وأما القول بأن مثل هذه الروايات توجد عند السنة فليس إلا تحكم وتجبر، والحق أنه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمدة عليها عندهم رواية واحدة صحيحة تدل على أن القرآن الذي تركه رسول الله ﷺ عند وفاته نقص منه أو زيد فيه بل صرح أكابر المسلمين بأن من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملة الحنيفية، البيضاء، كما أنهم نصوا بأن الشيعة هم القائلون بهذا القول الخبيث.
فهذا الإمام ابن حزم الظاهري يقول في كتابه العظيم "الفصل في الملل والنحل" ما نصه: ومن قول الإمامية كلها قديمًا وحديثًا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير" - ثم يقول: القول بأن بين اللوحين تبديلًا كفر صريح وتكذيب لرسول الله ﷺ" (١).
وقال أيضًا ردًا على قول الشيعة بأن القرآن محرف ومغير فيه فقال: واعلموا أنه لو رام اليوم أحد أن يزيد في شعر النابغة
_________________
(١) "الفصل في الملل والنحل" للإمام ابن حزم الظاهري، ص١٨٢ ج٤ ط بغداد
[ ١٤١ ]
أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ما قدر لأنه كان يفتضح في الوقت، وتخالفه النسخ المثبتة، فكيف القرآن في المصاحف وهي من آخر الأندلس، وبلاد البربر، وبلاد السودان إلى آخر السند، وكابل، وخراسان، والترك، والصقالية، وبلاد الهند فما بين ذلك - فظهر حمق الرافضة - وقال قبل ذلك بأسطر -: وإن لم يكن عند المسلمين إذ مات عمر ألف مصحف من مصر إلى العراق، إلى الشام، إلى اليمن فما بين ذلك، فلم يكن أقل، ثم ولى عثمان فزادت الفتوح واتسع الأمر فلو رام أحد إحصاء مصاحف أهل الإسلام ما قدر" (١).
وهو الذي قال في كتابه "الأحكام": ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيهم أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه "ما فرطنا في الكتاب من شيء" (٢).
وقال الأصولي الشافعي المعروف: الأول في الكتاب أي
_________________
(١) "الفصل في الملل والنحل لابن حزم الظاهري، ص٨٠ ج٢ ط بغداد
(٢) "الأحكام في أصول الأحكام" للحافظ ابن حزم الأندلسي الظاهري، ص٩٥ ج١ ط مصر الباب العاشر
[ ١٤٢ ]
القرآن وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواترًا" (١).
وقال الشارح على هذا: والمصنف اقتصر على ذكر النقل في المصاحف تواترًا لحصول الاحتراز بذلك عن جميع ما عدا القرآن، لأن سائر الكتب السماوية وغيرها الأحاديث الإلهية والنبوية ومنسوخ التلاوة لم ينقل شيء منها بين دفتي المصاحف لأنه اسم لهذا المعهود المعلوم عند جميع الناس حتى الصبيان" (٢).
وقال الأصولي الحنفي: "أما الكتاب فالقرآن المنزل على الرسول ﵇، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة" (٣).
وقال الآمدي: وأما حقيقة الكتاب هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف نقلًا متواترًا" (٤).
وقال السيوطي بعد ما ذكر الأقوال بأن القرآن جمعه وترتيبه ليس إلا توقيفًا، قال: قال القاضي أبو بكر في الانتصار -: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه" - وقال البغوي في شرح السنة: إن الصحابة ﵃
_________________
(١) "التوضيح في الأصول" ص٢٦ ج١ ط مصر
(٢) "التلويح ص٢٧ ج١ ط مصر
(٣) "المنار في الأصول" ص٩ ط الهند
(٤) "الأحكام للآمدي" ص٢٢٨ ج١ ط مصر
[ ١٤٣ ]
جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئًا" (١).
وقال الخازن في مقدمة تفسيره: وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا القرآن بين الدفتين كما أنزله الله ﷿ على رسول الله من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئًا. فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا أو أخروا شيئًا، أو وضعوا له ترتيبًا لم يأخذوه من رسول الله. . . فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحو الذي هو في مصاحفنا الآن" (٢).
وقال القاضي في الشفاء: اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف بشيء منه، أو سبهما، أو كذب به، أو جحده، أو جزءًا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو اثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (٣).
_________________
(١) "الاتقان للسيوطي" ص٦٣ ج١ ط مطبع حجازي بالقاهرة سنة ١٣٦٨هـ
(٢) "تفسير الخازن" ص٧ و٨ المقدمة ج١ ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٩٥٥هـ
(٣) "الشفاء" للقاضي عياض
[ ١٤٤ ]
هذا وقد بوب الإمام البخاري بابًا في صحيحه بعنوان "باب من قال لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين" ثم ذكر تحت ذلك حديثًا: أن ابن عباس قال في جواب من سأل: أترك النبي من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية" (١).
فهذا ما رواه بخارينا وذاك ما رواه بخاريهم، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة وذلك ما قاله أئمتهم.
وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى، فيقول الإمام الزركشي في كتابه "البرهان" بعد ذكر قول القاضي في "الانتصار" وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقوله: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجود الغلط والتخليط، وذلك يوجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته" (٢).
وقد ذكر مفسرو أهل السنة تحت آية ﴿وإنا له لحافظون﴾ بأن القرآن محفوظ عن أي تغيير وتبديل وتحريف، وكان أن يتفق على هذا كلهم وشذّ من ندر، فمثلًا يقول الخازن في تفسيره:
_________________
(١) "صحيح البخاري" كتاب فضائل القرآن
(٢) "البرهان في علوم القرآن" ص١٢٧ ج٢ ط أولى ١٩٥٧م
[ ١٤٥ ]
وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون، يعني من الزيادة فيه والنقص والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفًا واحدًا، أو كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، ولما تولى الله ﷿ حفظ هذا الكتاب بقي مصونًا على الأبد، محروسًا من الزيادة والنقصان" (١).
وقال النسفي في تفسيره تحت هذه الآية "إنا نحن": فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو نزله محفوظًا من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيون والأحبار فيما بينهم بغيًا فوقع التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه" (٢).
وقال الإمام ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل" (٣).
وقال الفخر الرازي: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة، والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لا يأتيه
_________________
(١) "تفسير الخازن" ص٨٩ ج٣
(٢) "تفسير المدارك" للنسفي، ص١٨٩ هامش الخازن ج٣
(٣) تفسير ابن كثير ص٥٤٧ ج٢ ط القاهرة
[ ١٤٦ ]
الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وقال: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا: فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه، والجواب أن جمعهم القرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه قال لما أن حفظه قيضهم لذلك - إلى أن قال -: إن أحدًا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: وإنا له لحافظون: واعلم أنه لم يتفق بشيء من الكتب مثل هذا الحفظ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونًا عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات" (١).