يقول الإمام " عليًا "؟ دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أَسْمَعَكم وأَطْيَعَكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا (١)؟
ولنستمع إلى الإمام مرة أخرى وهو يخاطب أهل الشورى قبل بيعة عثمان:؟ ولقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عَلَيَّ خاصّة التماسًا لأجر ذلك وفضله (٢) ؟.
وهذا هو الإمام يجيب بعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟:؟ وقد استعملت فاعلم أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبًا والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطا فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس وسخت عنها نفوس قوم آخرين والحكم لله والمعود إليه القيامة (٣) ؟
ولنقرأ معًا نصوصًا أخرى للإمام فيها وضوح وصراحة في رغبته عن الخلافة وأنه كان يدفعها عن نفسه دفعًا ولكنه كان يعتقد بأنه أحق من غيره بها، ولم يذكر الإمام أن هناك نصًا من الله وتشريعًا إلهيًا ورد في الخلافة، يقول الإمام:؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في
_________________
(١) - نهج البلاغة ج١ ص١٨٢
(٢) - نهج البلاغة ج١ ص١٢٦
(٣) - نهج البلاغة ج٢ ص٦٤
[ ٣٣ ]
الولاية إربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما أفضت إليَّ نظرت في كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته (١)؟
ويقول في مكان آخر:؟ فأقبلتم إلي إقبال العود المطافيل على أولادها تقولون البيعة البيعة قبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم يدي فحاذيتموها (٢) ؟ ويتحدث الإمام مرةً أخرى في كتاب بعثه إلى " مالك الأشتر " جاء فيه:؟ فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على " ابن أبي قحافة " يبايعونه فأمسكت يدي (٣) ؟
وبعد أن قرأنا هذه العبارات الواضحات في اعتقاد الإمام بأولويته في الخلافة بعد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لا بد وأن نقرأ أيضًا ما قاله في شرعية الخلفاء الذين سبقوه حتى نعلم مدى إيمان الإمام واعتقاده بصحة وشرعية بيعتهم، يقول الإمام:؟ إناه بيعة واحدة لا يثني فيها النظر ولا يستأذن فيها الخيار الخارج منها طاعن والمروي فيها مداهن (٤)؟
ويقول في مكان آخر:؟ ألا وإنكم قد نفضتم من حبل الطاعة وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأضراب الجاهلية فإن الله ﷾ قد امتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها بنعمة لا يعرف أحد
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص١٨٤
(٢) - نهج البلاغة ج٢ ص٢٠
(٣) - نهج البلاغة ج٣ ص١١٩
(٤) - نهج البلاغة ج٣ ص٨
[ ٣٤ ]
من المخلوقين لها قيمة لأنها أرجح من كل ثمن وأجَلُّ من كل خطر واعلموا بأنكم صرتم بعد الهجرة أعرابًا وبعد الموالاة أحزابًا ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه (١) ..؟
ولنستمع إلى الإمام مرةً أخرى وهو يؤكد شرعية الخلافة والإمامة بعد أن اجتمعت الأمة عليها إجماعًا مصغرًا حيث يجب على عامة المسلمين والأكثرية الغائبة إطاعة الخليفة المنتخب:؟ ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار (٢) ؟
ثالثًا - بيعة الإمام مع الخلفاء والتأكيد على شرعية الخلفاء الراشدين:
لقد أسهبنا في ذكر النصوص الواردة من الإمام " علي " حول الخلافة وعدم ذكر كلمة واحدة بوجود نص إلهي فيها، والآن لا بد أن نعرج على موضوع آخر وهو إذا كانت الخلافة بنص سماوي وكان هذا النص في " علي " هل كان بإمكان الإمام أن يغض النظر عن هذا النص ويبايع الخلفاء ويرضخ لأمر لم يكن من حقهم؟
لقد علل علماء الشيعة في الكتب العديدة التي ألفوها بيعة الإمام " علي " مع الخلفاء بأمرين: فهناك من ذهب إلى أن الإمام " عليًا " بايع الخلفاء خشية منه على ضياع الإسلام وإيجاد الفرقة التي كانت تؤدي إلى هدم الإسلام فلذلك ترك حقه ورضخ لخلافة خلفاء غصبوا حقه، والتعليل الثاني إنه إن بايع الإمام الخلفاء خشية منه على نفسه وعمل بالتقية التي سنتطرق إلى ذكرها في مواطن عديدة.
