ولنستمع إلى الإمام " علي " وهو يتحدث عن الخليفة " عمر بن الخطاب "؟ لله بلاء عمر فقد قوَّم الأمد وداوى العمد خلف الفتنة وأقام السنة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاها بحقه، رحل وتركهم في طريق متشعبة لا يهتدي فيها الضالّ ولا يستيقن المهتدي (١) ؟ ومرة أخرى يخاطب الخليفة عندما استشاره في الخروج إلى غزو الروم بنفسه:؟ إنك إن تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم وليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث إليهم رجلًا مجربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة فإن أظهر الله فذاك ما تحب وإن تكن الأخرى كنت رداءً للناس ومثابة للمسلمين (٢) ؟ ويستشير الخليفة " عمر بن الخطاب " عليًا بن أبي طالب " مرةً أخرى لقتال الفرس بنفسه فينصح الإمام الخليفة بعدم الخروج ويقول له:؟ والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع، فكن قطبًا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب إن الأعاجم إن ينظروا غدًا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك وأما ما ذكرت
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص٢٢٢
(٢) - نهج البلاغة ج٢ ص٢٨
[ ٣٩ ]
من عددهم فإنّا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة (١) ..؟ وهذا هو الإمام " علي " يتحدث مع الخليفة " عثمان بن عفان " ويصفه بصفات الصحابي المقرب إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -:؟ إن الناس ورائي وقد استنفروني بينك وبينهم والله ما ادري ما أقول لك، ما أعرف شيئًا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعمل وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيءٍ فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا وسمعت كما سمعنا وصحبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل
الحق منك، وأنت أقرب
إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعمل من جهل (٢) ؟.
ومرةً أخرى يتحدث الإمام حول الخليفة " عثمان " مع " ابن عباس " فيقول:؟ يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملًا ناضحًا بالعرب أُقبِل وأُدْبِر، بعث إليَّ أن أخرج ثم بعث إليَّ أنْ أقدِم، ثم هو الآن يبعث إليَّ أنْ أخرج والله لقد دفعن عنه حتى خشيت أن أكون آثمًا (٣) ؟
ويذكر الإمام " علي " موقفه من الخليفة " عثمان بن عفان " في كتاب بعثه إلى " معاوية بن أبي سفيان " يقول فيه:؟ ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر " عثمان " فلك أن تجاب عن هذا لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله أمَّن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه أمّن استنصره فتراخى عنه وبث
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص ٣٠
(٢) - نهج البلاغة ج٢ ص٤٨
(٣) - نهج البلاغة ج٢ ص٢٣٣
[ ٤٠ ]
المنون إليه وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثًا فإن كان الذنب إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لا ذنب له (١) ؟ وهذا هو " أبو سفيان " شيخ الأمويين يزور الإمام " عليًا " في داره ويقول له:؟ غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش أما والله لأملأنها خيلًا ورجلًا أعطني يدك لأبايعكن فيقول الإمام: ما زلت عدو الإسلام وأهله فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئًا إنا رأينا " أبا بكر " أهلًا لها إنما تريد الفتنة (٢) ؟
فإن كان هذا هو موقف الإمام من الخلفاء الراشدين وهو يصرح بذلك فهل نستطيع أن نقول: إن الإمام كان يظهر شيئًا ويضمر شيئًا آخر؟ معاذ الله من ذلك فإن كان الإمام يريد أن يظهر شيئًا ويضمر شيئًا آخر لما كان له ذلك الموقف الذي لا ينساه تاريخ الإنسان إلى الأبد، إنه موقف صدق وإخلاص وإيمان من رجل هو مع الحق والصدق قبل كل الاعتبارات وبعدها ويضحي في سبيلهما مهما كانت التضحيات غاليات، ففي يوم الشورى عرض " عبد الرحمن بن عوف " على الإمام " علي " الخلافة بقوله:؟ أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقال الإمام: كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي؟ فكرر "عبد الرحمن بن عوف " المقالة نفسها وكرر الإمام الإجابة نفسها إلى ثلاث مرات ثم انحاز " عبد الرحمن " إلى " عثمان " وعرض عليه الخلافة بالصورة التي عرضها على الإمام فقبلها " عثمان " وتمت البيعة له.
