وبني المصطلق ويهود خيبر وغيرهم، يخبرنا عن كل ذلك أقدم مؤرخ شيعي، وأول من كتب في الفرق من القوم ألا وهو النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة فقال:
" السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن عليًا ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقربه، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟. فصيره إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم وولى عليًا ﵇ وكان يقول وهو علي يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (١) ".
ويذكر أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع للشيعة في أقدم كتاب شيعي في الرجال عديدا من الروايات عن عبد الله بن سبأ وعقائده وأفكاره نثبت بعضًا منها هاهنا:
" حدثني محمد بن قولويه. قال: حدثني سعد بن عبد الله. قال حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة
_________________
(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص ٤١، ٤٢ ط المطبعة الحيدرية نجف بتعليق آل بحر العلوم ط ١٩٥٩م.
[ ٥٤ ]
بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵇، وكان والله أمير المؤمنين ﵇ عبدًا لله طائعًا، الويل لمن كذب علينا، وأن قومًا يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم ".
وبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين - صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرًا عظيمًا ماله لعنه الله، كان علي ﵇ والله عبدًا صالحًا أخا رسول الله ﷺ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.
وبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله [بن سنان] قال: قال أبو عبد الله ﵇ إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين ﵇ أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ.
وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون (وصي موسى بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في علي ﵇ مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول
[ ٥٥ ]
بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخاليفه وكفرهم فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية (١) ".
وقال الحلي الشيعي الحسن بن علي في كتابه الرجالي المشهور:
" عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو، كان يدعي النبوة وأن عليًا ﵇ هو الله، فاستتابه ﵇ ثلاثة أيام فلم يرجع، فأحرقه في النار في جملة سبعين رجلًا ادعوا فيه ذلك (٢) ".
ومثل ذلك القول قام إمام متأخري الشيعة في الرجال المامقاني كتابه تنقيح المقال (٣) "
وذكر مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه بالفارسية:
إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (أي عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدا يروج مذهبه ومسلكه، وإن لكل نبي وصيًا وخليفة، فوصى رسول الله وخليفته ليس إلا عليًا، المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت عليًا، وغصبت حقه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان (٤) ".
ومثل ذلك قال الرجالي الشيعي الإسترا آبادي:
إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين "ع" هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك فدعاه وسأله، فأقر، وقال: نعم أنت هو. فقال له أمير المؤمنين قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا
_________________
(١) - رجال الكشي ص ١٠٠، ١٠١.
(٢) - كتاب الرجال للحلي ص ٤٦٩ ط طهران ط ١٣٨٣هـ.
(٣) - ج ٢ ص ١٨٤ ط إيران.
(٤) - تاريخ شيعي: روضة الصفا في اللغة الفارسية [ج ٢ص ٢٩٢] ط طهران.
[ ٥٦ ]
وتب ثكلتك أمك، فأبى، فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار (١) ".
ولكن ابن أبي الحديد الشيعي الغالي المعتزلي شارح النهج يخالف ذلك بأن عليًا أحرقه فإنه يرى أن القول بتأليه علي لم يظهره عبد الله بن سبأ إلا بعد وفاة علي ﵁ فأظهره واتبعه قوم فسموا السبئية (٢) ".
ويؤيده في ذلك من السنة عبد القادر البغدادي ولكنه يضيف إلى ذلك أن عليًا لم يحرقه خوفًا من شماتة أهل الشام حيث يذكر ابن سبأ والسبئية:
السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ﵁ وزعم أن كان نبيًا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة،
ورفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين، حتى قال بعض الشعراء في ذلك:
لترم بي الحوادث حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين
ثم إن عليًا ﵁ خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي ﵁ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليًا، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن عليًا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ﵇ وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصًا مصلوبًا شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليًا فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه
_________________
(١) - منهج المقال ص ٢٠٣.
(٢) - شرج نهج البلاغة: ج٢ ص ٣٠٩.
[ ٥٧ ]
وزعم بعض السبئية أن عليًا في السحاب وأن الردع صوته والبرق صوته، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
وقد روى عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: إن عليًا قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.
وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي دون غيره، وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدة بريء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات:
برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب
ولكني أحب بكل قلبي وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبا به أرجو غدًا حسن الثواب
وقد ذكر الشعبي أن عبد الله بن السوداء وكان يعين السبئية على قولها، وكان ابن السوداء في الأصل يهوديًا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام، وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة، فذكر لهم أنه وجد في التوارة أن لكل نبي وصيًا، وأن عليًا ﵁ وصي محمد ﷺ وأنه خير الأوصياء كما أن محمدًا خير الأنبياء، فلما سمع ذلك منه شيعة علي قالوا لعلي: إنه مجيبك، فرفع علي قدره، وأجلسه تحت درجة منبره. ثم بلغه فيه فهم بقتله، فنهاه ابن عباس عن ذلك وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام، وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلما خشي من قتله ومن قتل ابن سبأ الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن فافتتن بهما الرعاع بعد قتل علي ـ
﵁ وقال لهم ابن السوداء: والله
[ ٥٨ ]