لم تشوه ثورة مقدسة في التاريخ كما شوهت الشيعة ثورة " الحسين " بذريعة حب " الحسين ".
[ ٩٧ ]
ضرب القامات في يوم عاشوراء
الضرورة تملي أن نفرد فصلًا خاصًا في ضرب السلاسل على الأكتاف وشج الرؤوس بالسيوف والقامات في يوم العاشر من " محرم " حدادًا على الإمام " الحسين " وبما أن هذه العملية البشعة لا زالت جزءًا من مراسيم الاحتفال باستشهاد الإمام " الحسين " وتجري في " إيران " و" باكستان " و" الهند " وفي " النبطية " بلبنان في كل عام وتكون السبب في حدوث صراع دموي بين الشيعة والسنة في أجزاء من " الباكستان " تذهب ضحيته المئات من الأرواح البريئة من الفريقين كان لا بد من الإسهاب حولها بصورة مستقلة، كما قلنا في فصل سابق إن الشيعة تحتفل بيوم عاشوراء منذ قرون عديدة وما عدا قراءة الزيارات التي أسهبنا في ذكرها كان الشعراء ينشدون قصائد أمام القبر حتى أن الشاعر العربي " الشريف الرضي " عندما ألقى قصيدته العصماء أمام قبر لاحسين والتي جاء في مطلعها:
كربلاء لا زلت كربًا وبلا
ووصل إلى هذا البيت:
كم على تربك لما صرعوا من دم سال ومن قتل جرى
بكى وبكى حتى أغمي عليه، والثابت أن أئمة الشيعة كانوا يحتفلون بيوم العاشر من محرم فيجلسون في بيوتهم يقبلون التعازي من المعزين ويطعمون الطعام في ذلك اليوم وكانت تلقى أمامهم خطب أو قصائد في ذكرى شهادة " الحسين " وأهل بيت رسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وفضائلهم.
وفي كربلاء وحول قبر " الحسين " كان الزوار يمرون على هيئة مواكب وآحاد وهم يقرؤون الزيارات التي أشرنا إليها مع بكاء ونحيب كجزء مكمل للاحتفال والزيارة، إنها العادة التي لا زالت جارية في المجالس التي تقام للإمام " الحسين " في العالم الشيعي فلا بد من ختمها بالبكاء لأن:
[ ٩٨ ]
" من بكى أو تباكى على الحسين وجبت عليه الجنة " كما جاء في بعض الروايات التي تنسب إلى الأئمة ومعاذ الله أن يصدر من الإمام كلامًا كهذا، كما أن الشيعة كانت تلبس السواد في شهر محرم وصفر حدادًا على الحسين وهذه العادة أخذت بالتوسع في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع وعندما أخذت تظهر الشيعة على مسرح الأحداث السياسي والإسلامي كقوة تريد الإطاحة بالخلافة الحاكمة وكان للبويهيين الذين حكموا إيران والعراق باسم حُماة الخلافة العباسية دورًا بارزًا في تنمية الاحتفالات في أيام عاشوراء ولكن هذه الاحتفالات أخذت طابعًا عامًا وأصبحت جزءًا من الكيان الشيعي عندما استلم السلطة الشاه " إسماعيل الصفوي " وأدخل إيران في التشيع وخلق فيها تماسكًا مذهبيًا للوقوف أمام أطماع الخلافة العثمانية المجاورة لإيران كما أشرنا إليه وكان البلاط الصفوي يعلن الحداد في العشر الأول من محرم من كل عام ويستقبل الشاه المعزين في يوم عاشوراء وكانت تقام في البلاط احتفالات خاصة لهذا الغرض تجتمع فيها الجماهير ويحضرها لاشاه بنفسه، كما أن الشاه عباس الأول الصفوي الذي دام حكمه خمسين عامًا وهو أكبر الملوك الصفويين دهاءً وقوةً وبطشًا كان يلبس السواد في يوم عاشوراء ويلطخ جبينه بالوحل حدادًا على الإمام " الحسين " وكان يتقدم المواكب التي كانت تسير في الشوارع مرددة الأناشيد في مدح الإمام ثم التنديد بقتلته، ولا ندري على وجه الدقة متى ظهر ضرب السلاسل على الأكتاف في يوم عاشوراء وانتشر في أجزاء المناطق الشيعية مثل إيران والعراق وغيرهما ولكن الذي لا شك فيه أن ضرب السيوف على