فهل " علي " الذي يغض النظر عن خلافة إسلامية كان لواؤها يرفرف على أكبر رقعة من الأرض المسكونة في ذلك التاريخ لأجل كلمة واحدة هي " نعم " وهو لا يريد الإيفاء بها يجامل أو يخادع أو يقول شيئًا ويضمر غيره أو يبايع
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٣ ص٣٠
(٢) - علي إمام المتقين - عبد الرحمن الشرقاوي ج١ص٦٦
[ ٤١ ]
الخلفاء ويقول في مدحهم الكلام الكثير ويقف معهم موقف الناصح الأمين وهو لا يعني كل هذا؟
ومع أن هذه الصورة الرائعة المشرقة لموقف الإمام " علي " في تلك اللحظة الخالدة في تاريخ الإسلام تكفي عن الإسهاب في فضائل " علي " وصدقه وإخلاصه وعزوفه عن الدنيا، ولكننا نسجل هنا بعض الأقوال الصادرة عن الإمام حول نفسه وإخلاصه وتفانيه في الله يقول الإمام:؟ فوالله لو أعطيت الأقاليم السبعة وما تحت أفلاكها على أن اعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت وإن دنياكم عندي لهون من ورقة في فم جرادة تقضمها (١) ؟ ويقول الإمام في مكان آخر:؟ هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها ومُجْتَنَى الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فإنْ أَقُلْ يقولوا حرص على الملك وإن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتيا والتي والله لا " ابن أبي طالب " آنَسُ بالموت من الطفل بثدي أمه (٢) ؟ ويقول في ضمن رسالة بعثها إلى والي البصرة " عثمان بن حنيف " جاء فيها:؟ فوالله ما كنزت من دنياكم تبرًا ولا ادخرت من غنائمها وفرًا ولا أعددت لبالي ثوبي طمرًا أقنع من نفسي بأن يقال " أمير المؤمنين " ولا أشاركهم في مكاره الدهر وجشوبة العيش أو أبيت مبطانًا وحولي بطون غرثى وأكباد حرَّى فهيهات أن يقودني هواي إلى تخيّر الأطعمة ولذائذها ولعل بالنجد أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع وكأني بقائلكم يقول: إن كان هذا قوت " ابن أبي طالب " لقعد به
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص٢١٨
(٢) - نهج البلاغة ج١ ص٤٠
[ ٤٢ ]
الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودًا والروائع الخضرة أرق جلودًا وأنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالصنو من الصنو والذراع من العضد فوالله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها (١)؟ ويقول في مكان آخر:؟ والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهدًا وأُجَرَّ في الأغلال مصفدًا أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوم القيامة ظالمًا لبعض
العباد وغاصبًا لشيء من الحطام (٢) ؟ وهذا هو " عبد الله بن عباس " يدخل على " عليٍّ " بِ " ذي قار " فيرى الإمام يخصف نعله فيسأله الإمام ما قيمة هذا النعل؟ فيقول:؟ لا قيمة لها يا أمير المؤمنين فيقول الإمام: والله لهي أحب إليَّ من إمارتكم إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلًا؟.
ولا بد أن أذكر أيضًا موقف الإمام " علي " من السيدة " عائشة " بعد حرب الجمل فقد كرَّم الإمام السيدة أم المؤمنين وأكرمها إكرامًا يليق بزوجة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - حينما أعادها من ساحة الحرب مصحوبة بعدد من النساء القرشيات، أما الشيعة فلن تغفر للسيدة " عائشة " خروجها على الإمام في تلك الحرب وهذا هو سبب موقفها المعارض لأم المؤمنين، ولست أريد أن أذكر في هذا المجال المبررات التي ذكرها أنصار السيدة " عائشة " في تبريرهم لخروجها على الإمام ولا الآراء التي ذكرها علماء الشيعة في تبرير موقفهم المناهض لأم المؤمنين، فهذه أمور معروفة ذكرت في عشرات المجلدات من الكتب ولا فائدة من تكرارها، فنحن في غنى عنها ولكنني أريد إنهاء الصراع الفكري بالمنطق الشيعي البحت وهو أن الإمام بَرَّأَ ساحة السيدة " عائشة " من الحرب
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص٢٢٠
(٢) - نهج البلاغة ج٢ ص٢١٦
[ ٤٣ ]
التي قادتها، والإمام هو الخليفة الذي كان يقضي بين الناس بالحق ولا يحيد عنه قيد أنملة، فإذا كان الإمام قد ألقى اللوم على فئة استغلوا سذاجة أم المؤمنين وأخرجوها من دارها لتقود حركة مناهضة للخليفة المنتخب والشرعي فيعني هذا أن السيدة " عائشة " بريئة من كل ما يتعلق بحرب الجمل وذيولها في نظر الإمام، ولذلك أمر بإكرامها وإرجاعها إلى المدينة بالصورة التي أجمعت عليها كتب التاريخ ليثبت براءتها من تلك الحرب في نظر القاضي العادل الذي هو الإمام فلا يحق لأحد أن يطعن أو يجرح السيدة " عائشة " متحديًا عمل الإمام ورأيه الذي يؤكده بصريح العبارة عندما يتحدث عن حرب الجمل وإخفاق أم المؤمنين في قيادتها
فيقول:؟ ولها - أي للسيدة عائشة - بعد حرمتها الأولى والحساب على الله تعالى (١)؟ وفي مواطن كثيرة يلقي الإمام " عليًا " المسؤولية على الذين استغلوا حرم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وجروها وراءهم حسب تعبيره (٢).
