أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول بأن الشيعة لا يعتقدون التحريف والتغيير في الكلام المبين، نعم هنالك بعض الأعيان من الشيعة الذين أظهروا أنهم يعتقدون أن القرآن غير محرف ومغير فيه، ومحذوف منه، ومنهم محمد بن علي بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق عندهم المتوفى سنة ٣٨١هـمؤلف كتاب "من لا يحضره الفقيه" وهو في القرون الأولى الأربعة أول من قال من الشيعة بعدم التحريف في القرآن، وإلا لا يوجد في الشيعة المتقدمين منهم إلى القرن الرابع وحتى بعد ما مضى نصفه الأول أيضًا رجل واحد وفيهم أئمتهم الإثنا عشر، لم ينقل من أي واحد منهم ولم ينسب إليهم بأنهم قالوا أو أشاروا إلى عدم التحريف وبعكس ذلك يوجد مئات من النصوص الواضحة الصريحة على أن الحذف والنقص في القرآن، والزيادة عليه، قد وقع.
وهل في الدنيا نعم في الدنيا كلها واحد من علماء الشيعة وأعلامها من يستطيع أن يقبل هذا التحدي ويثبت من كتبه هو أن واحدًا منهم في القرون الأربعة الأولى قال بعدم التحريف وأظهره. لا ولن يوجد واحد يقبل هذا التحدي (١).
_________________
(١) وحتى الصافي في رسالته "مع الخطيب" لم يبد الإظهار أنهم يعتقدون بهذا القرآن إلا بنقل عبارة بن بابويه القمي ولم يجد لإثبات دعواه وللرد على الخطيب أن يتمسك بقول أحد قبله وحتى من أئمته المعصومين
[ ١٢٤ ]
فالمقصود أن عقيدة الشيعة التي بناها مصطنعوها لم تكن قائمة إلا على أساس تلك الفرية لأنه كما ذكر مقدمًا هم مضطرون لرواج عقائدهم الواهية على أن لا يعتقدوا بهذا القرآن الذي يهدم أساس مذهبهم المنهار وإلا تروح معتقداتهم المدسوسة في الإسلام أدراج الرياح.
ونحن نفصل القول في هذا حتى يعرف الباحث والقارئ السر في تغيير منهج بعض الشيعة بعدما مضى القرن الثالث ومنتصف الرابع، وقد عرف مما سبق من الأحاديث والروايات الصحيحة الثابتة عندهم، وأقوال المفسرين وأعلامهم وأئمتهم أنهم يعتقدون أن القرآن الموجود في أيدي الناس لم يسلم من الزيادة والنقصان، والقرآن الصحيح المحفوظ ليس إلا عند "مهديهم المزعوم" --- فيولد في لاقرن الرابع نم الهجرة محمد بن علي بن بابويه القمي ويرى أن الناس يبغضون الشيعة وينفرون منهم لقولهم بعدم صيانة القرآن، ويشنعون عليهم لأنه لو سلم قولهم كيف يكون العمل على الإسلام، والدعوة إليه، وأيضًا كيف يمكن التمسك بمذهب الشيعة حيث يقولون أن الرسول ﵇ أمر بالتمسك بالثقلين، القرآن وأهل البيت حسب زعمهم (١) وحينما لا يثبت الثقل الأكبر وهو القرآن، كيف يثبت الثقل الأصغر والتمسك به.
ولما رأى هذا لجأ إلى القول "اعتقدنا أن القرآن الذي
_________________
(١) ذكرنا معنى هذا الحديث ومرتبته في موضع آخر بالتفصيل
[ ١٢٥ ]
أنزل الله تعالى على نبيه محمد هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك - إلى أن قال --: ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" (١).
وتبعه في ذلك السيد المرتضى، الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة ٤٣٦هـفقد نقل عنه مفسر شيعي أبو علي الطبرسي وقال: أما الزيادة فمجمع على بطلانه وأما النقصان فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرًا ونقصانًا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى" (٢).
ثم حذا حذوهما أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ فقال في تفسيره "التبيان": أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به -- إلى أن قال --: وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي. . . وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر التمسك به" (٣).
