مجتمعين على قتل عثمان، مختلفين فيمن يهوون، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا جمعهم الشر على أول من أجابهم وقالوا: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع فأقدم نبايعك، فبعث إليهم أني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على حال، وتمثل:
لا تخلطن خبيثات بطيبة واخلع ثيابك منها وانج عريانا
ثم أنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم " (١) ".
ولم تكن حيرتهم إلا لمعرفتهم أنه لو قام قائم دون مشورتهم وبغير رأي منهم لحكّم فيهم السيف وأخذ منهم القصاص للإمام المظلوم وخليفة رسول الله وزوج ابنتيه وابن بنت عمته، القائم بالحق، ذي الجود والحياء عثمان بن عفان - ﵁ - ولقد صرح بذلك ابن كثير في روايته التي ساقها أن القوم لما يئسوا من الجميع وحاروا في أمرهم قالوا:
"إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد قتل عثمان بغير إمرة اختلف الناس في إمرتهم ولم نسلم" (٢) ".
ثم جاءوا إلى أهل المدينة وجمعوهم:
"فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائطه، ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب، وهرب الوليد وسعيد إلى مكة في أول من خرج وتبعهم
مروان وتتابع على ذلك من تتابع، فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون
_________________
(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٥، ابن الأثير: ج٧ ص٢٢٦، ابن الأثير: ج٣ ص٩٩، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١
(٢) - البداية والنهاية: ج٧ ص٢٢٦
[ ١٣٧ ]
الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع فقد أجلناكم يومين فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا، فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذي القرب" (١) "فردّ عليهم علي - ﵁ - بقول: - وقد نقل هذا القول في أقدس كتاب شيعي حسب زعم القوم ألا وهو نهج البلاغة -:
"دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا " (٢)، (٣) ".
وذكر ذلك من مؤرخين السنة الطبري في تاريخه " (٤).
_________________
(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٦، الكامل: ج٣ ص٩٩، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١.
(٢) - وفي هذا أكبر دليل رغم أنوف من يرى خلاف ذلك أن عليًّا ﵁ لم يكن يعدّ نفسه إمامًا منصوبًا من قبل الله ﷿ ولا منصوصًا عليه لأنه لو كان كذلك لما كان له الخيار في ردّ الإمامة والخلافة عندما جاءت إليه تسعى بقول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فهذا الكلام الصادر عن علي ﵁ المنقول في أقدس كتبهم لكلام فصل وقضاء مبرم واضح صريح بيننا وبين الذين يرون خلاف هذا، وعلى ذلك قال ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي مع تشيعه أن هذا الكلام يدل على: "أنه ﵇ لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول ﷺ، وإن كان أولى الناس بها وأحقهم بمنزلتها، لأنه لو كان منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول ﷺ لما جاز له أن يقول: دعوني والتمسوا غيري، ولا أن يقول: وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا، ولا أن يقول: ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٧ ص٣٣ - ٣٤. كما أن مجرد امتناعه عن قبول الخلافة لكان من الحجة القاضية عليهم، والنصوص في هذا المعنى كثيرة وبعضها آتية مذكورة قريبًا. فهل منصف ينصف وعادل يعدل؟. وإن في ذلك لذكرى لأولي الأبصار
(٣) - نهج البلاغة: ص١٣٦ ط. بيروت
(٤) - ج٥ ص١٥٦
[ ١٣٨ ]