ورفعوا أئمتهم فوق الأنبياء والرسل، وجعلوهم كسيد المرسلين وحتى فضلوهم عليه حيث رووا هذه الرواية المكذوبة على علي ﵁، عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرًا ما يقول أنا قسيم الله بين الجنة والنار. . . .ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل - عياذًا بالله - بمثل ما أقروا لمحمد صلى الله عليه وآله. . . .
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٥٨ ج١ ط إيران
(٢) أفبعد هذا تقول أيها الصافي! أن الخطيب افترى علىالشيعة بأنهم يثبتون لأئمتهم علم الغيب، فمن هو المفتري، أنت أو الخطيب؟ فلتكن منصفًا وعادلًا، أما كان الخطيب صادقًا في قوله: أن الشيعة يدعون لأئمتهم الاثني عشر ما لا يدعيه هؤلاء الأئمة لأنفسهم من علم الغيب وأنهم فوق البشرية. وأيضًا "قد سجل الكليني نعوتًا وأوصافًا للأئمة الاثني عشر، رفعهم من منزلة البشر إلى منازل معبودات اليونان في العصور الوثنية - الخطوط العريضة ص١٥ ط٦
(٣) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٨٥ ج١ إيران
[ ٦٦ ]
ولقد حملت مثل حمولته وهي حمولة الرب، وأن رسول الله يدعى فيكسي وادعى فاكسي. . .ولقد أعطيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، أبشر بإذن الله وأودي عنه" (١).
وثم هذه الخصال ليست بخاصة لعلي ﵁ فقط بل يزعمون أن الأئمة الاثني عشر كلًا منهم متصف بمثل هذه الأوصاف.
فيروي الكليني عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه علي بن موسى - الإمام الثامن عندهم - أما بعد. . . فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق" (٢).
وزيادة على هذا افتروا على محمد الباقر أنه قال: قال علي ﵁: ولقد أعطيت الست، علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، وإني لصاحب الكبرات (٣) ودولة الدول،
_________________
(١) أيضًا ص١٩٦ و١٩٧ ج١ ط إيران
(٢) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٢٣ ج١ ط إيران
(٣) "أي الرجعات إلى الدنيا" كما فسره علي أكبر الغفاري محشي الكافي الشيعي
[ ٦٧ ]
وإني لصاحب العصا والمبسم، والدابة التي تكلم الناس" (١).
هذا مع أن الله ﷿ قال في محكم كتابه: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ (٢).
وقال جل مجده: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ (٣).
وأمر رسوله الكريم بأن يقر ويعترف ويعلن أنه لا يعلم الغيب بقوله: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم أني ملك" (٤).
وبقوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ (٥).
وقال جل وعلا: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير﴾ (٦).
وقال الرب ﵎ في المنافقين مخاطبًا نبيه سلام الله
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص١٩٨ ج١ ط إيران
(٢) سورة النمل الآية ٦٥
(٣) سورة الأنعام الآية ٥٩
(٤) سورة الأنعام الآية ٥٠
(٥) سورة الأعراف الآية ١٨٨
(٦) سورة لقمان الآية ٣٤
[ ٦٨ ]
وصلواته عليه: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (١).
وقال النبي ﷺ في المنافقين الذين استأذنوه في القعود عن غزوة تبوك: عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (٢).
فهذا ما قال الله ﷿ وتلك ما اختلقتها اليهودية وروجتها، فإن الله يصرح في كتابه المجيد أن أحدًا من الخلق حتى الرسل وسيد المرسلين لا يعلم الغيب، والقوم يقول أن الأئمة لا تخفى عليهم خافية.
والله ينفي عن إمام النبيين أنه لا يملك حتى لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، وهم يجعلون عليًا قسيم الجنة والنار، ويرفعون الشيعة على منزلة حتى أخذ لهم الميثاق من النبيين والمرسلين.
وأن الرب ﵎ خص لنفسه علم الساعة، ونزول الغيث، ووقت الموت، ومحله، لكن الشيعة أعطوا هذه الخصائص لأئمتهم، كما أن الله نفى عن سيد الخلق أنه لا يعرف ولا يعلم المنافقين من المؤمنين، ولكنهم يقولون أن الأئمة يعرفون حقيقة الرجل من حيث إيمانه ونفاقه.
