وإذ دخل المدينة قبل الحج أو بعده فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ويصلي فيه الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (١)، وهو مروي من طرق أخرى، ومسجده كان أصغر مما هو اليوم؛ وكذلك
_________________
(١) تقدم ورواه أيضًا أحمد ١/١٨٤ و٢/٢٧٧، ٢٥٦، ٤١٦، ٤٨٤ وله أيضًا عن طرق كثيرة وشواهد متعددة، أنظر تحذير الساجد ص١٣٥.
[ ٤٥ ]
المسجد الحرام لكن زادفيهما الخلفاء الراشدون ومن بعدهم، وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي ﷺ وصاحبه فإنه قد قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليه روحي حتى أرد ﵇» (١) رواه أبو داود وغيره، وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف (٢) .
وهكذا كان الصحابة يسلمون عليه.
وإذا قال في سلامه السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا أكرم الخلق على ربه، السلام عليك يا إمام المتقين، فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي، وإذا صلى عليه مع السلام عليه، فهذا مما أمر الله به، ويسلم عليه مستقبل الحجرة مستدبر القبلة فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة، ومنهم من قال: يجعلها عن يساره.
واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها ولا يدعو وهناك مستقبلًا للحجرة؛ فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك والحكاية المروية عنه: أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك، بل ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كان يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده فإنه قال ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» وقال: «لا تجعلوا قبري عيدًا ولا تجعلوا
_________________
(١) رواه أبو داود ٢/٥٣٤ وإسناده حسن في سنده أبا حميد وهو صدوق يهم كما في التقريب ثم رجعت إلى تحفة الأشراف فإذا بالحافظ ابن حجر يقول في النكت الظراف: يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة: حديث «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» وغلى آخره. قال: قلت: ادخل مهدي بن جعفر عن عبد الله بن يزيد الإسكندراني عن جده بين يزيد وأبي هريرة (رجلًا) وهو أبو صالح - أخرجه الطبراني في الأوسط في ترجمة جعفر بن سهل. أهـ.
(٢) أخرجه مالك بإسناد صحيح أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد..إلخ وأخرجه أيضًا البيهقي في سننه الكبرى ٥/٢٤٥.
[ ٤٦ ]
بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (١) .
وقال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» (٢) فأخبر أنه يسمع الصلاة من القريب وأنه يبلغ ذلك من البعيد.
وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا أخرجاه في الصحيحين (٣)، فدفنته الصحابة في موضعه الذي مات فيه من حجرة عائشة وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد من قبلية وشرقية لكن لما كان في زمن الوليد بن عبد الملك عمر هذا المسجد وغيره وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز فأمر أن تشتري الحجرة وتزاد في المسجد، فدخل الحجرة في المسجد من ذلك الزمان وبنيت منحرفة عن القبلة مسنمة لئلا يصلي أحد إليها فإنه قال ﷺ: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي (٤) .
وزيارة القبور على وجهين زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالشرعية: المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه،فالسنة فيها أن يسلم على الميت ويدعي
_________________
(١) رواه أحمد ٢/٢٤٦ راجع تحذير الساحد ص١٦. من حديث أبي هريرة «اللهم لا تجعل قبري وثنًا» وأما بقية الحديث فرواه أحمد أيضًا ٢/٣٦٧ من حديث أبي هريرة بسند حسن ورواه أبو داود ٢/٥٣٤ من حديث أبي هريرة أيضًا.
(٢) رواه أحمد ٤/٨ وأبو داود ١/٦٣٥، ٢/١٨٤ وابن ماجه ١٦٣٦ والنسائي ١٣/٩١ جميعاص عن أوس بن أوس والحديث من طريق الحسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والصحيح أنه ابن تميم حيث كان يغلط في اسمه ولكن للحديث شواهد كما قال ابن القيم من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي أمامة وأبي مسعود الأنصاري وأنس بن مالك والحسن بن علي راجع هذا كله. في جلاء الأنعام لابن القيم ص٣٠ - ٤١.
(٣) رواه البخاري ١/٥٣٢ و٣/٢٠٠ ن ٢٥٥، ٦/٤٩٤ عن ابن عباس وعائشة و١٠/٢٧٧ عنها أيضًا ومسلم ١/٣٧٦-٣٧٧ من حديثهما أيضًا وكذلك من حديث أبي هريرة وأحمد ٦/٨٠ و١٢١ و٢٥٥ وأبو عوانه ١/٣٩٩ راجع أيضًا تحذير الساجد ص٩، ١٦، ٢٠، ٥١.
(٤) رواه مسلم ٢/٦٨٨ راجع تحذير الساجد ص٢٢.
[ ٤٧ ]
له سواء كان نبيًا أو غير نبي، كما كان النبي ﷺ يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم» (١) . وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع، ومن به من الصحابة وغيرهم أو زار شهداء أحدوغيرهم.
وليس الصلاة عند قبورهم غير مستحبة عند أحمد من أئمة المسلمين بل الصلاة في المساجد التي ليس فيها قبل أحد من الأنبياء والصالحين وغيرهم أفضل من الصلاة في المساجد التي فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين، بل الصلاة في المساجد التي على القبور، إما محرمة (٢)، وإما مكروهة.
وأما الزيارة البدعية: فهي أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي ﷺ، ولا استحبه أحد من سلف الأمة، بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها، وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي ﷺ بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: «من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» وقوله «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ومن زارني بعد مماتي حلت عليه شفاعتي» ونحو ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة ليس في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا نحوهم، ولكن روى بعضها البزار والدارقطني (٣)، ونحوها بإسناد ضعيف لأن من عادة الدارقطني وأمثاله أن يذكروا هذا في السنن ليعرف، وهو وغيره يبينون ضعف الضعيف من ذلك والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) تقدمت الإشارة إلى بعض أحاديث الزيارة صفحة ٣١ حاشية (١) .
(٢) قد ألف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رسالة في هذا وسماها (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» طبعت عدة طبعات فراجعها فإنها نفيسة جدًا واقرأها بتمعن: يجزاه الله خيرًا.
(٣) انظر سنن الدارقطني ٢/٢٧٨.
[ ٤٨ ]