ورابعهم هو أبو علي الطبرسي المفسر الشيعي المتوفى سنة ٥٤٨هـوقد مر كلامه في تفسير "مجتمع البيان".
_________________
(١) "اعتقادات لابن بابويه القمي باب الأعقاد في مبلغ القرآن ط إيران ١٢٢٤
(٢) "تفسير مجمع البيان" ص٥ ج١ ط إيران ١٢٨٤هـ
(٣) "التبيان" ص٣ ج١ ط نجف، وتفسير الصافي ص١٥
[ ١٢٦ ]
فهؤلاء هم الأربعة من القرن الرابع إلى القرن السادس لا خامس لهم الذين قالوا بعدم التحريف في القرآن.
ولا يستطيع عالم من علماء الشيعة أن يثبت في القرون الثلاثة هذه خامسًا لهؤلاء الأربعة من يقول بقولهم بل وفي القرون الثلاثة الأولى أيضًا لا يوجد موافقهم كما ذكرنا سابقًا،- وعلى ذلك يقول العالم الشيعي الميرزا حسين تقي النوري الطبرسي المتوفى سنة ١٣٢٥هـ: الثاني عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق ي عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي) في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم --- إلى أن قال --- وإلى طبقته --- أي أبي علي الطبرسي --- لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هذه المشائخ الأربعة" (١).
فهؤلاء الأربعة أيضًا ما أنكروا التحريف في القرآن وأظهروا الاعتقاد به إلا تحرزًا من طعن الطاعنين، وتخلصًا من إيرادات المعترضين كما ذكرناه قبل ذلك، وكان ذلك مبنيًا على التقية والنفاق الذي جعلوه أساسًا لدينهم (٢) أيضًا، وإلا ما كان لهم أن ينكروا ما لو أنكر لانهدم مذهب الشيعة وذهب
_________________
(١) "فصل الخطاب" ص٣٤ ط إيران
(٢) ولهذه المسألة بحث مستقل في محل آخر
[ ١٢٧ ]
هباءً منثورًا.
أولًا: - لأن الروايات التي تنبئ وتخبر عن التحريف روايات متواترة عند الشيعة كما يقول السيد نعمة الله الجزائري المحدث الشيعي في كتابه "الأنوار" ونقل عنه السيد تقي النوري فقال: قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار ما معناه: أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" (١).
ونقل عنه أيضًا: أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيرهم، بل الشيخ (أبو جعفر الطوسي) أيضًا صرح في "التبيان" بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة --- إلى أن قال --- واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية" (٢).
وإنكار هذه الروايات يستلزم إنكار تلك الروايات التي تثبت مسألة الإمامة والخلافة بلا فصل لعلي ﵁ وأولاده بعده عندهم، لأن الروايات عنها ليست بأكثر من روايات التحريف، وقد صرح بهذا علامة الشيعة الملا محمد باقر الملجس حيث قال: وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة
_________________
(١) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب الأرباب" للنوري الطبرسي، ص٣٠ ط إيران
(٢) "فصل الخطاب" ص٢٢٧
[ ١٢٨ ]
معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر" (١).
ثانيًا: - مذهب الشيعة قائم على أقوال الأئمة وآرائهم فقد أثبتنا آرائهم وأقوالهم مقدمًا أنهم لا يرون القرآن الموجود في أيدي الناس قرآنًا، كاملًا، محفوظًا باستثناء هؤلاء الأربعة الذين أظهروا إنكار التحريف ولم يستندوا إلى قول من الأئمة المعصومين (حسب قولهم) ولم يأتوا بشاهد منهم، وأما القائلون بالتحريف فإنهم أسسوا عقيدتهم على الأحاديث المروية من الأئمة الاثني عشر، الأحاديث الصحيحة، الثابتة، المعتمدة عليها.
