وأما ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين، وصاحب الجود والحياء، حب رسول الله وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم، وعديم النظير في هذا الشرف الذي لم ينله الأولون ولا الآخرون في أمة من الأمم، وعديل علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأول مهاجر بعد خليل الله ﵇، الذي حمل راية الإسلام وأداها إلى آفاق لم تبلغ إليها من قبل، وفتح على المسلمين مدنًا جديدة وبلادًا واسعة شاسعة، وأمد المسلمين من جيبه الخاص بإمدادات كثيرة، وشرى لهم بئر رومة حينما لم يكن لهم بئر يستقون منها الماء بعد هجرتهم إلى طيبة التي طيبها الله بقدوم صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، كما اشترى لهم أرضًا يبنون عليها المسجد الذي هو آخر مساجد الأنبياء.
ولم يكن إمداداته هذه ومساعداته لعامة المسلمين ومصالحهم الاجتماعية مثل تجهيز جيش العسرة وغيرها فحسب بل كان خيرًا، جوادًا، كريمًا، منفقًا الأموال وناثرها وحتى على الخاصة كما كان على العامة.
وهو الذي ساعد - الإمام المعصوم الأول الذي يعدونه أفضل من الأنبياء
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" أيضًا ص٤٤٦
[ ١٣٦ ]
والمرسلين، وملائكة الله المقربين - (١) علي بن أبي طالب - ﵁ في زواجه، وأعطاه جميع النفقات كما يقر بذلك علي بن أبي طالب ﵁ بنفسه أني لما تقدمت إلى رسول الله - ﷺ - طالبًا منه زواج فاطمة قال لي: بع درعك وائتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما، قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربع مائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع
_________________
(١) يقول محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال لي أبو الجعفر ﵇: يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى؟ قلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟ قال: أسألك عن العلم، قال: هو والله أعلم منهما، قال: يا عبد الله! أليس يقولون إن لعلي ما لرسول الله (- ﷺ -) من العلم قلت: نعم! قال: فخاصمهم فيه أن الله قال لموسى: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء﴾ فأعلمنا أنه لم يبين له الأمر كله، وقال الله ﵎ لمحمد (- ﷺ -): ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا * وأنزلنا عليك القرآن تبيانًا لكل شيء﴾: وعن علي بن إسماعيل عن محمد بن عمر الزيات قال: قال أبو عبد الله "ع": أي شيء تقول الشيعة في موسى وعيسى وأمير المؤمنين ﵈؟ قلت: يزعمون أن موسى وعيسى أفضل من أمير المؤمنين قال: أيزعمون أن أمير المؤمنين علم ما علم رسول الله (- ﷺ -)؟ قلت: نعم، ولكن لا يقدمون على أولي العزم من الرسل أحدًا، قال: قال أبو عبد الله "ع" فخاصمهم بكتاب الله قلت: في أي موضع منه؟ قال: قال الله لموسى: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء﴾، وقال الله لعيسى: ﴿ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه﴾: وقال ﵎ لمحمد - ﷺ -: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾، وعن علي بن محمد. . . . . قال أبو عبد الله "ع": إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله ما لم يعلموا، وعلمنا علم الرسول وعلمهم" (نقلًا عن "الفصول المهمة" للحر العاملي ص١٥١، ١٥٢). وأيضًا يروي ابن بابويه القمي في كتابه عيون أخبار الرضا "عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي ﵈ أن جبريل هبط على رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد! إن الله ﷻ يقول: لو لم أخلق عليًا ﵇ لما كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه" (عيون أخبار الرضا ج١ ص٢٢٥). وعلق عليه السيد لاجوردي بقوله: وقد استدل بعض المحققين بهذه الفقرة من الحديث على أفضليتهما ﵉ على جميع الأنبياء" (أيضًا). وقد أدرج الحر العاملي هذه الرواية عن الطوسي في التهذيب تحت باب عنوانه "باب أن النبي والأئمة الاثنى عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء والملائكة وغيرهم" (انظر الفصول المهمة ص١٥١ط قم إيران). وذكر تحت ذلك رواية أخرى عن الرضا أيضًا "قال رسول الله (- ﷺ -): ما خلق الله خلقًا أفضل مني ولا أكرم عليه مني قال علي: فقلت: يا رسول الله! فأنت أفضل أم جبرئيل؟ قال: إن الله فضل أنبيائه لامرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي والأئمة بعدك، وإن الملائكة لخدمنا وخدام محبينا - إلى أن قال -: فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه - إلى أن قال -: ثم إن الله ﵎ خلق آدم، فأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيمًا لنا وإكرامًا، وكان سجودهم لله ﷿ عبودية، ولآدم إكرامًا وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون" (الفصول ص١٥٣، أيضًا عيون أخبار الرضا ج١ ص٢٦٢ تحت عنوان "أفضلية النبي والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء ﵈")
[ ١٣٧ ]
منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: نعم، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان فدعا له النبي بخير" (١).