أما الذين عللوا بيعة الإمام بالخوف على الإسلام من الضياع لأن الناس كانوا على حديث عهد بالإسلام ولم يكن الإسلام بَعْدُ صَلْبَ العود: فيدحضه
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص٨٦
(٢) - نهج البلاغة ج٢ ص٨٦
[ ٣٥ ]
بيعة " علي " مع " عثمان " التي كانت في عصر امتدت فيه الخلافة الإسلامية من الشرق حتى " بخارى " ومن الغرب حتى شمال أفريقية وكانت الخلافة الإسلامية تحكم اكبر رقعة من الأرض المسكونة في ذلك العصر.
وبعد فإن أغرب الأمور وأعظمها خطرًا في مبحث الخلافة والتي لم يتحدث عنها كل من أسهب فيها من رواة الشيعة وعلمائها ومن الفرق الإسلامية الأخرى هي: لم يبحثوا الخلافة الإلهية بصورة مستقلة عن الإمام " علي " ولا عن الخلفاء الذين سبقوه بل ربطوها ربطًا وثيقًا بالأشخاص والأسماء، ويدهشني ويحيرني حقًا هذا التحوير في الخلافة لأنها إذا كانت تبحث بصورة مستقلة عن شخص " علي " لكانت تصطدم بعقبة كبيرة تنسف كل القواعد التي بنيت في عصر الصراع بين الشيعة والتشيع، وإذا كانت الخلافة تبحث حقًا في العقيدة الإسلامية بغض النظر عمن هو المراد بأن يتولاها لما واجه المسلمون ما واجهوه من الحيرة والضياع في شؤون الخلافة وما ترتب عليها وهذا هو بيت القصيد لما أريد أن أذهب إليه وهو أن الخلافة بعد الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وإن شئت فقل الإمامة إذا كانت بنص إلهي وفيها أمر من السماء سواء أكان " علي " هو المراد بتوليها أو غير " علي " لكانت كل المبررات والأقاويل التي ذكرتها رواة الشيعة وعلماء المذهب " الإمامي " - والتي تنصب كلها على أن الإمام " علي " بايع الخلفاء الذين سبقوه للحفاظ على الإسلام من الضياع وخوفًا من ارتداد الناس بعد الرسول أو للتقية - تذهب أدراج الرياح وتصبح هباءً منبثًا، لأن الخلافة عندما تكون بنصٍّ إلهي وبأمر من الله لا يستطيع أحدٌ مهما كان مقامه أو منزلته في الإسلام أن يقف ضدها أو يخالفها للمبررات التي يتصورها أو يعتقد بها فلم يكن باستطاعة " علي " أو غير " علي " من الصحابة أن يوقف نصًا إلهيًا صدر بالوحي.
فإذا كان " محمد " وهو رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لا يستطيع ولا يحق له أن يتلكأ في أداء الرسالة الإلهية أو يخفيها كما صرحت بذلك الآية الكريمة:؟ يا أيها النبي بلغ ما انزل من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (١) ؟ فكيف يستطيع من هو دون مرتبة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أن يغض النظر عن النص الإلهي أو يخفيه، وهل هناك أمر إلهي أكثر صراحة ووضوحًا لإبلاغ الرسالة والوحي من الآيات الكريمات التاليات:؟
_________________
(١) - المائدة الآية ٦٧
[ ٣٦ ]
وإن تكذبوا فقد كذبت أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (١) ؟؟ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ (٢) ؟؟ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (٣) ؟
إن ربط الخلافة بالخليفة وعدم التفريق بينهما هو الذي مهد الطريق للرواة من الشيعة كما قلنا أن يدونوا ما شاؤوا في إبان عصر الصراع بين الشيعة والتشيع، فالإمام لم يكن مشرعًا ولم يكن يدعي ذلك، ولا اجتهاد أمام النص حتى أن يجتهد أمام نص الخلافة ويسكت عنها كما انه لا يستطيع أن ينقضه لأنه هو موضوع ذلك النص، فالخلافة إذا كانت إلهية وسماوية كانت حقًا عامًا للمسلمين ودستورًا سماويًا لهم بغض النظر عن الشخص الذي يتولاها، ومع كل ما فصلناه في الخلافة وأنها لو كانت بالنص الإلهي لم يستطع أحد مهما كان شأنه أن يعمل خلافها أو يتجاهلها أو ينكرها إلا أننا أمام فئة كبيرة من علماء المذهب الشيعي وقد أغفلوا هذا الأمر إغفالًا، ولذلك ذهبوا إلى تأويل بيعة الأمام بالتقية أو الخوف أو أنه أرغم على أمر لا يعتقد به وخلاف إرادته.