الرؤوس وشج الرأس حدادًا على " الحسين " في يوم العاشر من محرم تسرب إلى إيران والعراق من الهند وفي إبان الاحتلال الإنجليزي لتلك البلاد وكان الإنجليز هم الذين استغلوا جهل الشيعة وسذاجتهم وحبهم الجارف للإمام " الحسين " فعلموهم ضرب القامات على الرؤوس، وحتى إلى عهد قريب كانت السفارات البريطانية في طهران وبغداد تمول المواكب الحسينية التي كانت تظهر بذلك المظهر البشع في الشوارع والأزقة وكان الغرض وراء السياسة الاستعمارية الإنجليزية في تنميتها لهذه العملية البشعة واستغلالها أبشع الاستغلال هو إعطاء مبرر معقول للشعب البريطاني وللصحف الحرة التي كانت تعارض بريطانيا في استعمارها للهند ولبلاد
[ ٩٩ ]
إسلامية أخرى وإظهار شعوب تلك البلاد بمظهر المتوحشين الذين يحتاجون إلى قيِّم ينقذهم من مهامه الجهل والتوحش فكانت صور المواكب التي تسير في الشوارع في يوم عاشوراء وفيها الآلاف من الناس يضربون بالسلاسل على ظهورهم ويدمونها بالقامات والسيوف على رؤوسهم ويشجونها تنشر في الصحف الإنجليزية والأوربية وكان الساسة الاستعماريون يتذرعون بالواجب الإنساني في استعمار بلادٍ تلك هي ثقافة شعوبها ولحمل تلك الشعوب على جادة المدنية والتقدم، وقد قيل إن " ياسين الهاشمي " رئيس الوزراء العراقي في عهد الاحتلال الإنجليزي للعراق عندما زار لندن للتفاوض مع الإنجليز لإنهاء عهد الانتداب قال له الإنجليز: نحن في العراق لمساعدة الشعب العراقي كي ينهض بالسعادة وينعم بالخروج من الهمجية، ولقد أثار هذا الكلام " ياسين الهاشمي " فخرج من غرفة المفاوضات غاضبًا غير أن الإنجليز اعتذروا منه بلباقة ثم طلبوا منه بكل احترام أن يشاهد فيلمًا وثائقيًا عن العراق فإذا به فيلم عن المواكب الحسينية في شوارع النجف وكربلاء والكاظمية تصور مشاهد مروعة ومقززة عن ضرب القامات والسلاسل وكأن الإنجليز قد أرادوا أن يقولوا له: هل إن شعبًا مثقفًا لم من المدنية حظ قليل يعمل بنفسه هكذا؟
وهنا أذكر كلامًا طريفًا مليئًا بالحكمة والأفكار النيٍّرة سمعته من أحد أعلام الشيعة ومشايخهم قبل ثلاثين عامًا لقد كان ذلك الشيخ الوقور الطاعن في السن واقفًا بجواري وكان اليوم هو العاشر من محرم والساعة اثنتي عشرة ظهرًا والمكان هو روضة الإمام " الحسين " في كربلاء وإذا بموكب المطبرين الذين يضربون بالسيوف على رؤوسهم ويشجونها حدادًا وحزنًا على " الحسين " دخلوا الروضة في أعداد غفيرة والدماء تسيل على جباههم وجنوبهم بشكل مقزز تقشعر من رؤيته الأبدان ثم أعقب الموكب موكب آخر وفي أعداد غفيرة أيضًا وهم يضربون بالسلاسل على ظهورهم وقد أدموها وهنا سألني الشيخ العجوز والعالم الحرّ: ما بال هؤلاء الناس وقد انزلوا بأنفسهم هذه المصائب والآلام؟ قلت: كأنك لا تسمع ما يقولون إنهم يقولون: (واحسيناه) أي لحزنهم على " الحسين " ثم سألني الشيخ من جديد: أليس الحسين الآن في مقعد صدق عند مليك
[ ١٠٠ ]
مقتدر؟ قلت: نعم ثم سألني مرةً أخرى: أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين؟ قلت: نعم وهنا تنفس الشيخ الصعداء وقال بلهجة كلها حزن وألم: ويلهم من جهلة أغبياء لماذا يفعلون بأنفسهم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في جنة ونعيم ويطوف عليه ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من نعيم.
