تحتها الأنهار ذلك الفوز العظيم﴾.
ولقد اضطربت أراء القوم أنفسهم في بد نشأة التشيع وتكوينه حيث قال إمام الشيعة في الفرق النوبختي أن نشأته لم تكن إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ كما كتب: " قبض رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته ﵇ ثلاثًا وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فافترقت الأمة ثلاث فرق (فرقة منها) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب ﵇ ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، " وفرقة منهم " ادعت الإمرة والسلطان وهم والأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي " وفرقة " مالت إلي بيعة أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على خليفة بعينة وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته واعتقل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه وقالوا رضيه النبي صلى الله عليه وآله لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبو بكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجي والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي ﵇ قال: الأئمة من قريش: وقال بضعهم أنه قال:
[ ٢٤ ]
الإمامة لا تصلح إلا في قريش: فرجعت الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغمًا لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون: قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن الجن قالت:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة **** ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده
وهذا قول فيه بعض النظر لأنه ليس في التعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما (١) "
وأما ابن النديم الشيعي (٢) فيرى أن تكوين الشيعة لم يكن إلا يوم وقعة الجمل حيث قال:
ولما خالف طلحة والزبير (٣) علي ﵁ وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي ﵇ ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك باسم الشيعة ".
ومنهم من قال: اشتهر اسم الشيعة يوم صفين (٤) ".
وبمثل ذلك القول قال ابن حمزة وأبو حاتم وغيرهما من الشيعة وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه وبمثل هذا القول قال ابن حزم في (الفصل) (٥) من المتقدمين وأحمد أمين (٦) وغيره الكثيرون الكثيرون
_________________
(١) - فرق الشيعة النوبختي ص ٢٣ - ٢٤.
(٢) - هو ابن الفرج محمد بن إسحاق النديم الكاتب الفاضل الخير الماهر المتبحر الشيعي الإمامي مصنف كتاب الفهرست المولود سنة ٢٩٧هـ المتوفى سنة ٣٨٥هـ " الكنى والألقاب للقمي ج١ص ٤٢٥ - ٤٢٦"
(٣) - الفهرست لابن النديم ص ٢٤٩
(٤) - روضات الجنات للخوانساري ص٨٨
(٥) - الفصل في الممل والأهواء والنحل ج ٤ص٧٩
(٦) - فجر الإسلام ص٢٦٦ ط٨
[ ٢٥ ]
من المتأخرين.
ويقول شيعي معاصر: إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كيانًا مميزًا له طابع خاص (١).
ولأجل ذلك اضطر محسن الأمين إلى أن يقول:
سواء كان إطلاق هذا الاسم في حياة الرسول ﷺ أو بعد الجمل فالقول بتفضيل علي ﵇ وموالاته الذي هو معنى التشيع كان موجودًا في عهد الرسول ﷺ واستمر بعده إلى اليوم (٢) ".
والمظفري أن يقول:
فكان التجاهر بالتشيع أيام عثمان (٣).
وهو الصحيح [لأن الأسماء لا توجد قبل المسميات] ولا الأحزاب قبل الخلافات فلما وجد الخلاف تحزب لكل رأي حزب وتعصبوا جماعات وفرقًا فآنذاك وجدت الجماعات ووجدت لها الأسماء ولم يكن هناك خلاف بين المسلمين ولم يتعصب له أشخاص قبل مقتل عثمان ذي النورين ﵁ وقبل النتائج التي نتجت من قتله وبعد تولية علي ﵁ إمرة المؤمنين وخلافة المسلمين وعندئذ نشأ الخلاف فمنهم من رأى رأي علي ﵁ وأنصاره ومنهم ومن رأى رأي طلحة والزبير ثم رأي معاوية وأتباعه وهناك تحزب حزبان سياسيان كبيران بين المسلمين شيعة علي وشيعة معاوية وكل واحد من هؤلاء يرى رأيه في تولية الحكم وتدبير الأمور ودينهما واحد وعقائدهم واحدة متفقة كما بيناه آنفًا.
_________________
(١) - الصلة بين التصوف والتشيع لكامل مصطفى الشيبي ص ٢٣.
(٢) - أعيان الشيعة القسم الأول الجزء الأول ص ١٣.
(٣) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص١٥
[ ٢٦ ]