التشيع والسبأية
إن الشيعة الأولى مع ما كان فيهم من التخاذل عن الحق والتكاسل عن مناصرة قائدهم علي ﵁ وجبنهم وغدرهم وخيانتهم وحبهم الدنيا وما فيها وإيثار الحياة على الموت في سبيل الحق كما وصفهم علي ﵁ مخاطبًا إياهم:
وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته (١) ".
كانوا مع ذلك كله لا يختلفون عن الآخرين في العقائد والأفكار كإنكار القرآن والاعتقاد بتحريفه وتغييره، وإنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام، كما لم يكونوا مكفرين لأصحاب رسول الله ﷺ ومنكرين فضلهم، وبخاصة الخلفاء الراشدون الثلاثة، أبو بكر وعمر وعثمان، وأزواج النبي صلوات الله عليه وسلامه عليه أمهات المؤمنين ولم [يكن لهم] مذهبًا خاصًا غير مذهب المسلمين، العامة ولا عبادات وشعائر وطقوسا مخصوصة، فكانوا يصلون بصلواتهم وخلفهم، ويحجون بحججهم وتحت إمرتهم، كما كانوا يصاهرونهم، يزوجونهم ويتزوجون منهم قبل الحروب وبعدها، وقبل الحوادث الأليمة وبعدها كما بيناه سابقًا وكما سنبينه مفصلًا إن شاء الله، إلا من تأثر بالأفكار المدخولة والدسائس
_________________
(١) - نهج البلاغة ص ٦٧ ط بيروت.
[ ٤٥ ]
اليهودية والأفكار غير الإسلامية من السبئيين المتظاهرين بالإسلام، والمتسترين به، وخرج بذلك عن الجادة المستقيمة، وعن جماعة علي وشيعته، كالسبئيين والخوارج وغيرها من الفرق المنحرفة الضالة الباغية الذين ليس لهم علاقة لا بعلي ولا بأولاده، وهو والطيبون من أولاده منهم براء، وقد اخترعوا في الدين وباسم الدين ما لم ينزل به القرآن ولم يتكلم به رسول الله ﷺ.
فكان الأولون على ذل ولم ينقل عن واحد منهم خلاف هذا ولكنهم بعد ذلك بزمان وخصوصًا بعد شهادة الحسين ﵁ تمسكوا بنفس الأفكار التي كانت تحملها السبئية وبث سمومها اليهودية والمجوسية وغيرها من الفرق الباطلة الهدامة المعاندة للأمة الإسلامية، فاعتنقوها وعلى قدر الإغراق والتمسك والاعتصام بهذه الأفكار زادوا في الضلالات والسفاهات، وافترقوا بفرق، فمنهم من غالى وجازف وتجاوز جميع الحدود، فسموا المغالين، ومنهم من توسط لا في الحق ولكنه في الأخذ عن الباطل فسموا المتوسطين، ومنهم من أخذ أشياء يسيرة واغترف غرفة أو غرفتين ولم ينزل في قعرها ولم يسبح في وسطها فسموا المعتدلين والمنصفين، ولكن كل هؤلاء يجمعهم التلمذة على اليهودية الأثيمة والتشبث بأذيال عبد الله بن سبأ، ابن سوداء اليهودي الخبيث الماكر، فكل أخذ بقدره واكتفى بحظه، اللهم إلا من تبرأ منهم علنًا وجهرًا ومن أفكارهم، فرفضوه على تبرئه الكامل (١)، وكانت هذه الأفكار والآراء التي دست بين المسلمين وخصوصا بين الموالين لعلي (٢) وأولاده بعد مؤامرة دبرت واحكم نسيجها من قبل يهود اليمن باشتراك الآخرين على يد عبد الله بن سبأ، تتكون من تفريق كلمة المسلمين
_________________
(١) - كأتباع زيد بن علي بن الحسين المنصفون منهم، ولو أن بعضًا منهم يدعي اتباعه بنهج نفيس المنهج ويسلك نفس المسلك كما سيأتي بيانه مفصلًا إن شاء الله.
(٢) - لأنهم استعملوا اسم علي وأهل بيته - كذبًا وزورًا - لتستر على نواياهم الخفية ومقاصدهم الخبيثة، ولذلك اغتر بهم قوم يدعون موالاة علي وأهل بيته - رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ٤٦ ]