_________________
(١) "المناقب" للخوارزمي ص٢٥٢، ٢٥٣ ط نجف، "كشف الغمة" للأربلي ج١ ص٣٥٩، و"بحار الأنوار" للمجلسي ص٣٩، ٤٠ ط إيران
[ ١٣٨ ]
وعلى ذلك كان ابن عم رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عباس يقول: رحم الله أبا عمرو (عثمان بن عفان) كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة، هجادًا بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضًا عند كل مكرمة، سباقًا إلى كل منحة، حبيبًا، أبيًا، وفيًا: صاحب جيش العسرة، ختن رسول الله - ﷺ - " (١).
هذا وقد أشهده رسول الله - ﷺ - فيمن أشهده على زواج علي من فاطمة كما يروون عن أنس أنه قال ﵊: انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان .. وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال .. إني أشهدكم أنى قد زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال من فضة (٢).
وكفى لعلي فخرًا بأن رسول الله - ﷺ - زوجه إحدى بناته فاطمة، وأدخله بذلك في أصهاره وأرحامه، وهذا الذي جعل الشيعة يقولون بأفضلية علي وإمامته وخلافته بعده، فكيف إذا زوج ابنتين لرسول الله - ﷺ - الذي زوجه بنتًا بعد بنت؟.
وكفى لعثمان فخرًا بأنه كان هو المنفق على هذا الزواج، والمهيئ له الأسباب، وأحد الشهود عليه، كما أنه يكفيه فخرًا بأنه لم ينل في الدنيا أحد مثل ما ناله هو من الشرف والمكانة حيث تزوج من إبنتي نبي - ﷺ -، ولم يوجد له شبيه ونظير في مثل ذلك، لأن عثمان تزوج بنته رقية بمكة، وأيضًا بأمر من الله سبحانه تعالى لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وبعد وفاتها زوجه رسول الله - ﷺ - ابنته الثانية أم كلثوم ﵂ كما يقر ويعترف بذلك علماء الشيعة أيضًا، فها هو المجلسي - وهو الشيعي المتعصب
_________________
(١) "تاريخ المسعودي" ج٣ ص٥١ ط مصر، أيضًا "ناسخ التواريخ" للمرزه محمد تقي ج٥ ص١٤٤ ط طهران
(٢) "كشف الغمة" ج١ ص٣٥٨، أيضًا "المناقب" للخوارزمي ص٢٥٢، و"بحار الأنوار" للمجلسي ج١٠ ص٣٨
[ ١٣٩ ]
المشهور اللعان السباب المعروف - يذكر ذلك في كتابه "حياة القلوب" نقلًا عن ابن بابويه القمي بسنده الصحيح المعتمد عليه بقوله:
إن رسول الله - ﷺ - ولد له من خديجة القاسم، وعبد الله الملقب بالطاهر، وأم كلثوم، ورقية، وزينب، وفاطمة، وتزوج علي من فاطمة، وأبو العاص بن ربيعة من زينب، وكان رجلًا من بني أمية (*) كما تزوج
ــ
(*) [تعليق]