والملل والرجال والتاريخ وهي متفقة لفظًا ومعنى تقريبًا في ذكره وأوصافه ونعوته وعقائده وأفكاره؟
ثم ولماذا الخوف من الفضيحة والعار؟ وإن كان هناك عار فلماذا التستر.
وهل لا يجر هذا الإنكار إلى أن ينكر شخص وجود علي ومعاوية ووقوع الحوادث إن كان هناك مجرد إنكار؟. وما أعدله ما قاله عالم شيعي معاصر قريب - مع تعصبه - وهو يذكر الغلو وتاريخه، فيقول: إنه بعد تولية أمير المؤمنين على منصب الخلافة ظهر في أيامه قوم وأرادوا إخراجها من قالب " الموالاة والتمسك " إلى قالب التأليه لعلي (ع) " ولما بلغه عنهم ذلك أنكره أشد الإنكار. وحرق بالنار جماعة ممن غلا فيه ".
والظاهر أن عبد الله بن سبأ لم يكن (وقتئذ) على هذه المقالة الغالية ولا شمله الإحراق، وهذا ما يراه ابن أبي الحديد بقوله: استترت هذه المقالة سنة أو نحوها ثم ظهر عبد الله بن سبأ بعد وفاة علي أمير المؤمنين (ع) فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية.
ويوافقه الشهرستاني بقوله: وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵇ " ولكن الاسترا بادي يخالفهما بما رواه من أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين (ع) هو الله تعالى. فبلغ أمير المؤمنين: قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب ثكلتك أمك. فأبى فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار " ولا يبعد أن يكون الأرجح ما قاله ابن أبي الحديد من أن ابن سبأ لم يشمله الإحراق وأنه أظهر تلك المقالة بعد وفاة أمير المؤمنين (ع). ووافقه الشهرستاني على ذلك وأن قال قلبه: " إن ابن سبأ قال لعلي ﵇
[ ٦٣ ]
أنت، أنت، يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن " ولا ينافي هذا القول قوله الآخر إذ من المحتمل قريبًا أن يكون ابن سبأ قد قال لعلي (أنت، أنت) لكنه قد أخفاه في حياة علي (ع) أيام منفاه وبعدها إلى أن توفي علي (ع) فأظهره بعد ذلك بسنة أو بأقل.
وعلى كل حال فإن الرجل - أي ابن سبأ - كان في عالم الوجود وأظهر الغلو. وإن شك بضعهم في وجوده وجعله شخصًا خياليًا شخصته الأغراض الشخصية، أما نحن بحسب الاستقراء الأخير فلا نشك بوجوده وغلوه نعم غلا ابن سبأ في دينه وتسربت بدعته هذه إلى أفكار جماعة غير قليلة، قد سميت باسمه. وأخذت بعد ذلك بالتطور السريع حتى تجاوزت عن القول بإلهية فرد من المخلوقين إلى القول بإلهية اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من أهل البيت ﵈ (١).
وقد أقر بوجوده من أعلام الشيعة المتأخرين المظفري في كتابه تاريخ الشيعة (٢).
وكذلك كبير القوم السيد محسن الأمين في موسوعته (٣).
وغيرهم الكثيرون، الكثيرون.
فهذا هو عبد الله بن سبأ، وهذه العقائد التي حملها إلى المسلمين وإلى الشيعة بالذات بتعبير صحيح ودقيق، لأنهم هم كانوا الحقل الصالح لبذر هذه البذور، ومنهم [من] كان يتوقع أن يجد آذانا صاغية وقلوبًا واعية، وباسم قائدهم كان يتوقع إثارة الضغائن والأحقاد.
_________________
(١) - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين: ص ٢١٢ - ٢١٣ ط دار الآثار - بيروت الطبعة الثانية ١٩٧٩م
(٢) - انظر تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص ١٠ ط. قم.
(٣) - انظر أعيان الشيعة وخاصة الجزء الأول من القسم الأول.
