نبينا إياهم ولحبهم إياه، ونرجو الله القبول والتوفيق.
فأول إيراد أوردوه على سيدنا عثمان ﵁ أنهم قالوا: إنه آثر القربى، وذكر أيضًا المؤرخ الشيعي المشهور اليعقوبي حيث قال:
"ونقم الناس على عثمان بعد ولايته بست سنين وتكلم فيه من تكلم وقالوا: آثر القربى" (١) ".
فلننظر ما حقيقة هذا الإيراد وهذا الطعن؟ هل حقيقة قسم الولاية بين أقاربه أم هذه من أكاذيب السبئية التي اخترعوها لتأليب الناس على عثمان، وتبنتها الشيعة وحتى اليوم لتأييد السبئيين في خروجهم وبغيهم وإظهارًا للولاء لهم والوفاء بهم. فها هو ذا المؤرخ الشيعي المشهور اليعقوبي بذكر عمال عثمان على الولايات، فيقول:
"وكان لعثمان على اليمن يعلى بن أمية التميمي، وعلى مكة عبد الله بن عمرو الحضرمي، وعلى همذان جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفي، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري، وعلى البصرة عبد الله بن عامر الكريز، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان بن حرب" (٢) ".
وقد ذكر الطبري وابن الأثير أسماء بقية العمال الذين كانوا على الولايات وعلى المناصب العليا فذكر الطبري وابن الأثير:
وعلى حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب ابن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور السلمي، وعلى فلسطين علقمة بن حكم الكنعاني، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاري، وعلى القضاء (الشام) أبو الدرداء، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قرقيسياء جرير بن عبد الله
_________________
(١) - تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص١٧٣ - ١٧٤
(٢) - تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص١٧٦.
[ ١٠٨ ]
البجلي، وعلى آذربيجان الأشعث بن قيس الكندي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى أصبهان
السائب بن الأقرع، وعلى ما سبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة بن عامر، وعلى القضاء زيد بن ثابت" (١) ".
ونائبه في الحج سنة كان عبد الرحمن بن عوف، وفي السنة الأخيرة كان عبد الله بن عباس كما ذكر اليعقوبي في تاريخه" (٢) ".
ومثل هذا ذكر كل من ابن سعد في طبقاته وابن كثير وابن الأثير في تاريخهما وابن عبد البر في الاستيعاب وغيرهم في غيرها.
ويظهر من هذا الفهرست بداهة ولأول وهلة كذب السبئيين المعلنين لسبئيتهم والمفتخرين بها وكذب المتخلفين والوارثين في أفكارهم ومطاعنهم والمتسترين المتخفين تحت اسم التشيع خوفًا من افتضاح ما هو مفضوح.
فهذه هي الولايات وهؤلاء هم العمال، وهذه هي المناصب وهؤلاء هم الحائزون عليها بثبت التاريخ وبشهادة القوم أنفسهم.
فالمناصب العليا في الدولة كانت هي:
أولًا: القضاء، ولم يكن يتولاها أحد من أقاربه، بل كان يتولاها زيد بن ثابت الأنصاري ﵁.
ثانيًا: وبيت المال كان عليه عقبة بن عامر.
ثالثًا: وعلى إمارة الحج عبد الله بن عباس.
رابعًا: وعلى الخراج جابر بن فلان المزني وسماك الأنصاري.
خامسًا: وعلى الحرب القعقاع بن عمرو.
_________________
(١) - تاريخ الطبري: ج٥ ص١٤٨ - ١٤٩، ابن الأثير ج٣ ص٩٥، وورد بعض هذه الأسماء في البداية والنهاية ص٣٢٢
(٢) - ج٢ ص١٧٦
[ ١٠٩ ]
سادسًا: وقد ذكر بعض المؤرخين أن رئيس الشرطة في أيامه عبد الله بن قنفذ من بني تيم" (١) ".
فهذه هي المناصب الستة العليا في الدولة لم يكن واحد منها من بني أمية أو أقارب عثمان ﵁ وعن باقي الصحابة أجمعين.
سابعًا: وأما عمال الولايات وولاتها فلم يكن مع كثرتهم إلا الثلاثة من بني أمية، وواحد من هؤلاء الثلاثة لم يولّه عثمان على ولايته، بل كان قد ولّى من قبل أبي بكر
ثم أثبته على تلك الولاية عمر مع كثرة عزله العمال والولاة ألا وهو معاوية بن أبي سفيان ﵄ كما ذكر مؤرخ شيعي معاوية من عمال عمر" (٢) ".
ولم يكن أبو بكر ولاّه على تلك الولاية إلا نائبًا لأخيه يزيد بن أبي سفيان ﵄ رسول الله ﷺ على تيماء " (٣) "كما استعمل أباهم، أبا سفيان ﵁ على نجران " (٤) ".
