الشّيعة والقرآن
من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هو اعتقاد أهل السنة كجميع طوائف المسلمين بأن القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ هو الكتاب الأخير المنزل من عند الله إلى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل وليس هذا فحسب بل إنه لن يتغير ولن يتحرف إلى أن تقوم الساعة، وهو الموجود بين دفتي المصاحف لأن الله قد ضمن حفظه وصيانته نم أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة على خلاف الكتب المنزلة القديمة، السالفة، من صحف إبراهيم وموسى، وزبور وإنجيل وغيرها، فإنها لم تسلم من الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل، ولكن القرآن حينما أنزله ﷾ قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١). وقال: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه﴾ (٢). وقال: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣).
وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ،
_________________
(١) سورة الحجر الآية٩
(٢) سورة القيامة الآية ١٧، ١٨، ١٩
(٣) سورة حم السجدة الآية٤٢
[ ٧٧ ]
لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين تقع الاحتمالات تبطل الاعتقادات والإيمانيات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما بالظنيات والمحتملات فلا.
وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، والمحفوظ من قبل الله العظيم، مخالفين جميع الفرق المسلمة، والمذاهب الإسلامية، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة في القرآن والسنة، ومعارضين كل ما يدل عليه العقل والمشاهدة، مكابرين للحق وتاركين للصواب.
فهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة، أو بالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة (١). لأنه لا يكون الإنسان
_________________
(١) ولقد كان الشيخ السيد محب الدين الخطيب صادقًا في رسالته "الخطوط العرفة" حين قال: وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب والوحدة، هم لا يعتقدون بذاك "ثم ذكر بعض الأمثلة من صفحة ٩ إلى ١٦ التي تدل على أن الشيعة لا يعتقدون القرآن الذي في أيدينا وأيدي الناس بل يظنونه محرفًا، مغيرًا وناقصًا. وقد رد عليه لطف الله الصافي في كتابه "مع الخطيب في خطوطه العريضة" من ص ٤٨ إلى ص ٨٢ بحماس وشدة وأنكر اعتقاد الشيعة بتحريف القرآن وتغييره إنكارًا لا يستند إلى دليل وبرهان. فأولًا:- ما استطاع الشيخ الشيعي "لطف الله الصافي" أن ينكر ما ذكره بالخطيب من نصوص الشيعة الدالة على التحريف والتغيير في القرآن، كما لم يستطع إنكار كتاب الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ومرتبته وشأنه عند الشيعة، بل قد اعترف بتضلعه في الحديث وعلو مقامه عندهم. ثانيًا:- ذكر الصافي نفسه بعض العبارات في كتابه التي هي بمنزلة الاعتراف باعتقاد الشيعة بالتحريف في الكتاب المبين. ثالثًا:- التجأ الشيخ الشيعي أخيرًا إلى أنه لا ينبغي أن يثار مثل هذا الموضوع لأنه يعطى سلاحًا في أيدي المستشرقين للرد على المسلمين بأن القرآن الذي يدعونه محفوظًا مصونًا قد وقع فيه الخلاف أيضًا مثل التوراة والإنجيل - فقوله هذا، ليس إلا إقرارًا واعترافًا بالجريمة، وإلا فالمسألة واضحة كما سيجيء مفصلًا إن شاء الله رابعًا:- أن الصافي لم يورد في مبحثه حول القرآن رواية من الاثني عشر - المعصومين عندهم - تدل وتنص على اعتقادهم بعدم التحريف في القرآن بخلاف الخطيب فإنه ذكر روايتين عن الاثنين منهم، تصرح بأن القرآن وقع فيه التغيير والتحريف - وها نحن ذاكرون عديدًا من الأحاديث والروايات من كتبكم أنتم أيها الصافي! التي لا تقبل الشك في أن الشيعة اعتقادهم في القرآن هو كما ذكره الخطيب ﵀ ولا تنكرونه إلا تقية وخداعًا للمسلمين
[ ٧٨ ]
مسلمًا إلا باعتقاده أن القرآن هو الذي بلّغه رسول الله ﷺ إلى المسلمين بأمر من الله ﷿.
وإنكار القرآن ليس إلا تكذيبًا بالرسول.
وها هي النصوص التي تدل على عقيدة الشيعة بالقرآن، فيروي المحدث الشيعي الكبير الكليني الذي هو بمنزلة الإمام البخاري عند المسلمين. في "الكافي في الأصول": عن هشام بن سالم
[ ٧٩ ]
عن أبي عبد الله ﵇ قال: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل ﵇ إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر آلف آية" (١).
والمعروف أن آيات القرآن لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلًا، وقد ذكر المفسر الشيعي أبو علي الطبرسي في تفسيره تحت آية من سورة الدهر "جميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية" (٢).