[ ٦٤ ]
وفعلًا استطاع جذب الكثير منهم إليه وإلى معتقداته خصوصًا بعد ما كان مظفرًا منصورًا في إتاحة حكم الإمام المظلوم عثمان بن عفان له اختلاق قصص باطلة وأساطير كاذبة (١) وتكوينه جمعية سرية تعتقد في علي ﵁ وصابة النبي ﷺ ووراثته، وإيجاد رجال يقدسونه ويؤلهونه ويصفونه بأوصاف ونعوت هي لله خاصة، فدخل هؤلاء كلهم تحت رايته في شيعة علي ﵁ واندمجوا معهم، وبدأوا ينفثون السموم إلى رفاقهم ومصاحبيهم ومجالسيهم، فتأثر من تأثر وكتم من كتم وظهر من ظهر، فنكل الإمام علي بن أبي طالب ﵁ بمن اكتشف وأظهر عقيدته الأصلية الخافية وعذبهم أشد العذاب، وطرد بعضًا منهم وقتل البعض الآخرين سيفًا وحرقًا، وأعلن في ملأ من الناس أنه ليس إلا عبد الله طائعًا، وأن من يكتشف أنه من السبئيين يعمل به ما عمل بالمحرقين، ومن وجده متأثرًا منهم وعلم أنه يفضله على الشيخين أو يتكلم فيهم فيجلده حد المفتري كما روى زيد بن وهب أن سويد بن غفلة.
دخل على علي في إمارته فقال: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك منهم، عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبدا، ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما بطوله وفي آخره: ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد
_________________
(١) - نخصص لهذه القصص الباطلة والأساطير الموضوعة بابًا مستقلًا في هذا الكتاب لما لها من علاقة وثيقة بشيعة اليوم، وأنهم لم يأخذوا هذه التهم إلا من عبد الله بن سبأ، كما أخذوا العقائد منه وسنبين هذا كله مفصلًا إن شاء الله بالبراهين والأدلة.
[ ٦٥ ]
المفتري (١) ".
وذكر الهمداني المعتزلي المتوفى ٤١٥هـ هذه الرواية أيضًا ولكن فيها من الفوائد ما ليست في غيرها، فنريد أن نثبتها هاهنا، فإنه يقول: وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدهم حجرًا، حجرًا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.
ولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن غفلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه - رحمة الله عليهما - ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضًا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة،
ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عليه متنزه، ومما قالوا برئ، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما أحدًا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنين عنهما راضون، أمر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة
_________________
(١) - لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج٣ ص ٢٩٠ ط بيروت.
[ ٦٦ ]
المؤمنين فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنين ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعًا، وأقدمه سلمًا وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوًا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك، ثم ولى الأمر بعده عمر، واستأمر في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي منهم ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي ﷺ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقًا رحيمًا لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونًا وناصرًا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شانه، حتى إن كنا لنظن أن ملكًا ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام وجعل هجرته للدين قوامًا، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فظًا غليظًا على الأعداء، وبنوح حنقًا مغتاضًا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله فمن لكم بمثلهما - رحمة الله عليهما - ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما ن واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما ن ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا اشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي
[ ٦٧ ]
ولكم (١) ".
وأورد هذه الخطبة كثير من الشيعة والسنة، ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي الشيعي من همه البطش بمن يتكلم في أبي بكر وعمر كما مر.
فكتم السبئيون أمرهم وبدأوا يعملون في السر والخفاء وتقنعوا بقناع التقية (٢) "
وهكذا حاول واستطاع علي ﵁ الحفاظ على شيعته، وحال بينهم وبين العقائد اليهودية المجوسية ولكنه لم يكد يقضي عليه ويستشهد بيد ابن ملجم المرادي الخارجي حتى ظهرت السبئية بكل قوة، وعبد الله بن سبأ بكل صراحة، حتى قال لمن نعاه بشهادته:
كذبت عدو الله لو جئتنا - والله - بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلًا ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض، ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي، فاستأذنوه عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا نعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار الثقيل ويلمع في ظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام (٣) ".
_________________
(١) - تثبيت دلائل النبوة للهمذاني ج ٢ ص ٥٤٦ - ٥٤٨ ط بيروت.
(٢) - ولعل عقيدة التقية أيضًا انتقلت إلى الشيعة من هؤلاء الناس لأنهم أول من استعملها خوفًا من عقوبة علي ﵁ ومطاردته.
(٣) - المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الشيعي القمي، تثبت دلائل النبوة ج٢ ص ٥٤٩.
[ ٦٨ ]