ثالثًا: - لم يدرك واحد من هؤلاء الأربعة القائلين بعدم التحريف زمن الأئمة الاثني عشر "المعصومين" - حسب زعمهم - بخلاف متقدميهم القائلين بالتحريف والمعتقدين به، فإنهم أدركوا زمن الأئمة، وجالسوهم، وتشرفوا برفقتهم، واستفادوا من صحبتهم، وصلوا خلفهم، وسمعوا وتعلموا منهم بلا واسطة، وتحدثوا معهم مشافهة.
رابعًا: - الكتب التي رويت فيها أخبار وأحاديث عن التحريف والتغيير كتب معتبرة، معتمد عليها عند الشيعة، وقد عرضت بعض هذه الكتب على الأئمة المعصومين، ونالت رضاهم
_________________
(١) نقلًا عن كتاب "فصل الخطاب"
[ ١٢٩ ]
مثل الكافي للكليني، وتفسير القمي، وغيرهما.
خامسًا: - ومن العجائب أن هؤلاء الأربعة الذين تظاهروا إنكار التحريف يروون في كتبهم أنفسها - أحاديث وروايات عن الأئمة وغيرهم تدل وتنص على التحريف بدون تعرض لها ولسندها ورواتها.
فمثلًا ابن بابويه القمي القائل بأنه "من نسب إلينا القول بالتحريف فهو كاذب" هو الذي يروي نفسه في كتابه "الخصال" حديثًا مسندًا متصلًا "حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجصاني قال: حدثنا عبد الله بن بشر قال: حدثنا الحسن بن زبرقان المرادي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني "الحديث" (١).
وأبو علي الطبرسي الذي ينكر التحريف بشدة هو نفسه يروي في تفسيره أحاديث يعتمد عليها تدل على أن التحريف قد وقع، فمثلًا يعتمد في سورة النساء على رواية تضمنت نقصان كلمة "إلى أجل مسمى" من آية النكاح فيقول: وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهم قرأوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فاتوهن أجورهن،
_________________
(١) "الخصال" لابن بابويه القمي، ص٨٣ ط إيران ١٣٠٢هـ
[ ١٣٠ ]
وفي ذلك تصريح بأنالمراد به عند المتعة" (١).
ومثل هذا كثير عندهم وهذا يدل دلالة واضحة أنه ما أنكر بعضهم التحريف إلا نفاقًا وتقية ليخدعوا به المسلمين، والمعروف في مذهب الشيعة أنهم يرون التقية أي التظاهر بالكذب أصلًا من أصول الدين (٢) كما يذكر ابن بابويه القمي هذا في رسالته "الاعتقادات": التقية واجبة من تركهاكان بمنزلة من ترك الصلوات - إلى أن قال -: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق ﵇ عن قول الله ﷿ ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ قال: أعملكم بالتقية" (٣).
فما كان ذاك إلا لهذا وإلا كيف كان ذلك؟
سادسًا: - لو سلم قول الأربعة لبطلت الروايات التي تنص على أن القرآن لم يجمعه إلا علي بن بي طالب رضي الله وأنه عرضه على الصحابة فردوه إليه وقالوا لا حاجة لنا به، فقال: لا ترونه بعد هذا إلا أن يقوم القائم من ولدي" وهناك رواية في "الكافي" عن جابر عن أبي جعفر ﵇ أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن
_________________
(١) "مجمع البيان" للطبرسي، ص٣٢ ج٣ ط طهران ١٣٧٤هـ
(٢) فانظر لهذا بحثنا المستقل "الشيعة والكذب"
(٣) "الاعتقادات للصدوق" باب التقية، ص إيران ١٢٧٤
[ ١٣١ ]
عنده جميع القرآن، ظاهره وباطنه غير الأوصياء" (١).
وأيضًا تبطل الأراجيف التي تقول أن الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة منهم رضوان الله عليهم أجمعين أدرجوا فيه ما ليس منه وأخرجوا منه ما كان داخلًا فيه، - ويعترف بمجهودات الصحابة وفضلهم الذين جمعوا القرآن وتسببوا في حفظه بتوفيق من الله، وعنايته، ومنّه، وكرمه.
