وخير مثال لذلك محدثهم الكبير وراويهم الشهير زرارة بن أعين صاحب "الأئمة الثلاثة" موسى، وجعفر، والباقر، وفيذكره المترجمون الشيعة، يمدحونه في صفحة ويذمونه في صفحة أخرى، يجعلونه من أهل الجنة مرة وأهل النار مرة أخرى، ويعدونه من أخلص المخلصين تارة، ومن ألد الناس تارة.
فمثلًا يذكر الكشي تحت ترجمة زرارة بسنده "قال أبو عبد الله (الجعفر) "ع": يا زرارة! إن اسمك في أسامي أهل
[ ١٧٤ ]
الجنة". . . (١).
وقال أبو عبد الله: أحب الناس إلي أحياء وأمواتًا أربعة بريد بن معاوية، وزرارة، ومحمد بن مسلم، والأحول، وهم أحب الناس إلي أحياء أو أمواتًا" (٢).
وقال أبو عبد الله أيضًا: رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي" (٣).
وقال ما أجد أحدًا أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة" (٤).
ثم هذا هو زرارة بن أعين الذي قال فيه الجعفر هذا نفسه عن ابن أبي حمزة عن أبي عبد الله "ع" قال: قلت: والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم".
قال: أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت ما هو قال: هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة وهذا الضرب، قال قلت: (يعني ابن أبي حمزة) الزنا معه قال: الزنا، ذنب" (٥).
_________________
(١) رجال الكشي ص١٢٢ ط كربلاء العراق
(٢) رجال الكشي ص١٢٣
(٣) رجال الكشي ص١٢٤
(٤) رجال الكشي ص١٢٥
(٥) رجال الكشي ص١٣١، ١٣٢ تحت ترجمة زرارة
[ ١٧٥ ]
وأكثر من ذلك "عن زياد بن أبي الحلال قال: قال أبو عبد الله "ع": لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة" (١).
وعن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله "ع" يقول: "لا يموت زرارة إلا تائها" (٢).
وعن علي القصير قال: استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود على أبي عبد الله "ع" قال: يا غلام أدخلهما فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات" (٣).
ويقول في نفس الرجل الذي قال فيه: لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي، وقال: يا زرارة إن اسمك في أسامي أهل الجنة: يقول هذا إمامه وأما خلفه فيقول: إن ذا من مسائل آل أعين، ليس من ديني ولا دين آبائي" (٤).
ثم نفس الزرارة هذا، قال فيه ابن جعفر أبو الحسن موسى الإمام السابع لهم: والله كان زرارة مهاجرًا إلى الله تعالى" (٥).
وأيضًا عن ابن أبي منصور الواسطي قال سمعت أبا الحسن "ع" يقول" إن زرارة شك في إمامتي فاستوهبته من الله تعالى" (٦).
_________________
(١) رجال الكشي ص١٣٣ ترجمة زرارة
(٢) رجال الكشي ص١٣٤
(٣) رجال الكشي ص١٣٥
(٤) رجال الكشي ص١٣٧
(٥) رجال الكشي ص١٣٩ تحت ترجمة زرارة بن أعين
(٦) رجال الكشي ص١٣٨
[ ١٧٦ ]
وجدّ أبي الحسن أبو جعفر الباقر يقول عن زرارة حينما سأله عن جوائز العمّال فقال (أبو جعفر): لا بأس به، ثم قال: إنما أراد زرارة أن يبلغ هشامًا (الخليفة) أني أحرم السلطان" (١).
يعني أن زرارة خائن ومن جواسيس الخلفاء الأمويين ولكن ابنه جعفر أبو عبد الله يمدحه بعد وفات أبيه ثم يذمه، ثم ابنه أي ابن أبي جعفر أبا الحسن موسى يمدحه مع أن أباه أبا عبد الله قال فيه، حينما سأل أحد شيعته: متى عهدك بزبارة؟ قلت: ما رأيته منذ أيام قال: لا تبالي، وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته، قال: (الراوي) قلت: زرارة؟ متعجبًا مما قال (أبو عبد الله) قال: (أبو عبد الله): نعم زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إن الله ثالث ثلاثة" (٢).
_________________
(١) رجال الكشي ص١٤٠ ترجمة زرارة
(٢) فانظر رجال الكشي ص١٤٢ ترجمة زرارة، ولا أدري كيف يجترئ المحشي لكتاب "رجال الكشي" السيد أحمد الحسيني أن يقول: الروايات التي يوردها مؤلف هذا الكتاب في شأن زرارة تنقسم إلى قسمين، فبعض منها في المدح والثناء له والإشادة بمكانته السامية ومنزلته العظيمة عند الإمام الصادق ﵇ وأبيه وتقدمه على أصحابه في العلم والمعرفة وحفظ أحاديث أهل البيت عن الضياع والتلف، وبعض منها يدل على عكس ذلك. وأنه كان الرجل كذابًا وضاعًا مرائيًا وداسًا في الأحاديث. . . . . كيف يجترئ أن يقول: أن الذم والتكذيب والتكفير إنما صدرت للدفاع والمحافظة والتقية. . . . . وأن هذه الأخبار صدرت تقية" (حاشية رجال الكشي ص١٤٣ و١٤٤). وهل هذا تقية أو كذب وخداع؟ يقال للرجل أمامه شيء وخلفه شيء آخر؟ وثم أي شيء كان يخوف الأئمة من زرارة. هل كان ملكًا من ملوك بني أمية أم بني العباس، فما كان إلا شيعة أبي جعفر، وأبي عبد الله، وأبي الحسن، فأي شيء أجبرهم على تكفير ذلك الرجل، ثم بعد ذلك هو الآن مدار وقطب لأحاديث الشيعة!
[ ١٧٧ ]
فهذا شأن قطب من أقطاب الشيعة الذي أدرك ثلاثة من الأئمة، يتضارب فيه الأقوال الثلاثة من "المعصومين" الذين لا ينطقون إلا بالوحي والإلهام" وقد صدق الله ﷿ حيث قال: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء" (١).
وقال: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا" (٢).
وقال: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" (٣).
وقال: جل مجده: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون" (٤).
ومثل هذا كثير، بل هذا دأبهم مع الجميع، مثل محمد بن
_________________
(١) سورة الأنعام الآية٩٤
(٢) سورة النساء الآية٥٢
(٣) سورة البقرة الآية٩
(٤) سورة البقرة الآية١٤
[ ١٧٨ ]
مسلم، وأبي بصير، وحمران بن أعين وغيرهم كبار الشيعة وأئمة رواتهم يبشرون بالجنة ويعدونهم من أخلص المخلصين، ويذمونهم مرة ويكفرونهم وينذرونهم بالنار.