وكان عليّ طوال مدة خلافته هكذا معه لا يريد أن يلقي نفسه في المخاطر فصار كالرقيب عليه، محافظًا على حياته، ساهرًا على مصالحه، راجيًا له البقاء والدوام، ناصحًا مناصحًا لله وفي الله وصلاح الأمة وفلاحها، ولذلك لما استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه منعه من ذلك وقال له:
إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة. وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه: فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا. والعرب اليوم، وإن كانوا قليلًا، فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع! فكن قطبًا واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة" (١).
فهل بعد ذلك شك لشاك بأن عليًا ﵁ كان يعدّ الفاروق مصداقًا لرؤيا رسول الله - ﷺ - الذي أخبر عنه، وبشر به المسلمين بأن الإسلام يبلغ مداه في عصره وعهده، ولذلك يقول علي ﵁: ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده الخ.
_________________
(١) "نهج البلاغة" بتحقيق صبحي ص٢٠٣، ٢٠٤ تحت عنوان "ومن كلام له (أي علي) ﵇ وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه"
[ ٩٨ ]
فإنه بذلك يشير إلى قوله - ﷺ -: ثم استحالت غربًا فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريًا ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن".
صدق رسول الله - ﷺ -.
وأكثر من ذلك يلفت أنظار الناس بكلامه هذا إلى وعد الله ﷿ كما ورد في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ " (١).
فالمقصود من انتباهه وتوجيهه بقوله: ونحن على موعود من الله: بأن الله وعد المؤمنين والعاملين الصالحات التمكن في الأرض والاستخلاف، فنحن المؤمنين وأنت أيها الفاروق أميرنا، والله ينجز وعده في عهدك وخلافتك، وينصر جنده الذين يقاتلون تحت رايتك وقيادتك الحكيمة وتوجيهاتك الرشيدة لأن دين الله لا بد له أن يظهر ويغلب - حتى يبلغ بجرانه، لأنك أنت القيم بأمره، ومدبر لقضاياه، وبك شأنه ومكانه، فإن أنت فقدت ضاع الأمر، وانتشر الجمع، وضعفت القوة، وانكسرت الشوكة، وافترق الناس حتى لن يرجى اجتماعهم واتحادهم بعد ذلك أبدًا (٢)، فإذا انقطع النظام تفرق الجزر وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا.
وأيضًا أشار بذلك إلى دعاء النبي - ﷺ - "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب - رواه المجلسي في "بحار الأنوار" عن محمد الباقر -" (٣) فإن دعاء الرسول لا بد له أن يقبل.
_________________
(١) سورة التوبة الآية٥٥
(٢) فكان كما قال، فتحت أبواب الفتن بعد شهادته ولم تغلق بعده حتى اليوم، وقد ورد في ذلك المعنى حديثًا أيضًا
(٣) "بحار الأنوار" ج٤ كتاب السماء والعالم
[ ٩٩ ]
ونبّه سيد أهل البيت الناس مع من فيهم الذين يدعون أنهم شيعته بأن الفاروق ليس كواحد من الناس، بل إنه قطب، وعليه يدور رحى الإسلام والعرب المسلمين، فلولا القطب ليس للرحى بأن تدور، وأنى لها ذلك؟ ولذلك يلح عليه بقوله: فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها: لأنهم يعرفون أن الفاروق هو الأصل، وإن استؤصل لا يبقى للفرع أثر، وإنه هو القطب، وإن كسر تنكسر الرحى ولا تدور، وأيضا إنك أنت الحامي حمى القوم، وحافظ عوراتهم، فلا نتركك بأن تبرح عنا وتدخل نفسك في غمار الموت، لأننا لا نستغني عنك، ونستغني بك قومًا آخرين.
فما أحسن ما عبّر بهم علي بن أبي طالب ما يختلج في صدره، ويكنه في ضميره، ويعتقد به في معتقداته تجاه الفاروق عمر بن الخطاب ﵄ ورضيا عنه.