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٠١
(٢) سورة التوبة الآية ٤٢
[ ٦٩ ]
فانظر إلى دين الله الذي أنزله على نبيه محمد المصطفى ﷺ، ودين القوم الذين آمنوا بما أوحت وأوعزت إليهم اليهودية والمجوسية، وانظر الفرق والتباعد بينهما.
ثم الشيعة لم يكتفوا بهذا فحسب بل صرحوا بإهانة الأنبياء والمرسلين، وتمجيد الأئمة، ورفعهم هؤلاء على أولئك.
فيروي الكليني عن يوسف التمار أنه قال: كنا مع أبي عبد الله ﵇ جماعة من الشيعة في الحجر فقال (أبو عبد الله): علينا عين (جاسوس) فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر ﵍ لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة" (١).
وعنه أنه قال: "إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون" (٢).
فهل رأيت الكذب والإهانة الصريحة أكبر من هذا، نعم هناك الكذب والإهانات أكبر وأكبر منها بكثير، فهم وضعوا روايات كاذبة في الغلو لأئمتهم، وفضلوهم على أنبياء الله ورسله،
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص٢٦١ ج١ ط إيران
(٢) "الكافي في الأصول" باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وأنه لا يخفى عليهم الشيء، ص٢٦١ ج١ ط إيران
[ ٧٠ ]
كما نقل عن جعفر أنه كان يفضل نفسه على الخضر وعلى موسى ﵉، فقد ورد عنهم أيضًا أنهم كانوا يفضلون أئمتهم حتى وعلى خاتم النبيين وإمام المرسلين.
فيروي صاحب البصائر عن أبي حمزة أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة يقع في الطست، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل" (١).
ورووا عن أبي رافع وهو يحدث عن فتح خيبر - إلى أن قال: فمضى علي وأنا معه، فلما أصبح افتتح ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس: إن عليًا يناجي ربه" فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله، فقلت إن عليًا وقف بين الناس كما أمرته، قال: منهم من يقول إن الله ناجاه، فقال: نعم يا أبا رافع إن الله ناجاه يوم الطائف، ويوم عقبة تبوك، ويوم حنين" (٢).
وأيضًا عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلًا كنفسي يفتح الله به الخيبر، سيفه سوطه، فشرف الناس له، فلما أصبح ودعا عليًا فقال اذهب بالطائف، ثم أرم الله النبي أن يرحل إليها بعد أن رحل علي، فلما صار إليها كان
_________________
(١) "بصائر الدرجات" باب٧ ج٥ ط إيران
(٢) أيضًا باب ١٦ ج٨
[ ٧١ ]
علي على رأس الجبل، فقال له رسول الله اثبت فسمعنا مثل صرير الزجل، فقيل يا رسول الله ما هذا؟ قال: إن الله يناجي عليًا" (١).
فعجبًا عجبًا على القوم، كيف وقعوا في الضلالة حتى تدرجوا إلى إنكار ختم النبوة على محمد ﷺ بانقطاع الوحي الإلهي عن الأرض حيث يثبتون نزول الملائكة أكبر من جبرئيل وميكائيل على أئمتهم، ولأجل ذلك صرحوا بتفضيل الأئمة على الأنبياء.
فها هو السيد نعمة الله الجزائري يذكر في كتابه: اعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا ﵃ في أشرفية نبينا على سائر الأنبياء للأخبار المتواترة، وإنما الخلاف بينهم في أفضلية أمير المؤمنين (علي) والأئمة الطاهرين على الأنبياء ما عدا جدهم، فذهب جماعة إلى أنهم أفضل باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم، فهم أفضل من الأئمة، وبعضهم إلى مساواتهم، وأكثر المتأخرين إلى أفضلية الأئمة على أولي العزم وغيرهم، وهو الصواب" (٢).
وأما القول "ما خلا جدهم" فليس إلا تكلفًا محضًا وإلا فهم يعدونهم حمى وأفضل منه، كما نقلنا من كتبهم وكما ذكر الملا محمد باقر الملجسي في كتابه "بحار الأنوار" كذبًا على النبي
_________________
(١) أيضًا باب١٦ ج٨
(٢) "الأنوار النعمانية" للسيد نعمة الله الجزائري
[ ٧٢ ]
﵇ بأنه قال لعلي: يا علي أنت تملك ما لا أملك، ففاطمة زوجك وليس لي زوج مثلها، ولك منها ابنان ليس لي مثلاهما، وخديجة أم زوجك وليس لي رحيمة مثلها، وأنا رحيمك فليس لي رحيم مثل رحيمك، وجعفر أخوك من النسب وليس مثل جعفر أخي، وفاطمة، الهاشمية، المهاجرة أمك، وأنى لي أم مثلها" (١).
