إن فكرة ظهور رجل من آل محمد يملأ الأرض قسطًا وعدلًا فكرة جميلة ومليئة بالآمال الخيِّرة ولكن علماء الشيعة ألصقوا بالإمام " المهدي " جناحين أثقلا كاهل الشيعة في كل زمان ومكان وهذان الجناحان هما: بدعة الخمس في أرباح المكاسب، وبدعة ولاية الفقيه، فالأولى تعني دفع ضريبة مالية ما أنزل الله بها من سلطان والثانية تعني عبودية الإنسان للإنسان بلا قيد ولا شرط.
[ ٦٠ ]
الإمام المهدي
الاجتهاد والتقليد
الخمس
ولاية الفقيه
تعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام " الحسن العسكري " وهو الإمام الحادي عشر للشيعة عندما توفي عام / ٢٦٠ / هـ كان له ولد يسمى " محمدًا " له من العمر خمس سنوات وهو " المهدي " المنتظر، وهناك روايات أخرى تقول: إن " المهدي " ولد بعد وفاة والده الإمام " العسكري " ومهما كان الأمر فإن " المهدي " تسلم منصب الإمامة بعد والده وبنص منه وبقي مختفيًا عن الأنظار طيلة خمس وستين عامًا وكانت الشيعة تتصل به في هذه الفترة عن طريق نواب عينهم لهذا الغرض، والنواب هم [[[عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد بن عثمان وحسين بن روح وآخرهم علي بن محمد السيمري]]] وهؤلاء النواب الأربعة لقبوا " بالنواب الخاص " والفترة هذه تسمى بعصر الغيبة الصغرى، وفي عام / ٣٢٩ / هجري وقبيل وفاة / علي بن محمد السيمري / بشهور قليلة وصلت رقعة إليه بتوقيع الإمام " المهدي " جاء فيها:؟ لقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد أن يأذن الله فمن ادَّعى رؤيتي فهو كذاب مفتر؟ وهذا العام هو بداية الغيبة الكبرى ومنذ ذلك الحين انقطع اتصال الشيعة بالإمام بصورة مباشرة وغير مباشرة، وحتى إذا ادَّعى أحد ذلك فالشيعة تكذبه بسبب النص الوارد في آخر خطاب ورد إليهم من الإمام " المهدي " هذه هي خلاصة عقيدة الشيعة الإمامية في " المهدي " المنتظر ولا تزال الشيعة في كل عام وفي يوم الخامس عشر من شهر شعبان تحتفل بولادة " المهدي " احتفالًا كبيرًا وهو الإمام الوحيد الذي تحتفل الشيعة بيوم ولادته فقط أما الأئمة الآخرين فتكون الاحتفالات في أيام مولدهم ووفاتهم على السواء.
وفكرة " المهدي " وظهور قائد في آخر الزمان يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن
[ ٦١ ]
ملئت ظلما وجورًا موجودة في كثير من الأديان، وهناك أحاديث روتها كتب الصحاح عن النبي الكريم عن ظهور " مهدي " من ولده في آخر الزمان ولكن ليس على نحو التعيين، أما الشيعة فتستند على روايات نسبت إلى أئمتها أن " المهدي " المنتظر الذي أخبر به الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - غنما [هكذا في الأصل ولعله حتمًا] هو ابن الإمام " الحسن العسكري (١) " ونحن هنا لا نريد أن ندخل في ذلك الجدل البيزنطي القديم حول " المهدي " وإعطاء تفسير عقلي لبقائه آلاف السنين في هذه الدنيا فنحن معاشر الشيعة كسائر الفرق الإسلامية الأخرى ما دمنا نعتقد بالغيب وان الله قادر على كل شيءٍ فلا نجد صعوبةً في الاعتقاد بأن إنسانًا ما يعيش في هذه الدنيا خارجًا عن القوانين الطبيعية آلاف السنين، فالقرآن الكريم صريح بأن " نوحًا " عاش في قومه ألفًا إلا خمسين عامًا وأصحاب الكهف؟ لبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعًا؟ وأن الله رفع " عيسى بن مريم " إليه وهو حي في رحابه ولنقرأ معًا هذه الآيات البينات:؟ ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (٢)؟؟ ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعًا (٣)؟؟ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم من علم إلا
اتباع الظن وما قتلوه يقينًا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا (٤)؟ وفكرة " المهدي " بحد ذاتها فكرة جميلة فهي توحي بالخير المحض والتطلع إلى عالم مليء بالخيرات والفضائل والحسنات، عالم مثالي طالما دعا إليه "
_________________
(١) - ذكر الترمذي في صحاحه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله في رجلًا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) وفي مسند " أحمد بن حنبل " عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) سيرة الأئمة الإثني عشر ج٢ ص٥٤٣ - هاشم الحسيني.
(٢) - العنكبوت ١٤
(٣) - الكهف ٢٥
(٤) - النساء ١٥٧ - ١٥٨
[ ٦٢ ]
أفلاطون " في جمهوريته و" الفارابي" الفيلسوف الإسلامي في مدينته الفاضلة مضافًا على تلك النظرية المثالية قيمًا إسلامية رفيعة.
ولو أن الاعتقاد بوجود " المهدي " بقي محصورًا في الإيمان بوجود إمام غائب من نسل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يظهر في يوم من الأيام ما يملأ الأرض قسطًا وعدلًا لكان المسلمون بخير، ولكن مع الأسف الشديد إن فقهاء المذهب الجعفري ألصقوا إلى " المهدي " جناحين شوهوا بهما صورة " المهدي " الرفيعة الوضاءة وهذا الجناحان بدعتان كبيرتان ألصقتا بالمذهب الشيعي في عهد ظهور الصراع بين الشيعة والتشيع وهما تتناقضان مناقضة صريحة واضحة مع نصوص القرآن الكريم وسيرة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وعمل الإمام " علي " والأئمة من بعدهن البدعة الأولى هي تفسير الخمس في أرباح المكاسب والبدعة الثانية هي ولاية الفقيه في المجتهدين، إن الزعامات المذهبية التي تولت أمور الشيعة الدينية بعد الغيبة الكبرى بسبب فتح باب الاجتهاد ولا زالت هي الماسكة بزمام العقيدة الشيعية حتى هذا اليوم كانت وراء هاتين البدعتين.
أما الخمس فيكاد يكون من المتفق عليه عند علماء المذهب الشيعي إنها تشمل أرباح المكاسب والغنائم معًا إلا أن تفسير الغنيمة بأرباح المكاسب ظهر بعد الغيبة الكبرى بقرن ونصف في الكتب الشيعية، أما ولاية الفقيه فهناك من علماء المذهب من عارضها ولكن لها أنصارها إلا أن المجمع عليه عندهم أن نوعًا من الولاية التي تشبه صلاحية القضاة في تعيين الوصيّ على المجنون والطفل القاصر تكون من صلاحيات المجتهدين وقبل أن نتحدث عن البدعتين الملصقتين بالإمام " المهدي " لا بد من إعطاء صورة واضحة عن الفكرة الاجتهادية عند الشيعة وعلاقة الشيعة بالإمام " المهدي " حسب ما صوره علماء المذهب.