وخرج عن الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه ﵁، فبكوا، فبلغ ذلك عليًّا وطلحة والزبير وسعدًا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟. ولَطَمَ الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير" (١) " فهل لهم أن ينتهوا؟.
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي
ونختم هذا الباب على حديث رواه البخاري:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فضربه برجله فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " صحيح البخاري ".
وعلى حديث آخر رواه البخاري ومسلم أيضًا:
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح. فقال النبي ﷺ: افتح له وبشّره بالجنة، ففتحت له فإذا أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله ﷺ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: افتح له وبشّره بالجنة ففتحت له فإذا عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: افتح له وبشّره بالجنة على بلوى تصيبه. فإذا
_________________
(١) - مروج الذهب للمسعودي الشيعي: ج٢ ص٣٤٤ - ٣٤٥.
[ ١٣١ ]
عثمان فأخبرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان "متفق عليه".
وأخيرًا ما رواه الترمذي وابن ماجة عن مرة بن كعب قال:
سمعت رسول الله ﷺ ذكر الفتن فقرّبهما، فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، قال: فأقبلت عليه بوجهه - أي النبي ﷺ - فقلت: هذا؟. فقال: نعم
"رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث صحيح".
فهذا هو عثمان بن عفان ﵁ على لسان رسول الله ﷺ، وهذا هو شأنه، وهذا هو ما فعله السبئيون والمخدوعون بهم، وهذه هي المطاعن المزوّرة التي اخترعوها لقلب نظام الحكم الإسلامي الراشد " (١) " ولبثّ سموم الفتنة بين المسلمين وتزحزحهم عن العقائد الإسلامية الصحيحة وردّهم بالمرحلة الأولى بقتل أمير المؤمنين وخليفة المسلمين والتفريق بين الجماعة الواحدة والأمة المرحومة، ثم تخطوا بعد ذلك بخطوة أخرى ألا وهي الإيقاع بين المسلمين وإشعال نيران الحرب بينهم وإثارة الفتن والبغضاء، ثم إبعادهم عن العقائد الإسلامية الصحيحة وإدخالهم في العقائد اليهودية المدسوسة والفكر اللاإسلامي، وفعلًا نجحوا في المرحلة الثانية أيضًا ألا وهي إيقاع الفتن بين المسلمين والهرج والمرج حتى ينفلتوا عن الجهاد في سبيل الله ويرجعوا لضرب بعضهم بعضًا، وينحصر القتال فيما بينهم ويدور بين فئاتهم وأحزابهم
_________________
(١) - ومن المؤسف جدًّا بأن كثيرًا ممن يدعون الانتساب إلى السنة تأثروا من دعايات السبائية الكثيرة المكررة فلم يفرقوا بين الحق والباطل وأطلقوا عنان أقلامهم لنقل هذه الخرافات والخزعبلات دون النظر إلى الأكاذيب السبائية وأباطيلها، ودون التمييز بين الغث والسمين فقالوا ما قالوا وكتبوا ما كتبوا - وما أكثرهم - وما أبعدهم عن الحق والصواب مع انتسابهم إلى العلم والزعامة الدينية
[ ١٣٢ ]
بعدما كانت تدور رحاها على ثغور الكفر وبلاد الشرك والوثنيات. وسنلخص القول في الباب القادم ما حصل فعلًا بأن الرقاع الإسلامية التي اتسعت في عهد عثمان امتدادًا لاتساع الفاروق والصديق انحصرت على ما كانت عليه في عهد علي ﵁، وبدأ علي ﵁ يشكو ويقول متأسفًا:
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها خير ما تواصى به العباد وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة) " (١) ".
فبدل أن يتوجه المسلمون إلى أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء هذه الأمة بدأت سيوفهم تتفلل فيما بينهم. وهذا ما كانت تريده اليهودية البغيضة وهذا ما حصل كما نحن بصدد بيانه وذكره.
_________________
(١) - نهج البلاغة ص٣٦٧ ط. بيروت.
[ ١٣٣ ]