في عام / ١٣٥٢ / هجري وعندما أعلن كبير علماء الشيعة في سوريا السيد " محسن الأمين " العاملي تحريم مثل هذه الأعمال وأبدى جرأةً منقطعة النظير في الإفصاح عن رأيه وطلب من الشيعة أن يكفوا عنها لاقى معارضة قوية م داخل صفوف العلماء ورجال الدين الذين ناهضوه ووراءهم " الهمج والرعاع " على حد تعبير الإمام " علي " وكادت خطواته الإصلاحية تفشل لولا أن تبنى جدنا السيد " أبو الحسن " وبصفته الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية موقف العلامة الأمين ورأيه في تلك الأعمال معلنًا تأييده المطلق له ولفتواه، ولقد أعطى موقف جدنا بعدًا كبيرًا للحركة الإصلاحية التي نادى بها السيد " الأمين " ومع أن كثيرًا من الفقهاء والمجتهدين وقفوا موقفًا معارضًا للسيد " أبو الحسن " كما وقفوا " للأمين " من قبل إلا أن السيد " أبو الحسن " تغلب على الجميع في آخر المطاف بسبب مقامه الرفيع وصموده، وأخذت الجماهير تطيع فتوى الزعيم الأكبر وبدأت تلك العمال تقل رويدًا رويدًا وتختفي من على الساحة الشيعية إلا أنها لم تندثر تمامًا حيث بقيت لها مظاهر ضعيفة وهزيلة حتى أن توفي جدنا ﵀ في عام / ١٣٦٥ / هجري وأخذت بعض الزعامات الشيعية الجديدة تحث الناس على تلك العمال من جديد فبدأت تنمو مرةً أخرى في العالم الشيعي ولكنها لم تصل إلى ما كانت عليه قبل عام / ١٣٥٢ / هجري، وبعد أن أعلنت في إيران الجمهورية الإسلامية وتولت ولاية الفقيه السلطة صدرت الأوامر بإحياء تلك الأعمال كجزء من السياسة المذهبية وأخذت الجمهورية الإسلامية الفتية تساعد الفئات الشيعية في كل الأرض وتحثهم
[ ١٠١ ]
ماليًا ومعنويًا لإحياء هذه البدعة التي أدخلتها السياسة الاستعمارية الإنجليزية إلى العالم الإسلامي الشيعي قبل مائتي عام وذلك لتظهر وجه الإسلام والمسلمين بالمظهر الكالح وتبرر استعمارها لبلاد الإسلام كما قلنا من قبل، وعندما أكتب هذه السطور تشاهد المدن الإيرانية والباكستانية والهندية
واللبنانية مع الأسف الشديد في يوم العاشر من محرم من كل عام مواكبًا تسير في شوارعها بالصورة التي رسمناها، وقبل أن تنتهي ساعات ذلك اليوم فإن صورًا من تلك الهمجية الإنسانية والجنون المفزع تعرض على شاشات التلفزة في شرق الأرض وغربها لتعطي قوة لأعداء الإسلام والمتربصين بالإسلام والمسلمين معًا.