ولما افتتح إيران على يد الفاروق الأعظم، ومزق جموعها، وكسر شوكتها، وهدم ملوكيتها نقم أهل إيران على الفاروق، ورفقته، وجنوده، لما جبلوا على الملوكية وأشربوا حبها، فوجد اليهود الفارس مزرعة خصبة لغرس بذور الفتنة فيها، وكان من الاتفاقات أن ابنة يزدجرد ملك إيران "شهربانو" زوجت من حسين بن علي ﵄ بعد ما جاءت مع الأسارى الإيرانيين، فلما دبر اليهود لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ وتترسوا بعلي ﵁ بدون إذن منه ومعرفة، وادعوا الولاية والخلافة لعلي وأولاده، تعاونهم أهل إيران نقمة على الفاروق، ورفقته، وأصحاب الرسول الذين فتحوا إيران، وعثمان الذي وسع نطاق الفتوحات الإسلامية،
_________________
(١) رواه البخاري
[ ٥٥ ]
وأقام اعوجاجهم، ونفى بغاتهم، فأبدى أهل إيران الاستعداد لمعاونة تلك الطائفة اليهودية، والفئة الباغية، وخاصة بعد ما رأوا أن الدم الذي يجري في عروق علي بن الحسين الملقب بزين العابدين وفي أولاده دم إيراني من قبل أمه "شهربانو" ابنة "يزدجرد" ملك إيران من سلالة الساسانيين، المقدسين عندهم.
فلأجل هذا دخل أكثر أهل فارس في الشيعية لما يجدون فيها التسلية بالسباب على الصحابة، وعمر، وعثمان، فاتحي إيران، ومطفئ نار المجوسية فيها، ومن هناك اتفقوا مع اليهودية الماكرة، ولأجل هذا اتحدوا معهم، وسلكوا مسلكهم، ونهجوا منهجهم، فها هو المستشرق الإنكليزي الذي سكن إيران مدة طويلة ودرس تاريخها دراسة وافية، ضافية، يقول صراحة: من أهم أسباب عداوة أهل إيران للخليفة الراشد، الثاني، عمر، هو أنه فتح العجم، وكسر شوكته، غير أنهم (أي أهل إيران) أعطوا لعدائهم صبغة دينية، مذهبية، وليس هذا من الحقيقة بشيء" (١).
ووضح في مقام آخر أكثر من هذا وقال: ليس عداوة إيران وأهلها لعمر بن الخطاب بأنه (عمر) غصب حقوق علي وفاطمة بل لأنه فتح إيران وقضى على الأسرة الساسانية - ثم يذكر أبياتًا فارسية لشاعر إيراني ما نصها في اللغة الفارسية -.
_________________
(١) "تاريخ أدبيات إيران، للدكتور براؤن ص٢١٧ ج١ ط الهند بالأردية مترجمًا
[ ٥٦ ]
بشكست عمر بشت هزبران اجم را
برباد فنا داد رك وريشة جم را
اين عربده بر غصب خلافت ز على نيست
با آل عمر كينه قديم است عجم را
يعني أن عمر كسر ظهور أسود العرنين المفترسة، واستأصل جذور آل جمشيد (ملك من أعاظم ملوك فارس).
ليس الجدال على أنه غصب الخلافة من علي، بل أن المسألة قديمة يوم فتح إيران" (١).
ويقول: "إن أهل إيران وجدوا في أولاد علي بن الحسين تسلية وطمأنينة بما كانوا يعرفون أن أم علي بن الحسين هي ابنة ملكهم "يزدجرد" فرأوا في أولادها حقوق الملك قد اجتمعت مع حقوق الدين، فمن هنا نشأ بينهم علاقة سياسية، ولأجل أنهم (أهل إيران) كانوا يقدسون ملوكهم لاعتقادهم أنهم ما وجدوا الملك إلا من السماء ومن الله، فازدادوا في التمسك بهم" (٢).