وهنا يأتي دور أولئك الذين أرادوا تحطيم الإمام " عليًا " وشخصيته والطعن فيه بصورة غير مباشرة وهكذا تحطيم كل ما يتعلق بعصر الرسالة وصحابة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لأن الطريق الوحيد في إظهار عصر الرسالة بما فيه كبار صحابة رسول الله بالمظهر القاتم هو إعطاء صورة عن خروج ذلك المجتمع الإسلامي عن أوامر الله الصريحة، وهذا الأمر يتوقف على تصوير الخلافة في " علي " بنص إلهي ومخالفة الصحابة كلهم لهذا النص مع علمهم بذلك وإبلاغ الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - إياهم ثم إعطاء صورة عن الإمام " علي " وهو صاحب الحق في صورة رجل مخادع مداهن مجامل كان مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه طيلة خمسة وعشرين عامًا في ظاهر الأمر كمستشار أمين وكصديق حميم مطنبًا في مدحهم وقائلًا خير الكلام بحقهم ولكنه في واقع الأمر غير معتقد بما يقول وغير مؤمن بما يفعل حتى إنه زَوَّجَ ابنته " أم كلثوم " لِ " عمر بن الخطاب " وهو مرغم
_________________
(١) - العنكبوت ١٨
(٢) - الشورى ٤٨
(٣) - هود ١٨
[ ٣٧ ]
عليه وسمى أولاده: " أبا بكر " و" عمر " و" عثمان " وهو غير راضٍ عن تسميتهم وهكذا دواليك.
هذه خلاصة ما كتبه بعض علماء الشيعة ورواه بعض رواة أحاديث الشيعة - سامحهم الله - عن الإمام " علي " نصًّا وتلويحًا، ولست أدري ماذا يكون موقف هؤلاء يوم القيامة إذا احتكم الإمام ربه فيهم، كما أني أعتقد جازمًا أن بين هؤلاء الأكثرية توجد فئة غير قليلة ساهمت في تغيير مسار الفكر الإسلامي الموحد إلى طريق الشقاق والنفاق ولضرب الإسلام والمسلمين بما فيهم " علي " و" عمر " مع أنهم في ظاهر الأمر كانوا يظهرون بمظهر حماة المذهب الشيعي، غلا أن الغرض كان هدم المذاهب كلها وإن شئت فقل الطعن في الإسلام، فحتى في أوائل القرن الرابع الهجري وهو عصر الغيبة الكبرى لا نجد أي أثر لفكرة اغتصاب الخلافة من الإمام " علي " أو أنها حق إلهي اغتصب منه أو أن صحابة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - اشتركوا وساهموا في ذلك الأمر وهكذا وكما قلنا تغيرت فكرة الأولوية بخلافة " علي " إلى فكرة الخلافة الإلهية ومخالفة النص الإلهي، ولا شك أن دخول الفلسفات اليونانية إلى الفكر العربي والأفكار الفلسفية الأخرى التي لعبت دورًا كبيرًا في تأسيس المدرستين الاعتزالية والأشعرية كانت وراء الصراع بين الشيعة والتشيع وإظهار الشيعة بالمظهر الذي نحن عليه الآن، ولا شك أيضًا أن عرض الخلافة بالصورة التي عرضها علماء المذهب مستندين على روايات رواة الشيعة كان سببًا لانعزال المذهب الشيعي عن سواه وابتعاده عن المذاهب الأخرى محتفظًا بحالة انعزالية وهجومية بعيدة عن كل ألفةٍ وانسجام مع الفرق الإسلامية الأخرى وكان لا بد لإبقاء المذهب محصورًا على الطائفة وعدم الانسجام بينها وبين الفرق الأخرى هو إيجاد حالة من التنافر تمنع كل تقارب وتقريب مع الآخرين ولذلك أخذت الشيعة تسلك طريق تجريح الخلفاء الراشدين وذمِّهم مستندة على الروايات التي وضعها الرواة على لسان أئمة الشيعة مخلفة وراءها من الخراب والدمار ما لا يحصيه إلا الله.
ونحن هنا نتحدث مع الشيعة بالمنطق الشيعي البحت ولذلك نثبت أقوالًا للإمام " علي " في حق الخلفاء الراشدين ثم نستشهد بما يقول الإمام عن نفسه ثم نسال أنفسنا: هل أن مثل هذا الإمام بايع الخلفاء وهو مرغم عليه وغير راض
[ ٣٨ ]
عنه؟ أو أنه خادع المسلمين فيعمله والخلفاء في بيعته؟ وهل أنه قال كلامًا لا يعتقد فيه وعمل عملًا لا يؤمن به؟ أحقًا أن الشيعة تحب " عليًا " وهي التي نسبت إليه مثل هذه الأمور؟ أو أنها سلكت هذا الطريق الشائك حتى تثبت حقها في استلام السلطة وتأسيس الدولة ولو أدى ذلك إلى التضحية بسمعة " علي " وجلالة قدره وعظمة نفسه وعلو مقامه؟