هذا وكان علي ﵁ يعتقد أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وكان يرى بأنه محدث بأخبار الرسول، ولذلك لم يكن يخالف سيرته وعمله حتى وفي الأمور الصغيرة والتافهة، وقد نقل الدينوري (١) الشيعي أنه لما قدم الكوفة "قيل له: يا أمير المؤمنين! أتنزل القصر؟ قال: لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبة" (٢).
_________________
(١) هو أبو حنيفة الدينوري أحمد بن داؤد من أهل الدينور، مدينة من أعمال الجبل من همدان. "ثقة فيما يرويه، معروف بالصدق كما وصفه كذلك ابن النديم، توفي سنة ٢٨١ أو ٢٨٢ أو سنة ٢٩٠، وإن أكثر أخذه من يعقوب بن إسحاق الليث النحوي لتشيعه، وهو من أبناء الفرس يستظهر إماميته" ("الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآقابزرك الطهراني ج١ ص٣٣٩ ط طهران)
(٢) "الأخبار الطوال" لأحمد بن داؤد الدينوري ص١٥٢
[ ١٠٠ ]
وكذلك لما تكلم في رد فدك أبى أن يعمل خلاف ما فعله عمر، فهذا هو السيد مرتضى يقول: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب (ع) كلم في رد فدك، فقال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر" (١).
وننقل هنا روايات ثلاثة تأييدًا لهاتين الروايتين نقلناها من كتب القوم.
الأولى من حسن بن علي بن أبي طالب ﵄ أنه قال: لا أعلم عليًا خالف عمر، ولا غيّر شيئًا مما صنع حين قدم الكوفة" (٢).
والرواية الثانية "أن أهل نجران جاءوا إلى علي يشتكون ما فعل بهم عمر، فقال في جوابهم: إن عمر كان رشيد الأمر، فلا أغير شيئًا صنعه عمر" (٣).
والرواية الثالثة أن عليًا قال حين قدم الكوفة: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر" (٤).
وما كان كل هذا إلا لأنه يراه رجلًا ملهمًا حسب إخبار الرسول - ﷺ -، ورجلًا مسددًا يدور معه الحق أينما دار.
وأما كون عمر رجلًا من أهل الجنة كما ورد في ذلك حديث عن رسول الله - ﷺ - الذي رويناه، فلقد شهد بذلك علي بن أبي طالب وابن عمه وأحد قواده من المعتمدين وأمرائه الموثوقين عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين.
ولقد أورد هذه الرواية ابن أبي الحديد أن الفاروق لما طعن، وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي دخل عليه ابنا عم رسول الله - ﷺ - عبد بن عباس
_________________
(١) "كتاب الشافي في الإمامة" ص٢١٣، أيضًا "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد
(٢) "رياض النضرة" لمحب الطبري ج٢ ص٨٥
(٣) "البيهقي" ج١٠ ص١٣٠، "الكامل" لابن أثير ج٢ ص٢٠١ ط مصر، "التاريخ الكبير" للإمام البخاري ج٤ ص١٤٥ ط الهند، "كتاب الخراج" لابن آدم ص٢٣ ط مصر، "كتاب الأموال" ص٩٨، "فتوح البلدان" ص٧٤
(٤) "كتاب الخراج" لابن آدم ص٢٣، أيضًا "فتوح البلدان" للبلاذري ص٧٤ ط مصر
[ ١٠١ ]
وعلي بن أبي طالب ﵃ فيقول ابن عباس: فسمعنا صوت أم كلثوم (بنت علي ﵁) واعمراه، وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاء، فقال عمر: ويل أم عمر إن الله لم يغفر لهم، فقلت: والله! إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾: إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضي بالكتاب وتقسم بالسوية، فأعجبه قولي، فاستوى جالسًا فقال: أتشهد لي بهدايا ابن عباس؟ فكعكعت أي جبنت، فضرب عليّ ﵇ بين كتفي وقال: اشهد، وفى رواية لم تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزًا، وإمارتك فخرًا، ولقد ملأت الأرض عدلًا، فقال: أتشهد لي بذلك يا ابن عباس! قال: فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي ﵇: قل: نعم، وأنا معك، فقال: نعم" (١).