وفسد أيضًا الاعتقاد أنه لا تقبل عقيدة ولا يعتمد على شيء لم تصل إلينا من طريق الأئمة الاثنى عشر، والثابت أن القرآن الموجود في الأيدي لم ينقل إلا من مصحف الإمام عثمان ذي النورين ﵁، وأن جمع القرآن كان بدايته من الصديق ونهايته من ذي النورين ﵄.
ولأجل ذلك لم يقل هذا المتقدمون منهم ولم يقبله المتأخرون بل ردوا عليهم -. فهذا مفسر شيعي معروف محسن الكاشي يقول في تفسيره الصافي بعد ذكر أدلة السيد المرتضى: أقول لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين، المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة، لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم - إلى أن قال -: وأما كونه مجموعًا في عهد النبي على ما هو عليه الآن
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب أنه لم يجمع القرآن كله غير أمير المؤمنين، ص٢١٨ ج١ ط طهران
[ ١٣٢ ]
فلم يثبت، وكيف كان مجموعًا وإنما كان ينزل نجومًا وكان لا يتم لا بتمام عمره" (١).
وقال أحد أعلام الشيعة في الهند ردًا على كلام السيد المرتضى: فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى (المرتضى) معصومًا حتى يجب أن يطاع، فلو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقًا لم يلزمنا اتباعه ولا خير فيه" (٢).
وقال الكاشي ردًا على الطوسي بعد ما نقل عبارته فقال: أقول يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعًا كما أنزل الله محفوظًا عند أهله، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام كذلك" (٣).
سابعًا: - قد ذكرنا سابقًا أن عقيدة الشيعة كلها في القرآن هو أن القرآن محرف ومغير فيه غير هؤلاء الأربعة فهم ما أنكروا التحريف إلا لأغراض.
منها سد باب الطعن لأنهم رأوا أن لا جواب عندهم لأعداء الإسلام حيث يعترضون على المسلمين "إلى أي شيء تدعون وليس عندكم ما تدعون إليه؟ وكان أهل السنة يطعنون عليهم "أين ذهب حديث الثقلين عند عدم وجود الثقل الأكبر؟ وكيف تدعون الإسلام بعد إنكار شريعة الإسلام"؟
_________________
(١) "تفسير الصافي" ص١٤ ج١ مقدمة الكتاب
(٢) "ضربة حيدرية" ص٨١ ج٢ ط الهند
(٣) "تفسير الصافي" ص١٤ ج١
[ ١٣٣ ]
فما وجدوا منه مخلصًا إلا بإظهار الرجوع عن العقيدة المتفقة عليها عند الشيعة الإمامية كافة، ونقول ظاهرًا لأنهم يبطنون نفس العقيدة وإلا ما يبقى لهم مجال للبقاء على تلك المهزلة التي سميت بمذهب الشيعة، وقد تخلصوا منه أيضًا بالتحريف في المعنى حيث يؤولون القرآن بتأويل لا يقبله العقل، ولا يؤيده النقل، وقد اعترف بهذا السيد الجزائري حيث قال بعد ذكر اتفاق الشيعة على التحريف: نعم قد خالف فيها المرتضى، والصدوق، والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل. . . والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليه - ثم يبين أنه لم يكن إلا لهذه المصالح بقوله -: كيف هؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبارًا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا" (١).
وفعلًا فقد أورد هؤلاء الذين أظهروا الموافقة لأهل السنة في القرآن، أورد هؤلاء أنفسهم روايات في كتبهم تدل صراحة على التحريف والتغيير في القرآن، فنحن ذكرنا قبل ذلك أن ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق أحد الأربعة أنكر التحريف في "الاعتقادات" وأثبته في كتاب آخر، وهكذا أبو علي الطبرسي يتظاهر
_________________
(١) الأنوار للسيد نعمة الله الجزائري
[ ١٣٤ ]
بالاعتقاد بعدم التحريف ولكن في تفسيره يعتمد على أحاديث وروايات تدل على التحريف.
وأما الشيخ الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، فقد قال الشيعة أنفسهم في تفسيره: ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب "التبيان" أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين. . . ومما يؤكد وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في (كتابه) "سعد السعود" (١).
