لقد قلت قبل قليل إن فكرة الرجعة لا تشغل حيزًا مهمًا في عقيدة الشيعة الإمامية ولكن كثيرًا منهم يقرؤون زيارة الجامعة الكبيرة التي هي من أهم الزيارات وتعتبر موثوقة عند الشيعة وفيها عبارات صريحة في الرجعة ولم يحدث قط أن فقيهًا من فقهائنا أو زعيمًا من زعمائنا وقف مفندًا لهذه الجملة بصريح القول والعبارة والشجاعة أو أمر بحذفها أو فسرها تفسيرًا ملائمًا مع العقل إن كان هناك مجال للتفسير، وزيارة " الجامعة " التي أشرنا إلى مقتطفات منها في فصل زيارة مشاهد الأئمة وهي التي تقرؤها الشيعة أمام قبور ومشاهد أئمتها عندما تذهب للسلام عليهم فقد جاء في إحدى فقرات هذه الزيارة هذه العبارة:؟ مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم (١) ؟ ولا شك أن الغرض من عبارة من عبارة رجعتكم ليس البعث والنشور لأن في هذا الأمر يشترك الناس جميعًا حسب عقيدتنا الإسلامية التي هي الأصل الثالث من أصول الدين ويأتي بعد التوحيد والنبوة، إذن فإن الغرض من الرجعة هو الرجعة الثانية إلى هذه الدنيا وعلى هذه العبارة استند كثير من أعلام المذهب الشيعي في إثبات الرجعة فكان شأنهم شأن من بنى على رواية موضوعة أو جملة موضوعة بناءً شاهقًا من الأوهام وهنا نذكر جملة لأرسطو قالها في أستاذه " أفلاطون " ساخرًا من نظرية المثل التي نادى بها فقال:
_________________
(١) - مفاتيح الجنان ص١٠٠٥
[ ١٤٤ ]
إن مثل أفلاطون في مثله كمن صعب عليه أن يعد كمية من الأشياء فضاعفها كي يسهل عليه عدها؟ وهكذا فإن بعض فقهائنا عندما يصعب عليهم فهم جملة أو دركها لتناقضها مع أصول الإسلام والعقل فبدلًا من أن يطرحوها أرضًا ويجنبون العوامّ من الناس من أمرها يضاعفون في شرحها وتفسيرها وبذلك يضيفون بدعة إلى بدعة وضلالًا إلى ضلال فتزيد الطين بلة ويعم الشر الجميع.
إن غربلة كتب الزيارة من كل العبارات والمضامين التي تتغاير وتتناقض مع العقل السليم وروح الإسلام ولا سيما تلك العبارات والجمل التي فيها تنقيص وتجريح وذم بالنسبة للخلفاء الراشدين وصحابة الرسول تقع في دائرة التصحيح العملي وأن على الشيعة في كل الأرض أن تعي ما تقرأ كل الوعي وأن لا تردد ما وضع تحت يدها من مطبوع أو مخطوط بذريعة أنها صدرت من احد أئمة الشيعة وإني لا أشك أن كثيرًا من الزيارات التي نسبت إلى أئمتنا لو كان قد وصل إلى علمهم لأجروا حد الكذب والافتراء على واضعها وأن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المفترون؟ ويلكم لا تفتروا على الله كذبًا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (١) ؟
_________________
(١) - طه ٦٠
[ ١٤٥ ]