لله وأما ستّ فإني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه" (١) ".
فهذه هي القصة، اختصرناها من تاريخ الطبري ومروج الذهب للمسعودي الشيعي بدون تغيير لفظ وتحريفه. وهكذا فاز السبئيون في تفريق كلمة المسلمين وإيقاع الخلاف والشقاق بينهم الذي لا ينتهي إلى يوم القيامة كما تنبأ عن ذلك عثمان ﵁ مخاطبًا الأشتر وغيره:
فوالله إن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدًا ولا تصلون جميعًا بعدي أبدًا ولا تقاتلون بعدي جميعًا أبدًا" (٢) ".
فهذا هو الذي حصل. ولقد أطلنا النقل في هذا الخصوص لما أن له علاقة مباشرة بهذا الموضوع وهي المطاعن التي استغلها السبئيون لقلب نظام الحكم. فهي كما تلي، بلسان أحد أخلافهم. فيقول ابن المطهّر الحلي:
وأما عثمان فإنه ولَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، حتى ظهر من بعضهم الفسوق ومن بعضهم الخيانة، وقسم الولايات بين أقاربه، وعوتب على ذلك مرارًا فلم يرجع. واستعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر وصلَّى بالناس وهو سكران، واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة، فظهر منه ما أدى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. وولَّى عبد الله بن أبي سرح مصر حتى تظلَّم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سرًّا، خلاف ما كتب إليه جهرًا، وأمره بقتل محمد بن أبي بكر. وولَّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدث. وولى عبد الله بن عامر العراق، ففعل من المناكير ما فعل. وولى مروان أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه
خاتمه، فحدث من ذلك قتل عثمان، وحدث الفتنة بين الأمة ما حدث. وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من
_________________
(١) - الطبري: ج٥ ص١٣١ - ١٣٢
(٢) - تاريخ الطبري: ج٥ ص١١٨
[ ١٠٥ ]
بيت مال المسلمين، حتى إنه دفع إلى أربعة نفر من قريش زوَّجهم بناته أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار. وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما حكم ضربه حتى مات. وضرب عمًّارًا حتى صار [به] فتق، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: عمار جلدة بين عيني، تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة؛ وكان عمار يطعن عليه.
وطرد رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه مروان، فلم يزل طريدًا هو وابنه في زمن النبي صلى الله عليه وآله. وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان آواه ورده إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه، وصاحب تدبيره؛ مع أن الله تعالى قال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة: ٢٢] الآية.
ونفى أبا ذرّ إلى ربذة، وضربه ضربًا وجيعًا، مع أن النبي صلى الله عليه وآله قال في حقه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، وقال صلى الله عليه وآله: إن الله أوحى إليّ أنه يحب أربعة من أصحابي، وأمرني بهم، قيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: علي ﵇ سيدهم، وسلمان، ومقداد، وأبو ذر.
وضيَّع حدود الله فلم يحد عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين ﵇ بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين ﵇ يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حد الضرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين ﵇ وقال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر. وزاد الأذان يوم الجمعة وهو بدعة، وصار سنة الآن. وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل" (١)
_________________
(١) - منهاج الكرامة الملحق بمنهاج السنة ص٦٦ - ٦٧.
[ ١٠٦ ]
"فهذه هي تركة السبئيين تلقفها الشيعة منهم وتوارثها آباء آبائهم قبل، وهذه أحد الأدلة بأن شيعة اليوم لم يكوّنوا مذهبهم ولم يؤسسوا قواعده وأركانه إلا على الأسس التي وضعها السبئية، وليس لهم علاقة بالشيعة الأولى، شيعة عليّ وأولاده، لا من قريب ولا من بعيد وكما سنبينه قريبًا إن شاء الله في موضعه.
فالإيرادات هذه التي اخترعها واختلق بعضها السبئيون ردّ عليها ذو النورين في حينها كما ذكرناه آنفًا من الطبري وغيره، ولم يكن لبعض منها وجود آنذاك، وقد تصدى للرد على جميع هذه الأكاذيب والأباطيل أعيان هذه الأمة وأسلافها، وأئمة السنة وأعلامها، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ذكر واحدًا واحدًا منها ثم ردّ عليها بالأصول الثابتة والبراهين الساطعة. وكذلك تلميذه الذهبي حيث لخص كتابه، والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهم من العلاء والمتكلمين والفقهاء. وفي شبه القارة الهندية الباكستانية انبرى لها الكثيرون وعلى رأسهم الحكيم الدهلوي وليّ الله
صاحب (حجة الله البالغة) و(قرة العينين في تفضيل الشيخين) و(إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء) وابنه عبد العزيز الدهلوي الذي لخص كتابه الآلوسي الصغير وغيره الكثيرون الكثيرون، ولكن القوم تعوّدوا على الكذب والإصرار عليه، ويكثرون كيما ينطلي على السذج والمغفلين من الناس.
ولكن لأننا بدأنا في البحث عن السبئية وأفكارهم والفرق التي تفرعت من الشيعة وتاريخها وتبنيها أفكارهم دون أفكار الشيعة الأولى أردنا ذكر هذه المطاعن، وعلاوة على ذلك نبتغي من الرد عليها بأسلوبنا الخاص وذكرنا الاستشهادات من كتب القوم ابتغاء مرضاة الله للدفاع عن حمى الإسلام والذود عن أصحاب محمد ﷺ، الذين نحبهم لحب
[ ١٠٧ ]