ثامنًا: - أن الأربعة سالفي الذكر لم يكن قولهم مستندًا إلى المتقدمين أو المعصومين عندهم، وهكذا لم يقبله المتأخرون، فهؤلاء أعلام الشيعة وزعمائهم وأكابرهم ينكرون أشد الإنكار قول من يقول بأن القرآن لم يتغير ولم يتبدل، فيقول الملا خليل القزويني، شارح "الصحيح الكافي" المتوفى سنة ١٠٨٩هـتحت حديث "إن للقرآن سبعة عشر ألف آية، يقول: وأحاديث الصحاح التي تدل على أن كثيرًا من القرآن قد حذف، قد بلغ عددها إلى حد لا يمكن إنكاره،. . . . وليس من السهل أن يدعي بأن القرآن الموجود هو القرآن المنزل بعد الأحاديث التي مر ذكرها، والاستدلال باهتمام الصحابة والمسلمين بضبط القرآن وحفظه ليس إلا استدلال ضعيف جدًا بعد الاطلاع على
_________________
(١) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي، ص٣٤
[ ١٣٥ ]
أعمال أبي بكر وعمر وعثمان" (١).
ويقول المفسر الشيعي الكاشي في مقدمة تفسيره: المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت ﵈ أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعه، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله وبه قال إبراهيم" (٢).
ويقول: أما اعتقاد مشائخنا ﵏ في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه "الكافي" ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر يف أول الكتاب أنه يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي فإن تفسيره مملوء وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدس سره أيضًا نسج على منوالهما في كتابه "الاحتجاج" (٣).
_________________
(١) "الصافي شرح الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن ص٧٥ ج٨ نولكشور الهند - الفارسي -
(٢) "مقدمة تفسير الصافي" ص١٤
(٣) "مقدمة تفسير الصافي" ص١٤
[ ١٣٦ ]
وقال المقدس الادبيلي العالم الشيعي الكبير ما معناه: إن عثمان (الخليفة الراشد ﵁) قتل عبد الله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره، وقال البعض أن عثمان (﵁) أمر مروان بن الحكم، وزياد بن سمرة، الكاتبين له أن ينقلا من مصحف عبد الله ما يرضيهم ويحذفا منه ما ليس بمرضى عندهم ويغسلا الباقي" (١).
وذكر خاتمة مجتهديهم الملا محمد باقر المجلسي في كتابه: أن الله أنزل في القرآن سورة النورين (٢) وهذا نصها بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا بالنورين أنزلناهما عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، الذين يوفون بعهد الله ورسوله في
_________________
(١) "حديقة الشيعة" للاردبيلي ص١١٨ وص١١٩ إيران - الفارسي
(٢) "وقد ثبت بهذا أن سورة النورين التي ذكرها الخطيب نقلًا عن كتاب شيعي "دبستان مذاهب" لم ينفرد بذكرها ملا محسن الكشميري بل وافقه علامة الشيعة المجلسي أيضًا حيث ذكرها في كتابه، فماذا يقول - لطف الله الصافي الذي أنكر نسبة الكتاب إلى الشيعة؟ فهل "تذكرة الأئمة" كتاب شيعي أم كتاب سني؟ وهل المجلسي من أعيان الشيعة أم لا؟ فلم التحمس إلى هذا الحد؟ وقد طبعت هذه السورة في الهند أكثر من مرة وأقرئه علماء الشيعة في القارة الهندية الباكستانية مثل السيد علي الحائري وغيره
[ ١٣٧ ]
آيات لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعد آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا لوصي الرسول أولئك يسقون من حميم. . . - إلى أن ذكر عدة آيات ثم قال -: لما أسقط أولئك الفجرة حروف آيات القرآن وقرؤوها كما شاءوا" (١).
وكتب الميرزا محمد باقر الموسوي: أن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود ليطلب منه مصحفه حتى يغيره ويبدله مثل ما اصطنع لنفسه حتى لا يبقى قرآن محفوظ صحيح" (٢).
ويقول الحاج كريم خان الكرماني الملقب "بمرشد الأنام" في كتابه: إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلو القرآن، فيقول - المسلمون هذا والله هو القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد، والذي حرف وبدل" (٣).