وأكثر من هذا أن عليًا - وهو الإمام المعصوم الأول عند القوم - كان يؤمن بأنه من أهل الجنة لما سمعه من لسان خيرة خلق الله محمد المصطفى الصادق الأمين - ﷺ -، ولأجل ذلك كان يتمنى بأن يلقى الله بالأعمال التي عملها الفاروق عمر ﵁ في حياته، كما رواه كل من السيد مرتضى وأبو جعفر الطوسي وابن بابويه وابن أبي الحديد.
لما غسل عمر وكفن دخل علي ﵇ فقال: ﵌ ما على الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (أي المكفون) بين أظهركم" (٢).
ووردت هذه الرواية في كتب السنة بتمامها في المستدرك للحاكم (٣)، مع "التلخيص" للذهبي "ومسند أحمد" مسندات علي "وطبقات ابن سعد" (٤)
_________________
(١) "ابن أبي الحديد" ج٣ ص١٤٦، ومثل هذا في "كتاب الآثار" ص٢٠٧، "سيرة عمر" لابن الجوزي ص١٩٣ ط مصر
(٢) "كتاب الشافي" لعلم الهدى ص١٧١، و"تلخيص الشافي" للطوسي ج٢ ص٤٢٨ ط إيران، و"معاني الأخبار" للصدوق ص١١٧ ط إيران
(٣) ج٣ ص٩٣
(٤) أحوال عمر ج٣ ص٢٦٩، ٢٧٠ ط ليدن
[ ١٠٢ ]
ومثله ورد في البخاري ومسلم.
وأما ابن أبي الحديد فيذكر "طعن أمير المؤمنين فانصرف الناس وهو في دمه مسجى لم يصل الفجر بعد، فقيل: يا أمير المؤمنين! الصلاة، فرفع رأسه وقال: لاها الله إذن، لا حظ لامرئ في الإسلام ضيع صلاته، ثم وثب ليقوم فانبعث جرحه دمًا فقال: هاتوا لي عمامة، فعصب جرحه، ثم صلى وذكر، ثم التفت إلى ابنه عبد الله وقال: ضع خدي إلى الأرض يا عبد الله! قال عبد الله: فلم أعج بها وظننت أنها إختلاس من عقله، فقالها مرة أخرى: ضع خدّي إلى الأرض يا بني، فلم أفعل، فقال الثالثة: ضع خدّي إلى الأرض لا أم لك، فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يضعه هو إلا ما به من الغلبة، فوضعت خدّه إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خا رجة من أضعاف التراب وبكى حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينه، فأصغيت أذني لأسمع ما يقول فسمعته يقول: يا ويل عمر وويل أم عمر إن لم يتجاوز الله عنه، وقد جاء في رواية أن عليًا ﵇ جاء حتى وقف عليه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى" (١).
فهل بعد ذلك مجال لقائل أن يقول بأن عليًا وهو سيد أهل البيت لم يكن يعدّ عمر رجلًا من أهل الجنة؟ فمن من الناس يرجى أن يكون عمله وصحيفته كصحيفته وعمله؟.
فهل هناك أكثر من ذلك؟ نعم! هناك أكثر وأكثر، فلقد شهد علي ﵁: "إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر" (٢).
وقال فيه وفي أبي بكر في رسالته: إنهما إماما الهدى، وشيخا الإسلام،
_________________
(١) "شرح النهج" لابن أبي الحديد ج٣ ص١٤٧
(٢) "كتاب الشافي" ج٢ ص٤٢٨
[ ١٠٣ ]
والمقتدى بهما بعد رسول الله، ومن اقتدى بهما عصم" (١).
وأيضا روى عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر" (٢).
والجدير بالذكر أن هذه الرواية رواها عليّ عن الرسول الكريم - ﷺ -، وقد رواها عن علي ابنه الحسن ﵄.