إن من حسن التوفيق أن بعض علماء الشيعة وقف موقفًا لائقًا بأم المؤمنين ونهى عن تجريحها فقد قال السيد " الطباطبائي " وهو من علماء القرن الثاني عشر في أرجوزته الفقهية مخاطبًا السيدة " عائشة ":؟ أيا حميراء سبُّك محرم لأجل عين ألف عين يكرم (٣)؟.
خامسًا - أقوال أئمة الشيعة في الخلافة والخلفاء الراشدين:
ونختتم هذا الفصل بإعطاء صورة واضحة المعالم عن موقف أئمة الشيعة حول الخلافة وعدم وجود نص إلهي فيها ليكون البحث متكاملًا كما قلنا في مقدمة هذا الفصل، إن الإمامة إذا كانت إلهية كما تذهب الشيعة وإنها في أولاد " علي " حتى الإمام الثاني عشر لَعَيَّنَ الإمام ابنه " الحسن " خليفة وإمامًا من بعده ولكن الذي اتفق عليه الرواة والمؤرخون إن الإمام عندما كان على فراش الموت وذلك بعد أن ضربه " ابن ملجم " المرادي بالسيف المسموم وسئل عن الشخص الذي يستخلفه قال:؟
_________________
(١) - نهج البلاغة ج٢ ص٤٨
(٢) - نهج البلاغة ج٣ص٨٤
(٣) - كان الرسول الكريم ينادي السيدة عائشة بالحميراء.
[ ٤٤ ]
أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟، وبعد وفاة الإمام اجتمع المسلمون واختاروا ابنه " الحسن " وبايعوه خليفة للمسلمين ولكن الإمام " الحسن " صالح " معاوية " وتنازل له عن الخلافة والإمام علل الصلح بأنه لحقن دماء المسلمين، فيا ترى لو كانت الخلافة منصبًا إلهيًا هل كان يستطيع الإمام " الحسن " أن يتنازل عنه بذريعة حقن دماء المسلمين؟ فكما نعلم أنه لا مكان لحقن الدماء عندما يكون هناك دفاع عن أمر الله وشريعته وماذا يعني إذن الجهاد والقتال في سبيل الله لإرساء دينه وشريعته وأوامره ونواهيه، إن حقن الدماء أمام حق إلهي وسماوي يتناقض مناقضة صريحة مع هذه الآية الكريمة:؟ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سشبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (١)؟.
والإمام " الحسين " عندما ثار وهو يريد الإطاحة بخلافة " يزيد بن معاوية " واستشهد في كربلاء ومعه أولاده وصحابته لم يذكر قط بأنه يدافع عن خلافة سماوية اغتصبها " يزيد " بل كان يقول: إنه أولى بالخلافة منه وإن مثله لا يبايع " يزيدًا " وإنه ثار لإحياء دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الذي انحرف على يد " يزيد " كما أننا لم نجد في أقوال الإمام " علي بن الحسين " الملقب بِ " السجاد " أية عبارة تدل على كون الخلافة إلهية، وبعد الإمام " السجاد " يأتي دور الإمام " محمد الباقر " والذي في عهده بدأ يتبلور مذهب أهل البيت الفقهي الذي أكمله ابنه الإمام " جعفر الصادق " فنحن لا نجد أثرًا لفكرة الخلافة الإلهية في عهدهما ولا في عهد أئمة الشيعة الأخرى حتى الغيبة الكبرى، وهناك شيء جدير بالاهتمام لا بد من التركيز عليه لتفنيد كل الروايات التي ذكرها بعض رواة الشيعة في تجريح الخلفاء الراشدين بما فيهم الخليفة " أبو بكر " وهو أن الإمام " الصادق " الذي يعتبر رئيس ومؤسس المذهب الإمامي الإثني
_________________
(١) - التوبة ١١١
[ ٤٥ ]