ويقول المجتهد الشيعي الهندي السيد دلدار علي الملقب "بآية الله في العالمين" يقول: ومقتضى تلك الأخبار أن التحريف في الجملة في هذا القرآن الذي بين أيدينا بحسب زيادة الحروف ونقصانه بل بحسب بعض الألفاظ وبحسب الترتيب في بعض
_________________
(١) تذكرة الأئمة "للمجلسي نقلًا من "تحفة الشيعة" لبرفسور نور بخش التوكلي ص٣١٨ ج١ ط لاهور
(٢) "بحر الجواهر" للموسوي ص٣٤٧ ط إيران
(٣) "إرشاد العلوم" ص١٢١ ج٣ - الفارسي - ط إيران
[ ١٣٨ ]
المواقع قد وقع بحيث مما لا يشك مع تسليم تلك الأخبار (١).
ويصرح عالم شيعي آخر: أن القرآن هو من ترتيب الخليفة الثالث ولذلك لا يحتج به على الشيعة" (٢).
وقد ألف عالم شيعي الميرزا النوري الطبرسي في ذلك كتابًا مستقلًا كبيرًا سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "وقد ذكرنا عدة عبارات قبل ذلك منه، وقال في مقام آخر" ونقصان السورة وهو جائز كسورة الحقد وسورة الخلع (٣) وسورة الولاية" (٤).
_________________
(١) "استقصاء الأفحام" ص١١ ج١ ط إيران
(٢) "ضربة حيدرية" ص٧٥ ج٢ ط مطبع نشان مرتضوي الهندي - الفارسي
(٣) وقد ذكر السيد الخطيب ﵀ في "الخطوط العريضة" أن الشيعة يعتقدون بسورة "الولاية" في القرآن وأنها أسقطت، فيرد عليه الصافي في كتيبه "مع الخطيب" بشدة وحماس بقوله: فانظر ما في كلامه هذا من الكذب الفاحش والافتراء البين - ليس في فصل الخطاب "لا في ص١٨٠ ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله. فنقول في جوابه وفي أسلوبه، أيها الصافي! ألا تستحي من الله؟ ولا تتفكر بأن في الناس من يظهرون كذبك؟ اتق الله يا أيها الصافي! ما مات العلم بموت الخطيب وإن في أهل السنة من يستطيعون أن يبينوا عواركم وكذبكم فهذا هو الطبرسي يمثل لنقصان في القرآن بسورة الولاية
(٤) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص٣٣ ط إيران
[ ١٣٩ ]
وقد ذكرنا عبارات المتقدمين منهم والمتأخرين قبل ذلك فلا فائدة لتكرارها.
والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريبًا جميعهم متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه، محذوف عنه حسب - روايات "الأئمة المعصومين"- كما يزعمون - فها هو المحدث الشيعي يقول وهو يذكر القراءات المتعددة" الثالث أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادة وإعرابًا مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها" (١).
فهذه حقيقة ما يدندنون حوله، ويطبلون ويزمرون.
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول أن الشيعة يعتقدون بالقرآن ويقولون أنه لا زائد على ما بين الدفتين ولا ناقص منه؟
ثم ما عذر من اعتذر منهم أنها روايات ضعيفة وقليلة لا غير كما يوجد بعض الروايات عند أهل الستة.
فهل هناك مسألة بعض الروايات أم مسألة الاعتقاد والإيمان، فإن كان بعض الروايات فلم التصريح من أئمة الشيعة وأكابرها بوقوع التحريف والنقصان في القرآن؟ ولم الرد على
_________________
(١) "الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية" للسيد الجزائري
[ ١٤٠ ]
من قال بعدم وقوع التحريف ولو نفاقًا، وتقية، وخداعًا للمسلمين.
وأيضًا ليس الروايات قليلة أو ضعيفة عند الشيعة بل الروايات في هذا بلغت حد التواتر عند الشيعة وتزيد على ألفي رواية في قول، وأكثرها في صحاحهم الأربعة.