فأين ذلك المصحف الذي أنزله الله على محمد والذي جمعه وحفظه علي بن أبي طالب؟ - يجيب على ذلك الحديث الشيعي الذي يرويه أيضًا الكليني "عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله - ﵇ وأنا أسمع حروفًا من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال أبو عبد الله ﵇: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله ﷿ على حدة، وأخرج المصحف الذي كتبه علي ﵇، وقال: أخرجه علي ﵇ إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله ﷿ كما
_________________
(١) "الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية" للسيد نعمة الله الجزائري
(٢) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، ص٢٢٨ ج١ ط طهران
[ ٨٨ ]
أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله، قد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبدًا إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه" (١).
فلأجل ذلك يعتقد الشيعة أن مهديهم المزعوم الذي دخل في السرداب ولم يزل هناك، دخل ومعه ذلك المصحف ويخرجه عند خروجه من ذلك السرداب الموهوم كما يذكر شيخ الشيعة أبو منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفي سنة ٥٨٨هـفي كتابه "الاحتجاج على أهل اللجاج" الذي قال عنه في مقدمته معرفًا للروايات التي سرد فيه "ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتاب بين المخالف والموالف" (٢).
يذكر في هذا الكتاب "أن الإمام المهدي المزعوم حينما يظهر: يكون عنده سلاح رسول الله، وسيفه ذو الفقار ---- ولا أدري ماذا يفعل بهذا السلاح في زمن الصواريخ والقنابل الذرية --- بالله خبروا؟ --- وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعًا، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص٥٣٣ ج٢ ط طهران
(٢) "الاحتجاج للطبرسي" مقدمة الكتاب
[ ٨٩ ]
الجفر الأكبر والأصغر، وهو إهاب كبش فيه جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة ﵍" (١).
وقد مر ذكره قبل ذلك أيضًا حيث قال علي فيما يزعمون "إذا قام القائم من ولدي".
وورد أيضًا في الكافي ما رواه الكليني بسنده "عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن ﵇ قال قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا أقرؤها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم" (٢).
ومثل هذه الرواية يذكرها السيد نعمت الله الحسيني الجزائري المحدث الشيعي وهو تلميذ لعلامة الشيعة محسن الكاشي مؤلف التفسير الشيعي المعروف بالصافي، يذكرها في كتابه "الأنوار النعمانية في بيان معرفة نشأة الإنسانية" الذي أكمل تسويده في شهر رمضان سنة ١٠٨٩هـوالذي قال عنه في مقدمته "وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين ﵈، وما صح عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التاريخ
_________________
(١) "الاحتجاج على أهل اللجاج" ص٢٢٣ ط إيران ١٣٠٢هـ
(٢) "الكافي في الأصول" باب أن القرآن يرفع كما أنزل ص٦١٩ ج٢ ط طهران ص٦٦٤ ط الهند
[ ٩٠ ]
أكثرها قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود ولهذا كان أكثر فيها الأكاذيب الفاسدة والحكايات الباردة" (١).
فيقول المحدث الشيعي الجزائري في هذا الكتاب قد ورد في الأخبار أنهم (أي الأئمة) أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين، فيقرأ ويعمل بأحكامه" (٢).
فهذه هي عقيدة الشيعة كاد أن يتفق عليها أسلافهم سوى رجال معدودين لا عبرة بهم، وهم ما أنكروا هذه العقيدة إلا لأهداف سنذكرها فيما بعد.
وأيضًا إنكارهم ليس بقائم على دليل وبرهان لأنهم لم يستطيعوا أن يردوا هذه الأخبار والأحاديث المستفيضة عند الشيعة كما يذكر العلامة الشيعي حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه المشهور "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ناقلًا عن السيد نعمة الله الجزائري" أن الأخبار الدالة على ذلك (أي على التحريف في الكتاب الحكيم) تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الدماد، والعلامة المجلسي وغيرهم" (٣).
ونقل أيضًا عن الجزائري "أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" (٤).
وذكر مثل هذا المفسر الشيعي المعروف محسن الكاشي حيث قال: المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرهم من الروايات من طريق أهل البيت ﵈ أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير، محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة. . . . وأنه ليس أيضًا على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله" (٥).
ويقول علي بن إبراهيم القمي أقدم المفسرين للشيعة، وقد قال فيه النجاشي (الرجالي المعروف): ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب "--- وقد قيل في تفسيره "أنه في الحقيقة تفسير الصادقين ﵉" "قال هذا المفسر الشيعي في مقدمة تفسيره: فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومنه متشابه. . .
_________________
(١) "الأنوار للجزائري" مقدمة الكتاب
(٢) الأنوار للجزائري
(٣) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي ص٢٢٧ ط إيران ١٢٩٨هـ
(٤) "فصل الخطاب" ص٣٠
(٥) "تفسير الصافي"، المقدمة السادسة
[ ٩١ ]
ومنه على خلاف ما أنزل الله (١).
وقال عالم شيعي الذي علق على تفسير القمي ذاكرًا أقوال العلماء في تحريف القرآن "ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين، المتقدمين منهم والمتأخرين، القول بالنقيصة كالكليني، والبرقي، والعياشي، والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة
_________________
(١) "تفسير القمي" مقدمة الكتاب ص٥ ج١ ط نجف ١٣٨٦هـ
[ ٩٢ ]
الفتوني، والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها" (١).
فتلك بعض الروايات والأحاديث المروية من أئمة الشيعة المنسوبة إلى المعصومين عندهم، الصحيحة النسبة والرواية حسب قولهم، المروية في صحاحهم، المعتمدة عندهم، وهذه بعض الآراء لأكابريهم في هذه المسألة، وهناك روايات لا تعد ولا تحصى حتى زادت على ألفي حديث ورواية كما ذكره الميرزا نوري الطبرسي --- وبعد هذا لا يبقى مجال للشك بأن الشيعة يعتقدون التحريف في القرآن الحكيم الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وللتفكر والتدبر للناس كافة، والذي قال فيه: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ (٢). و﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
_________________
(١) "مقدمة تفسير القمي" للسيد طيب الموسوي ص٢٣ و٢٤
(٢) سورة البقرة الآية١
[ ٩٣ ]
تنزيل من حكيم حميد﴾ (١) و﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٢) و﴿إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) و﴿أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ (٤) و﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل عليك من ربك﴾ (٥) و﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ (٦) و﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلًا﴾ (٧) و﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ (٨) و﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (٩).
وصدق الله العظيم ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (١٠).