وروى شيخهم المفيد (٢) عن حذيفة قال قال النبي: أما رأيت الشخص الذي اعترض لي: قلت: بلى يا رسول الله، قال: ذاك ملك لم يهبط قط إلى الأرض قبل الساعة، استأذن الله ﷿ في السلام على علي، فأذن له فسلم عليه" (٣).
فانظر أكاذيب القوم وغلوهم في أئمتهم حتى لا يبالون بتصغير شأن النبي، سيد الكونين، ورفعهم أئمتهم عليه.
وهناك رواية موضوعة أخرى رواها المفيد أيضًا "عن أبي غسحاق عن أبيه قال: بينما رسول الله جالس في جماعة من أصحابه غذ أقبل علي بن أبي طالب (ع) نحوه، فقال رسول الله نم أراد أن ينظر إلى أدم في خلقه.
_________________
(١) "بحار الأنوار" كتاب الشهادة ص٥١١ ج٥ ط إيران
(٢) هو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي الملقب بالمفيد من أعيان الشيعة في القرن الخامس
(٣) "الأمالي" للمفيد، المجلس الثالث ص٢١، الطبعة الثالثة بمطبعة الحيديرية، النجف، العراق
[ ٧٣ ]
وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه فلينظر إلى علي بن أبي طالب" (١).
وحينما كان علي وأولاده على هذه المنزلة كما أوحى إليهم الشيطان فما كان لهم ألا يجعلوهم ملاك الأرض والآخرة أيضًا. وفعلًا جعلوا لهم هذا كما روى الكليني في صحيحه تحت باب "إن الأرض كلها للإمام" عن أبي عبد الله أنه قال: إن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشأ" (٢).
وروى أيضًا عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن الباقر أنه قال: نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله" (٣).
وعن الباقر أنه قال: نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء من فوق الأرض" (٤).
ولرفعهم فوق البشرية اختلقوا فيهم روايات باطلة، وقصصًا كاذبة، وأساطيرًا مضحكة، حتى لا يبقى بينهم وبين الألوهية أي فرق، ومنها ما رواها الجزائري عن البرسي بقوله: روى البرسي في كتابه لما وصف وقعة خيبر، وأن الفتح فيها كان على يد علي
_________________
(١) "الأمالي" للشيخ المفيد، المجلس الثاني ص١٥ و١٦ ط النجف
(٢) "الكافي في الأصول" ص٤٠٩ ج١ ط إيران
(٣) "الكافي في الأصول" ص١٩٢ ج١ ط إيران
(٤) "الكافي في الأصول" ص١٩٢ ج١ ط إيران
[ ٧٤ ]
﵁، إن جبرئيل جاء إلى رسول الله مستبشرًا بعد قتل مرحب، فسأله النبي عن استبشاره، فقال: يا رسول الله إن عليًا لما رفع السيف ليضرب به مرحبًا، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين وكذا ما عليه من الحديد وكذا فرسه ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه يا جبرئيل بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن قوم لوط، وهي سبع مدائن، قلعتها من الأرض السابعة، ورفعتها فوق ريشة واحدة من جناحي إلى قرب السماء، وبقيت منتظرًا الأمر إلى وقت السحر حتى أمرني الله بقلبها، فما وجدت لها ثقلًا كثقل سيف علي،. . . وفي ذلك اليوم أيضًا لما فتح الحصن وأسروا نسائهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن فأتت النبي وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي عنها، فقالت أن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه، أتى إلى برج من بروجه، فنهزه فاهتز الحصن كله وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي يا صفية إن عليًا لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي فزلزل السماوات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به
[ ٧٥ ]
شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلًا يتعاونون على سده وقت الليل ولما دخل (علي) الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب وكان في يده بمنزلة الترس يتقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه" (١).
وهل يا ترى أينقصه بعد ذلك شيء من الألوهية، فهذا هو القوم، وهذه عقائدهم، أعاذنا الله منها ومنهم، وصدق الله ﷿ حيث قال: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾.
_________________
(١) "الأنوار النعمانية" للسيد نعمة الله الجزائري
[ ٧٦ ]