ولم يبق إلا الاثنان: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر بن كريز.
والجدير بالذكر أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيضًا ليس من بني أمية، بل هو من بني عامر ولكن المرضعة التي أرضعت عثمان ﵁ كان أم عبد الله هذا، فهذه حقيقة القرابة كلها.
ثم فهل كان تولية عبد الله بن عامر بن كريز وأضف إليه عبد الله بن سعد من بين العمال الكثيرين فيها مأخذًا ومطعنًا في سيدنا عثمان بن عفان ﵁؟.
_________________
(١) - تاريخ خليفة ابن خياط: ج١ ص١٥٧
(٢) - انظر تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص١٦١
(٣) - تاريخ الطبري: ج٤ ص١٣٠، البداية ج٧ ص٢٤].
(٤) - تاريخ خليفة ابن خياط تحت عنوان عمال رسول الله: ج١ ص٦٢، نسب قريش لمصعب الزبيري، كتاب المحبر لأبي جعفر البغدادي: ص١٢٦ تحت عنوان أمراء رسول الله
[ ١١٠ ]
فهل من المحرّم شرعًا أن يولى الخليفة والأمير أحدًا من أقاربه يستأهله فقط لأنه من أقاربه أو قبيلته وعشيرته. فهل ورد بذلك الكتاب أم السنة، وهل صرح بذلك أحد من الصحابة وأهل البيت وحتى عليّ وأولاده؟.
وهل هذا من المطاعن؟.
فإن كان هذا طعنًا فوقوعه في عليّ بن أبي طالب ﵁ - أحق وأولى حيث ولّى أيام خلافته فثم بن عباس على مكة وعبد الله بن عباس على اليمن " (١) "وولّى عبد الله بن عباس على البصرة وولّى ربيبه محمد بن أبي بكر على مصر" (٢) ".
وولّى صهره وابن أخته جعد بن الهبيرة على خراسان، كما كان على عساكره محمد بن الحنفية" (٣) "
وقد ناب عنه في الحج سنة ٣٦هـ عبد الله بن عباس، وسنة ٣٧هـ فثم بن العباس، وسنة ٣٨هـ عبيد الله بن العباس " (٤) ".
ثم من أين لقوم أن يعترضوا على عثمان لتوليته أقاربه وهو لم يولّ كما أثبتناه - وهم لم يجعلوا عليًّا ﵁ وصى رسول الله إلا لقرابته منه، ولم يجعلوا الإمامة في أولاده إلا لأنهم من أولاده.
وعار عليك إذا فعلت عظيم
ثم ولولا أن يطول بنا الحديث لأثبتنا أن عمل عثمان ﵁ كان أقرب لسنة رسول الله ﷺ ممن جاء بعده، ولم يعترض على عمله
_________________
(١) - تاريخ اليعقوبي الشيعي: ج٢ ص١٧٩
(٢) - مروج الذهب.
(٣) - انظر لذلك مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج٢ ص٣٥١، ومنهاج السنة لابن تيمية والعواصم من القواصم
(٤) - تاريخ اليعقوبي: ص٢١٣
[ ١١١ ]
وعماله أحد من أصحاب رسول الله ولا عليّ والهاشميون الآخرون غيره، ولا أهل الأمصار والولايات الذين أمّر عيهم هؤلاء العمال كما هو ثابت في التاريخ.
فهذا كل ما يدندن حوله القوم من السبئيين إلى شيعة عصرنا الحاضر. وهذه هي الحقيقة وهذه هي الحقائق، وهذه هي التهمة الكبيرة والمطعن الأكبر الذي استعمله السبئيون قديمًا، ويستعمله الشيعة حديثًا.
وأخيرًا ننقل هاهنا ما ذكره الذهبي في (المنتقى) جوابًا على هؤلاء:
إنّ نوّاب عليٍّ قد خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له وعصوه وذهب بعضهم إلى معاوية. وقد ولَّى علي ﵁ زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين وولَّى الأشتر، وولى محمد بن أبي بكر، ومعاويةُ خيرٌ من هؤلاء كلهم. ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن عليًّا كان أبلغ فيه من عثمان، فيقولون إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية وعليّ ولَّى أقاربه من قبل أبيه وأمه كعبد الله وعبيد الله ابني عمه العباس وقُثَم بن العباس وثُمامة ابن العباس. وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره وولد أخته أم هانئ ثم إن الإمامية تدَّعي أن عليًّا نص على أولاده في الخلافة ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني العم وإذا ادُّعي لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين كان ما يُدَّعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. وأما عثمان فله أسوة في استعمال بني أمية بالنبي ﷺ فقد استعمل عتّابَ بن أسيد الأموي على مكة، وأبا سفيان
[ ١١٢ ]