٢ـ واعترف علي رضي الله تعالى عنه وأولاده بخلافة هؤلاء، أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين وأقروها لهم، وكان علي وزيرًا ومسيرًا لهم، كما ثبت عنه وعن أولاده مدح لهؤلاء الأعاظم، فقد قال ﵁: لله بلاد فلان (أبي بكر) (٣).
_________________
(١) "كشف الغمة في معرفة الأئمة" للأردبيلي نقلًا عن التحفة الاثنى عشرية للشيخ شاء عبد العزيز الدهلوي ط٢ مصر ١٣٧٨هـ
(٢) سورة النساء الآية٦٩
(٣) وقد اتفق شراح نهج البلاغة أن المراد من فلان، أبو بكر وقال بعضهم: عمر، فلم يخرجوا عن الاثنين وهو المطلوب
[ ١٩٠ ]
فلقد قوم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرحًا، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه" (١).
وقال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين شاوره في الخروج إلى غزو الروم: إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة (٢) دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا محربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردًا للناس ومثابة للمسلمين" (٣).
وأصرح من ذلك ما قال فيه وقد استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه فقال: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده، وأمده، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر (٤) من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع لحذافيره أبدًا. والعرب
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٣٥٠
(٢) كانفة، عاصمة يلجئون إليه
(٣) "نهج البلاغة" ص١٩٣ ط بيروت
(٤) القيم بالأمر، القائم به، يريد به الخليفة
[ ١٩١ ]
اليوم وإن كانوا قليلًا، فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبًا، واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك -
إن الأعاجم إن ينظروا إليك يقولون: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك. . . وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة" (١).
وقد قال لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لما اجتمع الناس إليه وشكوا على عثمان، فدخل عليه وقال: إن الناس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئًا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى لعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى أبي رسول الله وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا" (٢).
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٢٠٣ و٢٠٤ ط بيروت
(٢) "نهج البلاغة" ص٢٣٤
[ ١٩٢ ]
وقال مثنيًا على خلافتهم الثلاثة: أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى" (١).
وقد صرح وأوضح بوضاحة لا غموض فيها مفسر الشيعة وكبيرهم علي بن إبراهيم القمي حيث ذكر قول الله ﷿: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" فقال: قال رسول الله ﵌ لحفصة يومًا: أنا أفضي إليك سرًا فقالت: نعم ما هو؟ فقال: أن أبا بكر يلي الخلافة بعدي ثم من بعده أبوك (عمر) فقالت: من أخبرك بهذا قال: الله أخبرني" (٢).
ونقل عن علي ﵁ أنه قال لما أراد الناس على بيعية بعد قتل عثمان ﵁: دعوني والتمسوا غيري. . . . إلى أن قال: وإن تركتموني فإنا واحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرًا خير لكم من أمير" (٣).
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٣٦٦، ٣٦٧
(٢) "تفسير القمي" ص٣٧٦ ج٢ سورة التحريم ط مطبعة النجف ١٣٨٧هـ
(٣) "نهج البلاغة" ص١٣٦ ط بيروت
[ ١٩٣ ]