ومن سوء الحظ أن هؤلاء هم العمدة للرواية عن هذه الوقائع والوقيعة في أصحاب النبي ﷺ وسادة هذه الأمة وقادتها، وهم خلف لسلفهم الذين كانوا قادة البغاة والطغاة وعملاء اليهودية العالمية التي كانوا يعتقدونها، وحاملين نفس الأفكار التي كانوا مسومين بها، سالكين نفس الأسلوب الذي عرف في الزمن الأخير بأسلوب "جوئبلز":
أكثر الكذب قدر ما تستطيع حتى تظنه صدقًا بدون خجل ولا وجل ولا حياء، فما أكثر ما كذبوا وما أشنعه، وما أجراءهم على ذلك. ونحن تعودنا أن لا نتكلم إلا مستندين إلى الحقائق [متثبتين] بالأدلة الناصعة والبراهين القاطعة، ولا نتفوه بالظن والتخمين [بل] بالوثائق الموثوقة والمصادر المعتمدة. وهاهي الوثائق:
أبو مخنف: فقد ذكره محسن الأمين في كتابه (أعيان الشيعة) تحت عنوان مؤلفي الشيعة في السير والتاريخ والمغازي، فيقول:
أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي. قال النجاشي: من أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم وصنف كتبًا كثيرة منها: فتوح الشام، العراق، خراسان، الجمل، صفين، النهر، الغارات، مقتل الحسين (ع) وغيرها، وقال ابن النديم في الفهرست: قرأت بخط أحمد بن الحارث الخزاز قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس
والواقدي بالحجاز والسيرة. وقد اشتركوا في فتوح الشام واثنان من الثلاثة شيعة: أبو مخنف، والواقدي (١) ".
ولقد ذكره النجاشي كما عرفت في مصنفي الشيعة، وزاد على
_________________
(١) - أعيان الشيعة الجزء الأول من القسم الثاني ص ١٢٧.
[ ٨١ ]
كتبه التي ذكرها المحسن: كتاب السقيفة، وكتاب الشورى، وكتاب قتل عثمان، وكتاب الحكمين، ومقتل أمير المؤمنين، وقتل الحسين، ومقتل الحسين حجر بن عدي، وأخبار المختار، وأخبار الزيات، وأخبار محمد بن أبي بكر، ومقتل محمد - وغيره من الكتب - كما ذكر أنه شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمد ﵉ (١) ".
وذكر الطوسي أن أباه كان من أصحاب عليّ كما ذكره في رجاله وقد ذكره الحلي في الثقات، أبوه كان من أصحاب الباقر وهو من أصحاب جعفر (٢) ".
وقد ذكره القمي في كتابه فقال:
لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي شيخ أصحاب الأخبار الكوفة ووجههم كما جش، وتوفي سنة ١٥٧ هـ يروى عن الصادق (ع) ويروى عنه هشام بن الكلبي وجده مخنف بن سليم صحابي شهد الجمل في أصحاب علي (ع) حاملًا راية الأزد، فاستشهد في تلك الوقعة سنة
٣٦ هـ، وكان أبو مخنف من أعاظم مؤرخي الشيعة ومع اشتهار تشيعه اعتمد عليه علماء السنة في النقل عنه كالطبري وابن الأثير وغيرهما، وليعلم أن لأبي مخنف كتبًا كثيرة في التاريخ والسير، منها كتاب مقتل الحسين (ع) الذي نقل منه أعاظم العلماء المتقدمين، واعتمدوا عليه (٣) ".
هذا ما صرح به علماء الشيعة بتشيعه وتنبئ أسماء كتبه عن مغالاته وإغراقه في التشيع كما عددناها من النجاشي.
_________________
(١) - فهرست أسماء مصنفي الشيعة للنجاشي ص ٢٢٤ - ٢٢٥ ط قم.
(٢) - انظر رجال الحلي ص ٢٨٢.
(٣) - الكنى والألقاب ج ١ ص ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٨٢ ]
وأما السنة فقد قالوا فيه كما نقل عنهم الإمام ابن حجر العسقلاني:
لوط بن يحيى أبو مخنف: إخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره.
وقال الدارقطني: ضعيف. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء.
وقال ابن عدي، شيعي محترق صاحب أخبارهم - قلت: روى عن الصعقي بن زهير وجابر الجعفي ومجالد. روى عن ابن المدائني وعبد الرحمن بن مغراء،
ومات قبل السبعين ومائة - وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا حاتم عنه فنفض يده، وقال: أحد يسأل عن هذا؟. وذكره العقيلي في الضعفاء (١) ".
ومثل ذلك ذكر الذهبي في ميزانه (٢).
كما ذكره الذهبي في (المنتقى) من منهاج السنة عن شيخ الإسلام ابن تيمية تحت المعروفين بالكذب وعقب ذكره بقول الأشهب بن عبد العزيز القيسي أنه قال:
سئل مالك ﵁ عن الرافضة؟ فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون، وعن حرملة بن يحي أنه قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة، وعن مؤمل بن إهاب الربعي أنه قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل مبتدع - إذا لم يكن داعية - إلا الرافضة، فإنهم يكذبون، وعن محمد
_________________
(١) - لسان الميزان ج ٤ ص ٤٩٢ - ٤٩٣.
(٢) - انظر لذلك ميزان الاعتدال للذهبي ج ٢ ص ٣٦٠.
[ ٨٣ ]
بن سعيد الأصفهاني أنه قال: سمعت شريك بن عبد الله النخعي يقول: أحمل العلم عن كل من لقيته إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه حديثًا. وعن أبي معاوية أنه قال: سمعت الأعمش يقول: أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين (يعني الروافض) ثم قال نقلًا عن شيخ الإسلام:
ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأي المعروف عن مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف. والرافضة يقرون بالكذب حيث يقولون بالتقية (١) ".
فتلك هي آراء أئمة الجرح والتعديل ومهرة الفن في نقد الرجال في أبي مخنف، وهذه هي أقوال الأئمة والحفاظ والمحدثين في الاعتماد عليهم.
وخلاصة ما ذكرنا أن أبا مخنف متفق على تشيعه عند الطرفين، الشيعة والسنة، غير معتمد وموثوق فيه. وأما قول القمي: ومع اشتهار تشيعه اعتمد عليه علماء النقل من السنة كالطبري، فليس إلا كذب عادة قومه وذويه، لأنه من المعروف عند كل من قرأ الطبري ونظر فيه بأنه لم يشترط إدراج كل ما صح عنده في تاريخه ولم يلتزم صحة ما نقل. وقد صرح في مقدمة كتابه حيث قال:
فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدى علينا (٢) ".
_________________
(١) - المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص ٢١، ٢٢، ٢٣ ط المطبعة السلفية القاهرة.
(٢) - تاريخ الأمم والملوك للطبري ج ١ ص ٥ مقدمة الكتاب ط بيروت.
[ ٨٤ ]
وأما ابن الأثير فإنه صرح أيضًا في مقدمة كتابه أنه ناقل عن الطبري ومعتمد عليه في نقله كما يقول:
إني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، ومن تأمله علم صحة ذلك فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها (١) ".
فهذه هي حقيقة أبي مخنف والاعتماد عليه من الطبري وابن الأثير.