ومعنى هذا أن الشيعة فقد عندهم ثلثا القرآن، وتنص على هذا رواية الكافي أيضًا "عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ﵇ فقلت: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، أهاهنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله سترًا بينه وبين بيت آخر، فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك، قال: قلت إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علّم عليًا بابًا يفتح منه ألف باب؟ قال فقال: علّم رسول الله صلى الله عليه وآله عليًا ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك، قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال:
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن، باب النوادر ص٦٣٤ ج٢ ط طهران ١٣٨١هـ
(٢) تفسير "مجمع البيان" للطبرسي ص٤٠٦ ج١٠ ط طهران ١٣٧٤هـ
[ ٨٠ ]
صحيفة طولها سبعون ذراعًا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإملائه من فلق فيه، وخطّ علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدس، وضرب بيده إلي، فقال لي: تأذن يا أبا محمد؟ قال قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال قلت: وما الجفر؟ قال وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذي مضوا من بني إسرائيل، قال قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍ وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال قلت: وما مصحف فاطمة؟: قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد" الخ (١).
فيصرف النظر عما فيها من السخافات والخرافات والأباطيل التي تبتني عليها عقائد الشيعة صرح في هذه الرواية أن ثلاثة أرباع القرآن قد حذف وأسقط من المصحف الموجود، المعتمد عليه عند المسلمين قاطبة سوى الشيعة. فماذا يقول الشيعة
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة، ص٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤١ ج١ ط طهران
[ ٨١ ]
المتظاهرون بالإنكار على من قال بالتحريف في القرآن - تقية وخداعًا للمسلمين - ماذا يقولون في هاتين الروايتين اللتين يرويهما محمد بن يعقوب الكليني، الذي له لقاء مع سفراء صاحب الأمر "المهدي المزعوم" في كتابه "الكافي الذي عرض بوساطة السفراء على "صاحب الأمر" ونال رضاه، ووجد زمان الغيبوبة الصغرى؟
ماذا يقولون في هذا وماذا يقول فيه المنصفون من الناس؟
من المجرم أيها السادة العلماء والفضلاء! ومن صاحب الجريمة؟
الذي يرتكب الجريمة ويكتسب العار، أو الذي يدل على الجريمة أنها ارتكبت، وعلى الفضيحة بأنها اكتسبت؟ والرواية ليست واحدة واثنتين بل هناك روايات وأحاديث عن الشيعة تدل وتخبر بأن القرآن عندهم غير محفوظ من التغيير والتبديل، وليس هذا القرآن الموجود قرآن الشيعة، بل هذا القرآن عندهم مختلق بعضه ومحرف بعضه، فانظر ما يرويه الشيعة عن أبي جعفر فيقول صاحب "بصائر الدرجات" حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد بن سليمان بن داؤد عن يحيى بن أديم عن شريك عن جابر قال قال أبو جعفر: دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات الله، كتاب الله وعترتي والكعبة، البيت الحرام، ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فاقتلوا، وكل ودايع الله فقد
[ ٨٢ ]
تبروا" (١).
وهل هناك أكثر من هذا؟ نعم هناك أكثر من هذا وأصرح وهو ما يرويه الكليني في الكافي "أن أبا الحسين موسى ﵇ كتب إلى علي بن سويد وهو في السجن: ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وهل تدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله، فحرفوه وبدلوه" (٢).
ومثل هذه الرواية، رواية أبي بصير كما رواها الكليني "عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال قلت له: قول الله ﷿ ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ قال فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله هو الناطق بالكتاب قال الله جل ذكره "هذا كتابنا ينطق (بصيغة المجهول) عليكم بالحق، قال قلت جعلت فداك، إنا لا نقرأها هكذا، فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل ﵇ على محمد صلى الله عليه وآله ولكنه فيما حرف من كتاب الله" (٣).
_________________
(١) "بصائر الدرجات" الجزء الثامن، الباب السابع عشر ط إيران ١٢٨٥هـ
(٢) "الكافي" "كتاب الروضة" ص١٢٥ ج٨ طهران وص٦١ ط الهند
(٣) كتاب "الروضة من الكافي" ص٥٠ ج٨ ط طهران وص٢٥ ج١ ط الهند
[ ٨٣ ]
ويروي صدوق الشيعة ابن بابويه القمي في كتابه "حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي قال حدثنا عبد الله بن بشر قال حدثنا الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا رب حرقوني ومزقوني" الخ (١).
وينقل المفسر الشيعي المعروف الشيخ محسن الكاشي عن المفسر الكبير الذي هو من مشائخ المفسرين عند الشيعة "أنه ذكر في تفسيره عن أبي جعفر ﵇ قال: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى - ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن" (٢).